روبورتاج

الثعالبــــي.. الرجــــل العالـــم والعــابــــد الـــزاهــــد/ مسجد سيدي عبد الرحمن..إشعاعٌ ثقافيٌ وتنويرٌ روحيٌّ

روبورتاج : فاطمة طــاهي/

 

وأنت تتجول بين أزقة الأحياء العتيقة بقصبة الجزائر العاصمة، ستجد نفسك تتصفح كتابا مفتوحا يروي لك حكايات التاريخ، لحضارات مرت وأبدعت لسنوات طويلة. فمن بين القصور والدور والحمامات والدكاكين التي تصادفها وأنت تصعد تلك السلالم عبر الممرات الضيقة، سيصادفك بأعالي القصبة إحدى الصروح الدينية التي كان لها دور في الحفاظ والحرص على تشبيع الثقافة الدينية لسكان الجزائر، إنه مسجد سيدي عبد الرحمن الثعالبي الذي يعد من أشهر المعالم الإسلامية بالجزائر العاصمة، ولا يزال اليوم قبلة للجزائريين وللسياح الأجانب وذلك لما يكتسيه من طابع وبعد ثقافي وحضاري.

مسجد سيدي عبد الرحمن ثعالبي:
يعد مسجد سيدي عبد الرحمن الثعالبي من أصغر مساجد المحروسة، حيث لا تتجاوز مساحته 36 متر مربع، وقد اطلع ديفولكس على أقدم وثيقة من الأرشيف العثماني تتعلق بهذا المسجد، والتي تعود إلى سنة 978 هـ، 1580 71 للميلاد، وتشير بعض الروايات أنه بالقرب من هذا المسجد كانت هناك دار تسمى بـ “بدار سيدي عبد الرحمن الثعاليبي”، مما يوحي أن التسمية جاءت لهذا السبب، وتتكون إدارة مسجد من وكيل وإمام يقوم بدور المؤذن كذلك، وحزابين اثنين، أما آخر وكلائه فقد كان السيد الحاج حسن بن كرواش، وقد احتفظت عائلته بهذه الوظيفة مدة قرنين أو ثلاثة، وأقيم في موقعه حديقة عامة ملحقة بمقر السوكرتير العام للحكومة.
ويقع مقام الثعالبي في الجهة العلوية لقصبة الجزائر العاصمة في الأربعين من حي محمد بن شناب العاصمة، بساحة الشهداء، تجاور الضريح من جهته السفلى مقبرة صغيرة، ومن جهته الشمالية مدرسة الثعالبية التي تم تحويلها حاليا إلى المركز الوطني للامتحانات.
سيدي عبد الرحمن الثعالبي الشيخ العالم المتصوف
هو أبو زيد عبد الرحمان، بن محمد، بن مخلوف، بن طلحة، ابن عامر، ابن نوفل، بن عامر، بن منصور، بن محمد، بن سباع، بن مكي، بن ثعلبة، بن موسى، بن سعيد بن مفضل، بن عبد البر، ابن قيس، ابن هلال، ابن عامر، بن حسان، بن محمد بن جعفر، بن أبى طالب. وفي رواية أخرى : بن حسان بن عبد الله بن جعفر، زوج زينب بنت علي بنت فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم -.
ولد الثعالبي بواد يسر قرب مدينة الجزائر، ونشأ هنالك بين أحضان والديه في أسرة علم، كانت هذه الأسرة ذو ملك حيث أن الثعالبة حكموا لمدة طويلة عدة مناطق من المغرب العربي خاصة منطقة متيجة، قبل أن ينقرض ملكهم على يد أبو حمو أحد ملوك تلمسان زعيم بني عبد الواد سنة 780 هـ / 1378م.
زاول عبد الرحمن الثعالبي تعليمة بداية في أسرته، حيث تعلم القرآن الكريم مبكرا، كما كان يطّلع على كتب التاريخ والتفسير والحديث. وعندما بلغ سن الخامسة عشرة هاجر رفقة والده بن مخلوف نحو مدينة بجاية حيث توفى والده ودفن.
