اتجاهات

فرقـــــة نــاجــيــة؟ طــائــفـــة منـصـــــورة؟

عبد العزيز كحيل/

المسلمون على اختلاف أعراقهم ولغاتهم وأقاليمهم ومذاهبهم أمة واحدة بنص القرآن والسنة، ليس المطلوب منهم أن يكونوا جميعا نسخة طبق الأصل لنموذج ما أيا كان، بل المطلوب منهم الالتزام بقطعيات الدين والالتفاف حول المتفق عليه من الآراء العقدية والفقهية، ولا حرج في اختلاف الفهوم في المسائل المتشابهة والقضايا الخلافية، ولا تأثير لهذا على وحدتهم، وقد اختلف الصحابة في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم فأقر اجتهاداتهم – أي اختلافهم – تصريحا أحيانا وسكوتا أحيانا أخرى، واختلفوا بعده، كما اختلف التابعون ومن بعدهم، ولم يعدّ أحد هذا طعنا في الانتساب لدين واحد.
اختلاف تنوع محمود: هذا هو اختلاف التنوع، وهو محمود لأنه مصدر ثراء فكري ودليل مرونة الشريعة، وليس الإسلام حكرا على مذهب أو فرقة أو طائفة مهما ادّعت، هو بناء جميل متنوع متكامل فيه رخص ابن عباس وعزائم ابن عمر وغرائب ابن مسعود وأثرية ابن حنبل ورأي أبي حنيفة وموطأ مالك وصحيح البخاري وظاهرية ابن حزم ومقاصدية الشاطبي وموسوعية ابن تيمية وسلفية ابن القيم وأشعرية ابن حجر وعقلانية أبي حامد الغزالي ورقائق عبد القادر الجيلاني وفروسية صلاح الدين… والنجاة في الآخرة ليست إذًا مقصورة على فصيل واحد، والنصر الإلهي ليس حليف مجموعة من المسلمين، الإسلام يسعهم جميعا متى توفّر الانتماء الصادق والإتباع الصحيح… الاختلاف سنة من سنن الله في خلقه، اختلف الصحابة في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده، لكنه كان اختلاف تنوّع لا اختلاف تضاد، وقد كان فيهم – وهم الجيل القرآني الفريد – أبو بكر بلينه، وعمر بصلابته، وعثمان بغناه، وأبو هريرة بفقره، وعبد الرحمن برفاهيته، وأبو ذر بزهده… من كل هؤلاء تشكلت لوحة إنسانية جميلة رائعة، أما اشتراط أن يكون المسلمون نسخا طبق الأصل لصورة ما فمطلب غير ممكن التحقيق بل غير مطلوب ولا مرغوب فيه… من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه نبيا رسولا فهو – إن شاء الله – من الفرقة الناجية والطائفة المنصورة.
التميز المَرَضي موفوض، ومزاعم امتلاك الحقيقة وحصرها في فصيل معين مزاعم باطلة تدل على قلة الفقه في الدين، بل هي مرض نفسي مصدره الغلوّ والتنطع وسوء الظن بالمسلمين وعدم الاستماع إليهم فضلا عن الانصهار معهم كما أمرْنا شرعا.
إن كل الطرق المشروعة تؤدي إلى الله، وكل واحد يركب السفينة التي سخرها الله له وهي من دون شك تناسبه، المهم هو صدق النية والثبات على الأمر، وقبول الاختلاف والتمسك بالقطعيات والتسامح في الظنيات .
