حوار

مترجم معاني القرآن الكريم إلى الأمازيعية الشيخ «سي حاج محند طيب» للبصائر:

 

  • خبراء الأمازيغية يؤكدون: أكثر من 70 بالمائة من ألفاظ الأمازيغية أصلها عربي

 

  • الحرف العربي سيفسح المجال واسعا لانتشار وترقية الأمازيغية

أجرت الحــوار: فاطمة طاهـــي/

 

كشف الشيخ سي حاج محند طيب، الخطوات الفعلية حول ترجمته لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية، التي حقق من خلالها مشروعا متميزا ونوعيا، مثّل به جل الشعوب ذات الأصول الأمازيغية، هذا وأشار المترجم إلى الدافع الذي انبثقت من خلاله فكرة ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الأمازيغية، ولماذا هذه اللغة بالتحديد؟ وما هي التحديات التي واجهها المترجم؟ وبعدما حلل الشيخ سي حاج محند طيب الحروف تحليلا علميا حياديا أجابنا عن سبب اختيار الحرف العربي في حين هناك من يدعو إلى كتابة اللغة الأمازيغية برموز التفيناغ أو الحرف اللاتيني، وهل تعليم الأمازيغية بالحرف العربي سيساعد أكثر على استيعاب هذه اللغة بالمقارنة مع رموز التفيناغ والحرف اللاتيني؟ وهل سيساهم في تطويرها لتلتحق بركب اللغات الأخرى العالمية؟ وهل يمكن أن نقول بأن كتابة الأمازيغية بالحرف العربي سيخدم الوحدة الوطنية؟ ونقاط أخرى لا تقل أهمية تفضل بها المترجم في حوار خص به جريدة البصائر الجزائرية.