استقر عبد الرحمن الثعالبي في بجاية سبع سنين، وتتلمذ وصاحب أكبر علماء وقته كالشيخ أبي زيد عبد الرحمن الوغليسي، والشيخ أبو الحسين المنجلاتي. وفي سن الرابع والعشرون من عمره، اتجه نحو تونس ولبث فيها ثمانية سنوات طلبا للعلم تعرف خلالها على الشيخ محمد بن خلف الأبي وأبو مهدي الغبريني.
ثم انتقل إلى مصر حيث التقى أبي عبد الله البلالي، وأبي عبد الله البساطي، والشيخ ولي الدين العراقي. ثم زار تركيا أين استُقبل استقبالا كريما ويقال أنه أقيمت له هنالك زاوية لازالت موجودة إلى يومنا.
عاد الثعالبي من جديد إلى تونس عالما بعلم الحديث، ثم شدّ الثعالبي الرحال لأداء مناسك الحج، وبعدها رجع إلى مسقط رأسه، حيث يروى في هذا الصدد أنه بينما كان يمر بإحدى شوارع القصبة، سمع أحدا يتلوا القرآن ووصل إلى قوله تعالى: “بلدة طيبة ورب غفور” فقال الثعالبي: “هذا فال حسن!”، فقرر الإقامة بها.
تم تكليف الثعالبي قضاء المدينة وهو في سن الرابع والثلاثين من عمره، لكنه سرعان ما تخلى عن المنصب واختار طريق الزهد والعبادة وتعليم الناس.
وقد توفى الشيخ الثعالبي ليلة الرابع والعشرين من شهر رمضان سنة 1474م. دفن في مسجده في قلب مدينة الجزائر.
من ضريح… إلى مسجد يوسعه الباي حاج أحمد العطشي
تعلو مدخل الضريح كتابة تحدّد تاريخ بناء المقام والمتمثلة في سنة 1108هـ/1696م، وكتابة ثانية تعيّن نهاية تاريخ الأشغال فيه وذلك في 1141هـ/1730م، هذا ويشير التاريخ الأول إلى إصدار الباي حاج أحمد العطشي سنة 1109هـ/ 1698م أمرا لتجهيز المقام، حيث تم إعلاء المسجد وتزويده بمحراب وغرف للصلاة، أما قبته الأولى فقد شيدت من طرف أتباعه سنة 875هـ/1474م. بينما يشير التاريخ الثاني إلى تاريخ صدور أمر الداي عبدي باشا 1144هـ/ 1732م بترميمه.
هذا ويتكون المقام من صمعة، وطابق علوي يضمّ غرفتين، وطابق سفلي يحتوي على قاعتين، بالإضافة إلى قاعة للصلاة حيث يتواجد ضريح الشيخ. يغطي الضريح تابوت خشبي ووشاح أخضريين اللون.
هذا ونجد المقام متوج بقبة مثمنة الزوايا على شاكلة العمارة التركية، أما المحراب فقد تم تزيينه بالخزف المستورد من آسيا الصغرى وبجانحيه سريتان صغيرتان من رخام وهي عبارة عن خشبة من الرخام، أما الصومعة فإنها تمثل برجا مربعا محاطا بسرايا صغيرة ومزخرفة بمربعات خزفية.
“أولاد سيدي عبد الرحمن” يحيون “المولوديات” بمقامه
اشتهر ضريح الثعالبي في تاريخ العاصمة بما يسمى “بالمولوديات”، أي أيام الاحتفال بالمولد النبوي، حيث يروى المؤرخون أن سنة إحياء المولد النبوي في مقام الثعالبي تعود إلى مطلع القرن الحادي عشر للهجرة، السابع عشر للميلاد بمبادرة من كبار أهل الفتوى من علماء العاصمة، حيث اتفقوا على الاجتماع بالمقام للاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك من خلال تلاوة القرآن الكريم والأذكار والمدائح الدينية.
