قضايا و آراء

التواضع الجذاب الساحر

مداني حديبي/

في سنة 1982 كنّا في رحلة تربوية تعليمية مع طلاب المؤسسة زرنا مدينة سيدي عقبة ولاية بسكرة.. ومسجدها الجميل العامر بالبركات والفيوضات حيث قبر الصحابي عقبة بن نافع -رضي الله عنه – وقفنا طويلا نتأمل جهود الرجال والأبطال والشجعان والمتجردين وأجيال الفتوح الأولى.
ونشتم عبير الأجيال المتعاقبة التي تراكمت في ذاك المكان المنير الباسم المهيب..
وفي طريق العودة طلب مني سائق الحافلة أن نزور زاوية سيدي بن أعمر وشيخها بطولقة، فقلت له لن نفعل أبدا.. وذلك لخلفيتي الثقافية في ذاك الوقت ومطالعاتي الكثيرة لابن تيمية وشدّ الرّحال.. التي تنظر بعين الريبة والنفور والتقزز لمثل هذه الزيارات… فحاورني السائق بحكمة ورزانة وتأني وأقنعني بقوله: لا يمكنك أن تحكم على شيء دون أن ترى بعينك.. على مثل الشمس أشهد أو دع…
وصلنا إلى الزاوية صفا منظما من الطلاب والأساتذة..
وخارج الزاوية استقبلنا شخص يحمل ملامح طيبة وصافح التلاميذ واحدا واحدا…
ولما دخلنا إلى قاعة الضيافة الواسعة الرحبة الجميلة..
سألت أين شيخ الزاوية ولماذا لم يأت ليجلس معنا..؟!
وكنت أكتم غضبي من هذا التعالي الأجوف.. حينها خاطبني ذاك الشيخ الطيب الذي استقبلنا في مدخل الزاوية .. أنا هو شيخ الزاوية وخادمها… ألجمني العرق وخجلت كثيرا، وندمت على عجلتي وحكمي المسبق.. فقد كنت أتصور شيخ الزاوية يجلس على كرسي فخم ويلبس أفخر الثياب والقوم يتسابقون لتقبيل رأسه ويده.. فإذا به إنسان متواضع كرفيف الضياء .. ينحني ليقبل الأطفال ويحتضنهم ويبتسم لهم ويصافحنا واحدا واحدا.. ويخدمنا بيده.
إنّه التواضع في أسمى صوره وأحلى معانيه وأجمل مبانيه فعل فعله في نفسي ونفوس الطلاب بحيث انساب حب الشيخ في أعماقنا في لحظة واحدة.. ومن تلك اللحظة أحببت علم التزكية والإحسان والسلوك الذي صاغ نماذج فياضة بالكرم والتواضع والمحبة والخدمة..
فقد تكون الفكرة جميلة جذابة ولكن حينما يتقمصها شخص مغرور متكبر يشوه جمالها وينفر منها أشد التنفير..
وحينما يجسدها إنسان فاضل متواضع مهذب ذواق يزيدها جمالا وبهاء وجاذبية وسحرا..
فاللهم بارك في شيخنا الحبيب عبد القادر عثماني.. صحة وعافية ونورا وسرا.. فقد حببنا بأخلاقه العالية في المدارج والرسالة القشيرية وإحياء علوم الدين والحكم العطائية..
وحببنا في كلّ الأولياء الربانيين الذين لا يرضون عن أعمالهم وأحوالهم..(فأي علم لعالم يرضى عن نفسه.. وأي جهل لجاهل لا يرضى عن نفسه..؟!).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com