البصائر: نبدأ فضيلة الشيخ بالسؤال الكلاسيكي في الإعلام، من هو الشيخ سي حاج محند طيب؟
-سي حاج محند طيب: ولدت في 20 جوان 1934م، بقرية إفرحونن ولاية تيزي وزو. التحقت بالكتّاب سنة 1947م لحفظ القرآن، ثم التحقت بزاوية «ثغُراسْثْ» بنواحي وادي الصومام، لحفظ القرآن بإتقان جيد وبدراسة المبادئ اللغوية والفقه. ثم التحقت بمعهد ابن باديس بمدينة قسنطينة سنة 1953م، حيث زاولت الدراسة على يد ثلة من الشيوخ الأجلاء.
التحقت بالثورة التحريرية سنة 1956م، حيث كلفت بمهمة الحبوس من فض النزاعات وكتابة العقود والتوعية، والتصدي لإبطال مخططات الاستعمار، وقد ألقي عليّ القبض سنة 1958م.
وبعد الاستقلال عينت معلما للغة العربية بعين طاية، شرق العاصمة، وفي نفس الوقت كنت أتابع دراستي الجامعية، تخرجت في سنة 1966م كأستاذ ثانوي للغة العربية. التحقت بمركز تكوين المفتشين بالمدرسة العليا للأساتذة بالجزائر العاصمة سنة 1969م، وفي سنة 1970م عينت مفتشا للتعليم الابتدائي والمتوسط لدائرة الأخضرية بولاية البويرة. وفي سنة 1977م انتقلت إلى مقر ولاية تيزي وزو كمفتش دائم. وفي نفس الوقت أستاذ مساعد بالجامعة.
وفي نوفمبر 1985م انتدبت إلى فرنسا كمفتش لتعليم اللغة الوطنية لأبناء المهاجرين، ثم في شهر أوت 1989م عدت من المهجر وتوليت مهمة التفتيش في الطور الثالث من التعليم الأساسي حتى سن التقاعد سنة 1995م، وفي عام 2002م عينت عضوا في لجنة الإفتاء ضمن البعثة المرافقة للحجاج.
حدثنا فضيلة الشيخ عن خلفية مشروعكم العظيم، كيف حتى جاءتكم فكرة ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية؟ ولماذا اللغة الأمازيغية بالتحديد؟
-نشأت في بيئة لا تتحدث سوى القبائلية، وقد ختمت القرآن الكريم، وأعدت ثمانية عشر (18) حزبا لا أعرف ولا كلمة واحدة من العربية ولو بالعامية، وكنت أظن أن القرآن يحفظ ولا يفهم، ولما التحقت بزاوية « ثَاغُرَاسْثْ» بوادي الصومام تلقيت بعض الدروس في اللغة العربية، وبدأت أفهم بعض الكلمات من القرآن، وقلت في نفسي: «إذن هذا القرآن يفهم»، وهنا تولدت فكرة الترجمة في ذهني، وقلت: لماذا لا يترجم القرآن الكريم إلى الأمازيغية حتى يفهمه من كان يعتقد مثلي أنه لا يفهم. ولكن وجدت المسألة ضربا من الخيال، ولما أنهيت دراستي بمعهد ابن باديس بقسنطينة عادت الفكرة من جديد نظرا لارتفاع مستواي المعرفي، ولكني اكتشفت أن المسألة ما زالت في دائرة المستحيل. وحين أنهيت دراستي الجامعية وجدتني مدفوعا برغبة أقوى للتصدي للمهمة. وهنا درست المسألة بشيء من الجدية لتغير الظروف، ومع ذلك انتهيت إلى أن تجسيد الفكرة صعب فقررت استبعادها نهائيا من ذهني.
وفي حدود عام 2000م دعانا السيد وزير الشؤون الدينية والأوقاف الدكتور بو عبد الله غلام الله إلى الوزارة، واقترح علينا تنصيب لجنة لترجمة معاني القرآن الكريم إلى الأمازيغية. ولما سمعت الخبر انفجرت تلك الرغبة المدفونة في صدري، وقلت في نفسي: هذه فرصة غالية لإنجاز الأمنية ما دامت قد صدرت من السيد الوزير، بالإضافة إلى أننا في مجموعة نستطيع التغلب على الصعوبات، وعلي ألا أضيع الفرصة.
فبدأنا العمل ولكن الإخوة تعذر عليهم الحضور باستمرار لكثرة مشاغلهم، فواصلت العمل بمفردي. وفي 16 مارس 2005م أنهيت الترجمة الأولية لمعاني القرآن الكريم إلى الأمازيغية.
ولما ترامى الخبر إلى سفارة السعودية تطوعت مشكورة بطبع المصحف المترجم ليوزع مجانا. وبعد انتهائي من الترجمة سلمته للوزارة التي بعثته بدورها إلى مجمّع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة.


ما هي الخطوات أو المراحل التي سرتم عليها لإعداد هذه الترجمة؟
-قبل أن توضع الترجمة للطباعة بين أيدي الفنيين خضعت الترجمة لتصحيح نخبة من العلماء، بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، الذين سخروا كفاءتهم العالية، وجهدهم الجاد، فخضعت لتصحيح صارم، وتمحيص دقيق، لا يكاد يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ومحصها ودقق فيها، وحتى علامات الترقيم من فاصلة ونقطة وعلامة الاستفهام…. وهذه هي الخطوات المتبعة:
فبعد الانتهاء من الترجمة بفضل الله وحسن عونه، وجهتها وزارة الشؤون الدينية والأوقاف إلى السعودية، لتوضع تحت عناية لجنة التصحيح (قبائل) التي قدمت اقتراحاتها القيمة للمترجم، ثم أعيدت الترجمة وأخذ المترجم ببعض المقترحات، وأبدى تحفظا على بعضها الآخر، نظرا لاختلاف اللهجات، والاختلاف حول تقديم رأي مفسر على آخر، وقدم تبريراته عن تلك التحفظات في تقرير مفصل، يحتوي على (12) صفحة، ثم حولت المقترحات المختلف عليها بين المصححين والمترجم إلى لجنة أخرى لدراستها، والنظر في ترجيح أحد الرأيين، بعد تمحيص مسوغات كل طرف، وعند اقتناع اللجنة برجحان رأي على آخر ثبتته. أما الآراء التي تتساوى فيها الكفتان، فأُجلت إلى المناقشة المباشرة مع المترجم، لمزيد من التوضيح الذي يكون حاسما في ترجيح أحد الرأيين. وقد تمت فعلا المناقشة المباشرة مع المترجم، في جلسات تشبه جلسات الامتحان، مع دكاترة في مختلف التخصصات. والمناقشة تناولت المعتقدات والعبادات والأحكام وحتى اللغة، خاصة في الآيات التي تحتمل أكثر من تأويل، لاختبار مدى فهم المترجم لمضمون الآية أو الآيات. ولما سألت عن سر كل هذا التعمق في التحليل والتدقيق، مع العلم أن الترجمة موجهة أصلا للأميين أو من في حكمهم، أُجبت: سدا لكل المنافذ التي قد يتسلل منها الذين يبحثون عن المثالب التي يريدون إلصاقها ـ باطلا ـ بالقرآن الكريم.