أعماله ومصنفاته… قبلة للإشعاع العلمي
اهتم عبد الرحمن الثعالبي بالتدوين والتأليف لخدمة الشريعة الإسلامية المطهرة وله في ذلك الباع الطويل، فلقد ترك ما يزيد على التسعين مؤلفا بين رسائل وشروح وحواشٍ وتعاليق وكتب مستقلة في الوعظ والرقائق والتذكير والتفسير والفقه والحديث واللغة والتراجم والتاريخ وغيرها، ففي التفسير نجد: “الجواهر الحسان في تفسير القرآن”، “نفائس المرجان في قصص القـرآن”، “الذهب الإبريز في غريب القرآن العزيز”. في القراءات: “المختار من الجامع في محاذاة الدرر اللوامع”. في الفقه: “جامع الأمهات في أحكام العبادات”، “الجامع الكبير”، “روضة الأنوار ونزهة الأخيار”، “شرح مختصر ابن الحاجب الفرعي”، “شرح مختصر سيدي خليل”، “شرح ابن هارون”، “شرح عيون مسائل المدونة”. في الحديث: “المختار مــــن الجوامع”، “الأربعين حديثا في الوعظ”، “شرح على غرر ابن عرفة”. في التصوف: “حقائق في التصوف”، “رياض الصالحين وتحفة المتقين”، “رياض الأنس في علم الدقائق وسير أهل الحقائق”، “إرشاد السالك”. في العقيدة: “العلوم الفاخرة في النظر في أحوال الآخرة”، “كتاب المرائي”. في الوعظ: “الإرشاد لما فيه من مصالح العباد”، “جامع الفوائد”، “كتاب النصائح”. في السيرة: “الأنوار في آيات ومعجزات النبي المختار”. في التاريخ: “جامع الهمم في أخبار الأمم”، “الرحلة لله”. في اللغة: “تحفة الإخوان في إعراب آي القرآن”، “الفهرست ومختصرها”. في الأدعية: “الدرّ الفائق”، “العقد النفيس”، “جامع الخيرات”.
المقام عبر التاريخ يستقطب شخصيات غربية نصرانية
امتد التأثير الروحي لمقام عبد الرحمن الثعالبي إلى عدد من الشخصيات الغربية النصرانية نذكر منها الملكة البريطانية “فيكتوريا” 1318هـ/ 1901م التي وهبت الثرية الموجودة وسط قاعة الصلاة بمناسبة زيارة ابنها الملك “إدوارد السابع” 1327هـ/ 1910م للضريح رفقة زوجته الملكة “ألكسندرا” عام 1343هـ/ 1925م، كما زار مقام الثعالبي أيضا ملك السويد “أوسكار الأول” 1267هـ/ 1851م، وملكة البرتغال “أميلي” 1370هـ 1951م، والرئيس الفرنسي “اسكندر ميلران” 1361هـ/ 1943م. كما أعجب بالمقام الرسام الفرنسي “بول لوروي” 1360هـ/ 1942م الذي قضى ساعات طويلة من أيامه في تصوير ورسم مسجد الثعالبي، كما زار المقام الكاتب “أوجان فرومونتان” سنة 1292هـ/ 1876م، وحسبه أن مقام سيدي عبد الرحمن “آخر ملجأ للحياة العربية”، كما وصفته الكاتبة السويسرية “إيزابال إيبرهارت” التي زارت المكان بـ “أجمل مكان في الجزائر لمن يبحث عن السكينة”.
