مساهمات

حقيقة المـوت ورحلة الخذلان

د. مصطفى داودي*/

من العجيب أن ترى الحياة تسير بين الأضداد بين الحياة والموت، والخير والشر، والظلم والرحمة، والألم والأمل، والشدّة والفرج، والفرح والترح، والعسر واليسر، وهكذا…
ومن العجيب حقا أن يكون الموت حياة، لأن الكثير من الناس يقفون على لفظة الموت فينزعجون ويذهب اتزانهم، دون أن يقفوا وقفة الرجل اللبيب العارف، على هذا الموت وسرّ سنته في هذه الحياة، ويتساءلون عنه:
ما معنى الموت؟ لماذا وجد؟ ولأي غاية يسير بالخلق؟ ما علاقة الموت بالحياة؟ وما الذي يراه الإنسان من عالم لحظة خروج الروح إلى بارئها، وما هي مشاعره في ذلك؟ وإلى أي عالم ينتقل وما هي رحلته ما بعد حياة ما قبل الموت؟.
إنها تساؤلات قليلة من بين كثير التساؤلات، لما نقف بصفاء واتزان عند باب الموت، ولكن لا يجاب عنها، إلاّ بالفهم الدقيق والوعي العالي، والاتزان الشامخ، والإدراك الثاقب، والموازنة الشاملة.
حقيقة أن الموت سكون ونهاية، وحزن ونعاية، وهو فوق كل ذلك مفرق الجماعات وهادم اللذات ومستعجل النهايات، إلاّ أنه مع كل هذه السمات، فهو منبع الحياة، لأنّ سنن الله علمتنا، أنّه من الموت تدب الحياة الأبدية، ومن أعماق ظلام الحزن يبزغ شعاع الخير، ومن شدّات الألم يشع نور الأمل، ومن جبروت الظلم يتراءى كبر الحق وشموخه، إنّها سنن الله التي لا بدّ على السائر في هذه الحياة أن لا تفارق خياله لحظة، لأنّها الحقيقة التي ينبغي أن ندركها ولا نحيد عنها البصر والبصيرة لحظة.
فالله -عزّ وجل – جعل لهذا الكون بكل ما فيه سننا يسير عليها، ومن أعظم هذه السنن سنة الموت، التي أعجزت عقول العلماء وأدهشت خيال المفكرين، وأربكت اتزان المخلوقين، وذهبت بكل ما ابتدع المبدعين، وكاد الكائدين، وخطط البائسين، ليبقى الصفاء والحق والنّقاء من أعلى الدرجات في هذه الحياة، لأنه مهما اجتمع النّاس بكثرتهم على القبح والرذيلة، فإنّهم لا يختلفون أبدا على تصنيف النقاء والجمال والعلو في أرفع الدرجات، ولا ينكرون أبدا في لحظة وقوفهم مع ذواتهم أن ما يفعلونه هو أحطّ وأخس وأدنى درجات السفالة والخنوع، بل أخس درجات التحدي المشؤوم، هؤلاء الذين ظنوا بأن الموت معلم نهاية لا بعده بداية، ولم يعلموا بأن الموت حياة، وبأنه وصال بين عالم وعالم وبين حياة وحياة، وأن الموت معلم بداية لحياة أبدية، فالموت إذن لم يوجد لأجل الفناء ولا لإنهاء الحياة، بل سرّه عظيم، والذي يعي سرّه يتذوق بلذة لحظاته، ومن عظائم أسرار الموت أنه يجمع بين سمات وأحاسيس متناقضة في ظاهرها، وواضحة جلية في عمقها فهو يجمع بين الانزعاج والاطمئنان، والحزن والفرح، وبين نهاية لا ذكر بعدها، وبين نهاية لا نسيان بعدها، إنها أسرار الموت العظيمة التي تهين وتسفه المعتقدين بأن الموت كله ألم وكله حزن.
فالموت ما وجد إلاّ ليطمئن النّفوس الصالحة ويريحها ويعوّض لها صبرها وتضحياتها خلود وحياة أبدية، شعارها (الراحة والنعيم ولقاء الصالحين)، وما وجد إلاّ ليبعث الارتباك والنقص في النفوس الطالحة، ويهدم كل ما بنوه باطلا وعدوانا وظلما وزروا، إنه يعكر نومهم ويقظتهم، ويذهب الاطمئنان في كل شيء عندهم، لينهي كيدهم وباطلهم، ويبدئ ألمهم وشقاوتهم الأبدية في حياة بعد موت.
إنّها معان تجسدت في لحظة قصيرة من الزمن، إنها لحظة خروج الروح إلى بارئها، وما أعظمها من لحظة، إنها تبعث الابتهاج والسرور والخير في النفوس المؤمنة وينطلق اللسان فيها حمدا لله الذي صدقها الوعد وأورثها خيرا لا تزنه الأعمال وإن عظمت، وتبعث الحسرة والندامة في النفوس الشاكة والمغرورة، وينطلق لسانها (ويلي)، ليتني قدّمت لحياتي، فيدركون أن الموت حياة أقبلت، وما كانوا إلاّ في لحظات امتحان أدبرت.
إنه الموت ذلك الخيار الرباني، الذي آمن به ذوو الأهداف السامية في هذه الحياة، فزاد في نفوسهم الاطمئنان والاتزان، وبعث في مسيرهم جلاء الأهداف ونبل الغايات واتضاح مسار الحق صافيا نقيا أمام أعينهم، ليكونوا في اطمئنان وثبات لبلوغ الأهداف والغايات، في حركة لا يسري إليها الحزن ولا الكآبة، بل تجدهم في ابتسامة دائمة وروح عالية وسعادة أبدية شعارها: (إن جاء الموت فهو بداية لسعادة أبدية).
لتبدأ بعده رحلة الخلود العجيبة، إما أن تكون رحلة خذلان نحو شقاء، وإما رحلة عزة نحو نقاء.
