مقالات

وجوه الاتفاق بين الدين الإسلامي والأديان السابقة من حيث التشريع الفقهي

د. علي محمد الصلابي/

إنَّ وحدة الدين عند الله حقيقة، وقد دلَّت عليها النصوص كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13].
وقد اتفقت الشرائع في أصول التشريع غالباً؛ لأن مصدر التشريع واحد، فقد شرع الله لعباده ما يصلح شأنهم على امتداد رحلة البشرية، وأرسل الله في كل أمة رسولاً وبشيراً ونذيراً، ليجدِّد ما اندرس من معالم أصول الدين، ويضيف بأمر الله ما يناسب كل قوم من شرائع في فروع الدين ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48].
إذن الاختلاف في فروع الشرائع وفي ميادين التطبيق العملية في كثير من الأصول، ولكن يبقى الجوهر واحداً في رسالات الأنبياء، فكل شريعة تصدِّق ما قبلها من الشرائع، وتمهِّد لما بعدها، وجاء القرآن الكريم مصدقاً لما بين يديه من الكتب السابقة، ومهيمناً عليها بما يشتمل عليه من استيعاب لجوانب الكون والحياة كلها، وما يُصلح البشرية إلى قيام الساعة ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا﴾ [المائدة: 48].
ـ لنأخذ أمثلة من اتفاق أصول الشرائع:
أ ـ الصلاة:
قال تعالى على لسان أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام:﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: 40].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ [المائدة: 12].
وقال تعالى على لسان عيسى عليه السلام: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: 31].
وقال تعالى عن هذه الأمة المحمدية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238].
وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 72-73]. فالاتفاق حاصل في أصل مشروعية الصلاة، ولكن الكيفيات والمواقيت ربما كانت مختلفة في الصور وميادين التطبيق (الألمعي، دراسات في التفسير الموضوعي، ص 37).
ب ـ الزكاة:
قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 4 5].
وقال تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: 55].
وقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103].
يلاحظ مدى ارتباط الزكاة بالصلاة في مواضع عدة من كتاب الله تعالى، فالصلاة عبادة روحية بدنية، والزكاة عبادة مالية، وهما لازمتان لصلة العبد بربِّه وتزكية النفس والمال وتكافل المجتمع. (الألمعي، دراسات في التفسير الموضوعي، ص 38).
ج ـ الصيام:
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. فالصيام فريضة قديمة على المؤمنين في الأمم السابقة، كما تنصُّ عليه الآية. (الألمعي، دراسات في التفسير الموضوعي، ص 38)
د ـ القصاص:
قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45].
وجاء الإسلام، فقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ١٧٨ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ١٧٩﴾ [البقرة: 178-179].
فالقصاص عقوبة مقررة في جميع الشرائع الإلهية المتقدمة لضرورة حماية الأنفس وصيانة المجتمعات من الفوضى وانتهاك الحرمات (الألمعي، دراسات في التفسير الموضوعي، ص 38).
هـ الجهاد:
قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146].
والمقاتلة دفاعاً عن النفس أو الدين أمر مشروع في الشرائع السابقة حسب مقتضيات الأحوال والظروف، وهذه بعض أصول الشرائع بين الأنبياء والمرسلين.

المصدر:
علي محمد الصلابي، المسيح عيسى ابن مريم عليه السّلام، ص 214-216

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com