وراء الأحداث

عشرون سنة على تفجيرات 11سبتمبر، ذكرى الفاجعة الأمريكية الكبرى

أ. عبد الحميد عبدوس/

مرت يوم السبت11 سبتمبر 2021 الذكرى العشرون لتفجيرات مركزي التجارة العالمية بنيويورك ومبنى وزارة الدفاع الأمريكي (البنتاغون) بواشنطن، ذلك الحدث الإرهابي الخطير الذي شكل جرحا عميقا لكبرياء الولايات المتحدة الأمريكية والذي اتخذته مبررا لشن حروب طاحنة ضد دولتين مسلمتين هما أفغانستان والعراق، واطلقت العنان لصعود موجة الإسلاموفوبيا مع مطلع الألفية الثالثة في دول الغرب المسيحي التي شاركت نخبها وصناع الرأي العام فيها من سياسيين، ورجال دين، ومثقفين، وإعلاميين، وفنانين في تبريرها وتأجيجها.
حقا، لم يكن ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية يوم الثلاثاء 11 سبتمبر2001 بالأمر العادي أو الهين، فقد تابع العالم على المباشر من خلال شاشات التلفزيون ـ في عصر الإعلام المفتوح ـ بذهول ورعب مشاهد جديرة بسيناريوهات أفلام هوليود المثيرة، حيث تحولت الطائرات المدنية المخطوفة إلى قنابل مدمرة دكت رموز القوة والرخاء في أكبر المدن الأمريكية الأكثر حصانة ومنعة في العالم، وتحولت ناطحات السحاب العملاقة إلى هباء منثور ،وكانت بعض الدقائق كافية لإزهاق آلاف الأرواح من مواطني أكبر قوة في العالم المعاصر. اعتبرت الولايات الأمريكية المتحدة ما حدث «حربا على العالم الحر»، وسارعت حكومة الرئيس جورج ولكر بوش وفريق صقور الحرب في إدارته إلى اتهام تنظيم (القاعدة) بالمسؤولية عن تنفيذ الهجمات ،وطالب الرئيس الأمريكي حركة طالبان الحاكمة في أفغانستان بتسليم زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن الذي كان مقيما في أفغانستان، ولكن طالبان اشترطت على الولايات المتحدة تقديم أدلة مقنعة على ضلوع أسامة بن لادن في هجمات 11 سبتمبر قبل تسليمه. لكن حكومة الرئيس بوش لم تنتظر طويلا لغزو أفغانستان، فشنت في 7 أكتوبر 2001 حربا مدمرة تحت اسم (الحرية الدائمة) ودعت جميع الدول إلى الانضمام لما اسمته بجبهة «الدفاع عن القيم الكونية المشتركة التي تقاتل من اجلها الولايات المتحدة الامريكية». قادت أمريكا في غزوها لأفغانستان تحالفا مشكلا من أربعين دولة على رأسها المملكة البريطانية المتحدة ، كما انضمت إليهم قوات التحالف الشمالي المشكل من أمراء الحرب الأفغان المعارضين لحركة طالبان واستطاع هذا التجمع الحربي بعد حوالي شهرين ونصف الشهر من إبعاد طالبان عن السلطة يوم 17 ديسمبر 2001. مما دفع مقاتلي طالبان إلى الانسحاب إلى الجبال والكهوف لمواصلة المقاومة وطرد الغزاة، وتخللت هذه الحرب الشرسة التي استمرت قرابة عشرين سنة الكثير من الفظائع والجرائم التي طالت بالدرجة الأولى المدنيين، وأنشأت الولايات المتحدة سنة2001 بسبب هذه الحرب سجن غوانتانامو السيء السمعة الذي استعمل كمقر للمحاكم العسكرية الاستثنائية لممارسة التعذيب والاستنطاق للسجناء من أسرى الحرب المنتمين إلى تنظيم القاعدة وحركة طالبان بعيدا عن أعين القانون وقيم حقوق الانسان
وللتغطية على ما قامت به إدارة جورج ولكر بوش في حرب افغانستان روجت مجموعة من النخبة الفكرية الأمريكية لمفهوم (الحرب العادلة) حيث نشرت يوم 14فيفري 2002 جريدة (لوموند) الترجمة الفرنسية لبيان وقعه ستون مثقفا امريكيا تحت عنوان (رسالة امريكا … مبررات معركة)