شهـادات وأقوال العلماء عن الثعالبي
ومن الأقوال التي خلدت مسيرة العالم عبد الرحمن الثعالبـي هي تلك الشهادات التي قدمها مشايخه وتلامذته، نذكر من بينها شهادة الشيخ محمد بن خلف الأبي التونسي حيث يقول عنه: “الصاحب الفقيه الأكرم أبو زيد عبد الرحمن بن محمد المذكور في الأعلى الصحيح”، وشهادة الشيخ ابن مرزوق الحفيد التلمساني الذي يقول حيث يقول عن الشيخ عبد الرحمن الثعالبي: “سيدي وبركتي الشيخ الإمام الفقيه، المصنف، الحاج، العالم المشارك، الخير، الدين، الأكمل، أبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي”، أما الشيخ أبو زرعة ولي الدين العراقي فيقول: “الشيخ الصالح الفاضل، الكامل المحرر المحصل الرحال، أبو زيد عبد الرحمن محمد بن مخلوف الثعالبي نفع الله به”، أما الإمام شمس الدين السخاوي: “عبد الرحمن بن محمد مخلوف الثعالبي الجزائري المغربي المالكي ممن أخذ عن أبي القاسم العيدوسي، وحفيد ابن مزروق، والبرزلي، والغبريني، وحج وأخذ عن الولي العراقي. وكان إماما علامة، مصنفا”، ويقول محمد عبد الرحمن بن الغزي الدمشقي: “أبو زيد عبد الرحمن بن محمد مخلوف الثعالبي الجزائري، الإمام، علم الأعلام، الفقيه، المفسر، المحدث، العمدة، الفهامة الهمام، الصالح الفاضل، العارف بالله الواصل. أثنى عليه جماعة بالعلم والصلاح والدين المتين، أخذ عن أئمة من أهل المشرق والمغرب، وعرف بهم وبنفسه، وما له من التآليف في فهرسته”.
أبناء عبد الرحمن الثعالبي وعائلته
للثعالبي ثمانية أولاد: أربع من الذكور وهم: محمد الصغير، محمد ابن الصالحين، محمد الكبير، ويحي أبي زيد، وأربع من الإناث وهن: فاطمة، رقية، محجوبة، عائشة، هذه الأخيرة التي دفنت في مقبرة والدها، كما دفنت فاطمة والمعروفة لدى بعض المؤرخين باسم زينب، مع زوجها الإمام عبد الكريم المغيلي في الصحراء، حيث يحمل ضريحها إلى يومنا اسم: ضريح بنت سيدي عبد الرحمن، كما كان في أحفاد عبد الرحمن الثعالبي عدد من العلماء أشهرهم حفيده سيدي يخلفتين وشيخ الإمام التنبكي، وكذلك الشيخ أبو مهدي الغبريني، العلامة المغاربي محمد الحجوي الثعالبي، والمجاهد المناضل التونسي عبد العزيز الثعالبي، والإمام الجزائري محمد أمزيان طوالبي الثعالبي، وأخيه محمد الشريف.
تلاميذة الشيخ عبد الرحمان الثعالبي
لقد تتلمذ على يد الشيخ عبد الرحمن الثعالبي، ثلة من العلماء داخل الوطن وخارجه، كصهره علامة أدرار عبد الكريم المغيلي 909هـ/ 1503م، وفقيه باب الوادي عبد الله الزواوي 884هـ/ 1479م، والشيخ أحمد زروق 899هـ/ 1493م، وعالمي تلمسان: محمد بن عبد الله السنوسي 895هـ/ 1489م، وابن مرزوق الكفيف 901هـ/ 1495م، وكذا مفتي بسكرة عيسى ابن سلامة 865هـ/ 1456م، ومحمد بن عبد الله التنسي 899هـ/ 1494م. كما امتد إشعاع الثعالبي خارج حدود وطنه حيث تتلمذ على يده أيضا عدد من العلماء غير الجزائيين، أهمهم الفقيه المغاربي علي بن عياد بن أبي بكر البكري 893هـ/ 1487م والمؤرخ المصري عبد الباسط الملطي 920هـ/ 1514م.
النشاطات الدينية بمسجد سيدي عبد الرحمن
ومن العادات التي ألفها سكان منطقة الجزائر، هي الحفلات الدينية التي كان يحتضنها مقام سيدي عبد الرحمن الثعالبي، والتي كان يشارك فيها مجموعة صوتية من القصادين الملمين بفنون المدح والذكر، المتخصصين في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، إذ كانت هذه الحفلات سابقا تتواصل على مدى شهرين كاملين عند حلول ذكرى المولد النبوي الشريف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com