وتكون الأولى لأولئك الذين جروا وراء الصراب، وارتبط جهدهم بزوائل اللذات وصار الحق عندهم ماهو كائن، وعزفوا عن الصفاء والنقاء الذي أريد لهم في هذه الحياة، وانقلبت عندهم الحياة من محطة لحياة أبدية، إلى عيش لا بعده حياة ، يحققون فيها لذة لساعة، ويلهيهم التسويف وطول الأمل وليس معهما استفاقة، حتى يرفعون رؤوسهم، فإذا بنصب القبر يردهم، وهول نظرة حياة غفلوا عنها يهزهم، وسواد أعمالهم تتعسهم وتطأطئ رؤوسهم، وتنبئهم بأن الحياة تبدأ من هنا، والعمل بدأ فيما قد فات وانتهى إلى هنا.
إنّها لحظات الإدراك التي تدمع فيها العين تقصيرا وتأسفا وينقلب فيها الشوق إلى ألم وحصره، وينقطع الأمل ومعه كل تسويف أو عمل، وتبدأ رحلة الخذلان بويلات الندامة وصيحات الخسران ولسان الحال يقول «وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّاَلِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً، يا وَيْلَتَا ليتني لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً، لَّقَدْ أضلني عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءني وَكَانَ الشَّيْطانُ للإنسان خَذُولاً « سورة الفرقان: الآيات (27 – 29)
وتستمر الرحلة، ويظهر عدل الله بوضع الميزان وعرض الأعمال، ويؤتى الكتاب ويؤمر بقراءته، ويصورها الله لنا في قوله جلاّ علاه: «وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً» سورة الإسراء:
الآيات (13 – 14)
حينها يهز الإنسان رأسه ويتلفظ اللسان تذكرا وندامة، ولسان الحال يقول: «وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا» سورة الكهف، الأية:49.
ويتمنون حينها أن لو كفاهم الله عرض الكتاب وتبيان الحساب وهم يقولون:
«وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ، يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ، مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ» سورة الحاقة ، الآيات:
( 25 – 29)
ليقضي الله فيهم أمره، في نهاية رحلتهم، بجر هؤلاء التعساء الغافلين إلى نار مهولة لما تراهم، يسمع لها تغيضا وزفيرا عجيبا، أبلغنا خالقنا بذلك فقال: «إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا» سورة الفرقان، الآية:12
وهي تنادي: (هل من مزيد، هل من مزيد)، مصداقا لقوله تعالى: «يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيد» سورة: ق، الآية: 30
حينها يتذكر أولئك التعساء، لما يجيء الله بجهنم، كسلهم وتسويفهم ومعاصيهم، ولكن: (أنّى لهم الذكرى) وقد أخذ بهم الهول مأخذ، مصداقا لقوله تعالى: (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى) سورة الفجر، الآية: 23.
وفي هذه اللحظات من مشاهد الخزي، يختم الله على أفواه أولئك التعساء، وتتكلم أيديهم وجلودهم وأرجلهم بما كانوا يفعلون، فيبهتون ويخاطبون ذواتهم الناطقة، لما شهدتم علينا فيقولون: (أنطقنا الله، الذي أنطق كل شيء)، وصور الله لنا هذا المشهد العجيب فقال: «يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ، حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ، وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ» سورة فصلت، الآيات: (19 – 23).
وقوله تعالي أيضا: «يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ» سورة النور، الآيتان: ( 4 -25).
كل شيء يتبرأ منهم ومن أعمالهم ، حتى الشيطان يصرخ في وجوههم ويقول: «وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ « سورة إبراهيم، الآية: 22.
وأما هذا الهول العظيم يصرخون بندامة ولسان حال كل واحد منهم يقول: (يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِ) سورة الفجر، الآية: 24. «يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» سورة الأنعام، الآية:27.
إلاّ أن الرحلة مستمرة ولا تقبل العودة، ولا التوقف، حتى تصل إلى محطة الفصل والإلقاء في النار، ولسان حال هؤلاء ينادي، يوم تقلب وجوههم فيه: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً» سورة الأحزاب، الأيات:
(66 – 68).
بهذه المواقف العجيبة يدركون بأنهم لم يقدّروا حقيقة هذا اليوم ومعه لم يفهموا حقا معنى الحياة ولم يعيوا قيمة الزمن الذي كانوا فيه والفرص التي أتيحت لهم، فجعلوا من حياتهم الدنيا مسيرة مزخرفة تعيسة، ونهايتهم سوداء مقيتة، وجزاؤهم نار أبدية مريبة.

*أستاذ محاضر بجامعة الشهيد زيان عاشور/الجلفة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com