مما جاء في البيان: «نقول بصوت واحد وبجدية إن هذه الحرب أمر ضروري لأمتنا ولحفائنا نحن نقاتل للدفاع عن أنفسنا، ولكن نعتقد ايضا أننا نقاتل من أجل الدفاع عن تلك المبادئ التي تشمل حقوق الانسان واحترامه التي هي اكبر أمل لمستقبل الإنسانية». وقد وقع هذا البيان ستون مثقفا أمريكيا ينتمون إلى كبريات الجامعات الأمريكية ويتوزعون على مختلف المشارب الفكرية والتخصصات الأكاديمية مثل علوم القانون والتاريخ والاقتصاد والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم التنفس إضافة إلى بعض منشطي تنظيمات المجتمع المدني ورجال الكنيسة، ومن أشهر الموقعين على الوثيقة المفكر الأمريكي الياباني الأصل فرانسيس فوكوياما صاحب كتاب (نهاية التاريخ) الذي بشر بأن الديمقراطية على الطريقة الأمريكية هي منتهى التقدم الانساني، والعالم السياسي البروفيسور صمويل هنتنجتون مؤلف كتاب (صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي)، الذي وضع نظرية صدام الحضارات وأصبح كتابه بمثابة إنجيل المحافظين الجدد ومرجع للإنجيليين الجدد المسيطرين على إدارة الرئيس جورج ولكر بوش ويغلب على جميع الموقعين الطابع القومي المحافظ المشبّع بالروح الأمريكية المتعالية.
وللتذكير فإن فكرة «الحرب العادلة» هي مفهوم ديني مسيحي استمدت جذورها الفكرية من الطروحات التي ساقها القسيس أوغسطينوس المعروف بالقديس أوغسطين في القرن الخامس الميلادي الذي قدم التبرير المسيحي الأول للحرب، معتمداً ليس فقط على التعاليم المسيحية فحسب، ولكن على القانون الروماني وحكمة الفلاسفة الكلاسيكيين ايضاً، ومنذ أن جعل الإمبراطور قسطنطين (272م – 337م) الإيمان المسيحي هو الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية في بداية القرن الرابع، صار قانون روما ونظامها هو الأساس الجديد الذي يستندون عليه لاتخاذ مواقفهم بشأن مواضيع مثل السلام والحرب، كما بلور في القرن الثالث عشر الميلادي القسيس والفيلسوف واللاهوتي الايطالي توما الأكويني (1225 – 1274) مفهوم الحرب العادلة وبذلك أصبحت نظرية الحرب العادلة مصدّق عليها قانونياً ومبررا للحروب الصليبية.
بعد فشل ثلاثة رؤساء أمريكيين (جورج ولكر بوش، وباراك أوباما، ودونالد ترامب) في كسر المقاومة الأفغانية وهزيمة حركة طالبان، وتحقيق انتصار عسكري في الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على أفغانستان بمبررات سياسية ودينية، بعد كلفة ثقيلة بلغت تريليوني دولار، ومقتل قرابة 2500 جندي أمريكي وقرابة أربعة آلاف من المتعاقدين الأمريكيين نحو 1144 من حلفاء امريكا وعشرات آلاف الجرحى من جانب الغزاة، ومقتل أزيد من 140ألف من الأفغان من بينهم 43ألف من عناصر طالبان،اعترف الرئيس الأمريكي جو بايدن بأن أفغانستان هي مقبرة للغزاة، وقال: «ما نراه الآن يثبت أن ما من قوة عسكرية يمكنها تغيير مجرى الأحداث في أفغانستان المعروفة بأنها مقبرة الغزاة ..».
قال رئيس تحرير موقع (ويكيليكس) كريستين هرافنسون، أن الحرب الأمريكية على أفغانستان استفاد منها بالدرجة الأولى المجمع الصناعي العسكري فقد ذهب أكثر من تريليون دولار أمريكي إلى جيوب هذا المجمع ومقاولي القطاع الخاص، المفترض أنهم كانوا يقومون بعمليات تدريب للشرطة الأفغانية، وأن أكبر مصنّعي الأسلحة في الولايات المتحدة الأمريكية قد شهدوا «زيادة بمقدار عشرة أضعاف» في قيمة مخزونهم، على مدار 20 عاماً من الحرب.
في 31 أوت 2021وبعد قرابة عشرين سنة على تفجيرات 11سبتمبر وما تبعها من غزو أفغانستان انسحب آخر جندي أمريكي من أفغانستان التي عادت من جديد إلى حكم طالبان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com