وهذا التقسيم بين فرقة ناجية وأخرى هالكة لا خير فيه، ولا هو مأثور عن السلف ولا يؤدي في النهاية إلا إلى تشتيت الأمة، فقد بدؤوا أولا بالتفريق بين أهل السنة والجماعة والأشاعرة والماتريدية وذهبوا بعدها إلى الانتساب إلى الفرقة الناحية المزعومة واحتكار النجاة لوحدهم في الآخرة، واعتبار كل الفرق والجماعات الإسلامية ضالة لا تسير على العقيدة الصحيحة، ثم صرحوا تصريحا بأن الصوفية والإخوان من أهل النار، بينما كل هذه الفرق فضاء واسع يتشكل من كل من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا رسولا، وليس من حق أحد أن يحتكر الحقيقة لوحده أو ادعاء أنه الفرقة الناجية بناء على الغرور والانتفاخ.
وللإمام ابن القيم كلام نفيس في الموقف من الفرق المنتمية للإسلام يقول:» وأهل السنة وحزب الرسول وعسكر الإيمان لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، بل هم مع هؤلاء فيما أصابوا فيه ومع هؤلاء فيما أصابوا فيه، فكل حق مع طائفة من الطوائف فهم يوافقون فيه، وهم براء من باطلهم، فمذهبهم جمْع حق الطوائف بعضه إلى بعض والقول به ونصره وموالاة أهله من ذلك الوجه، ونفي باطل كل طائفة من الطوائف وكسره ومعاداته من هذا الوجه فهم حكام بين الطوائف لا يتحيزون إلى فئة منهم على الإطلاق ولا يردون حق طائفة من الطوائف، ولا يقابلون بدعة ببدعة، ولا يردون باطلا بباطل …» [كتاب شفاء العليل ص 51].
إنها إذًا قضية فهم للدين، فمن فهم عن الله ورسوله ترك التقوّل بدون حجة وبرهان، وترك التميز المرضي الذي اختص به اليهود والنصارى عندما قال بعضهم « نحن أبناء الله وأحباؤه»، فرفض الله دعواهم ورد عليهم بقوله « فلم يعذبكم بذنوبكم؟ بل أنتم بشر ممن خلق»، وزعم اليهود أنهم شعب الله المختار واحتقروا الأمم والشعوب على هذا الأساس، وكذلك يفعل من يزعم أن فرقته هي وحدها الفرقة الناجية وباقي المسلمين هالكون.
حسيبا أن نكون على الملّة، فقد جمعت لنا من الحدائق الغناء أعطر العطر وفتحت أبواب الإسلام والنجاة للناس جميعا، وأغلقت الاحتكار الأخروي.
صلاتُنا وصلاة «الفرقة الناجية»
أما صلاتُنا فهي صلاة جميع المسلمين، نؤديها وفق ما تعلّمناه من فرائضها وسننها من علماء الأمة المبلغين عن الرسول صلى الله عليه وسلم، نحرص على أن تكون صلاة مقبولة لذلك نركز على أعمال القبول وهي ثلاثة: الوقت والجماعة والخشوع.
أما صلاة «الفرقة الناجية» فهي طقوس وشكليات لا تعبأ كثيرا لا بالخشوع ولا بالقبول لأنها غارقة في أعمال ثانوية بالغت فيها على حساب فرائض الصلاة وروحها، هي: القدم للقدم، جلسة الاستراحة وتحريك السبّابة في التشهد.
يقيمون المعارك حول هذه المسائل ويؤلف شيوخهم فيها الكتب ويملؤون بها دروسهم المسجدية في حين تجدهم لا ينقطعون عن العبث بلِحاهم أثناء الصلاة، أي لا يعيرون الخشوع أي اهتمام في حين هو قطب الرحى وبيت القصيد.
استواء الصفوف مطلوب لكن رفس أقدام المحاذين لك من سوء الأدب، وجلسة الاستراحة مسألة خلافية لا يقرها كثير من أرباب المذاهب الفقهية (وحتى الإمام ابن القيم كما في كتابه زاد المعاد)، أما تحريك الإصبع فلا هو فرض ولا سنة ولا مستحب، بل هو عمل جبلي.
من كان يريد التميّز في صلاته فلْيميزها بالخشوع وشروط القبول: «إنما يتقبل الله من المتقين».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com