وهكذا تظهر هذه الثمرة اليانعة، التي قدمها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف للناطقين باللغة الأمازيغية، بتحليل عميق، ومضمون دقيق، وإخراج أنيق، حتى تكون جذابة، تدعو كل المؤمنين من الناطقين بهذه اللغة الانتفاع بها إن شاء الله.

وكل هذا جعلنا نطمئن إلى أن الترجمة، وفي حدود إمكانيات القدرة البشرية، تتوافق وما ورد من قواعد وأحكام في كلام الله العزيز، وإنا لندين لأولئك الفضلاء بعبارات الامتنان، والشكر والعرفان، وبهذا تبدو حسب رأينا ميزات ترجمتنا بعد الاطلاع على هذه المقارنة لا تخفى على القارئ الكريم.

هل هذه الترجمة هي التجربة الأولى من نوعها أم كانت سابقا تجارب ومحاولات أخرى في ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية؟ وما هي الإضافة التي تتميز بها ترجمتكم؟
-نعم هذه هي تجربتي الأولى. أما الإضافات والخصائص فيمكن اكتشافها من المقارنة البسيطة التالية بين الترجمات المتوفرة لدينا.

أولا: ترجمة الأستاذ آيت منصور تخصص الهندسة، وهي لم تخضع لأي مراجعة أو تصحيح من أي كان حسب علمنا، ما عدا بعض المحاولة من أحد الأساتذة الكرام وهي غير كافية حسب ما يبدو من تصريح الأستاذ نفسه. فحين وصلت الترجمة إلى وزارة الشؤون الدينية والأوقاف ليطلب صاحبها الموافقة على طبعها. أخبرني الأستاذ الفاضل أن السيد الوزير اقترح دمج الترجمتين معا، فأجابه بأن ذلك صعب جدا وربما يستحيل، لذا من الأفضل تركهما معا لتكون كل واحدة منهما ترجمة مستقلة.
للأستاذ ألف عذر وعذر وموقفه طبيعي بل هو موقفنا جميعا لو كنا مكانه، لأن الترجمة كتبت بحرف «التفيناغ» المجهول لدى الجميع أو يكاد، والحرف اللاتيني الذي لا يكاد يفي بالغرض من أداء أصوات الأمازيغية، خاصة وأن الترجمة لا يوجد بها ما كُتب بالحرف العربي للنص القرآني الأصلي للرجوع إليه عند الالتباس أو الغموض في نص الترجمة. بالإضافة إلى أن عملية التصحيح ليست في مقدور شخص واحد.
إضافة إلى صعوبات حقيقية في ترجمة معاني بعض الآيات، إذا اعتُمد على الفهم اللغوي وحده دون دراستها في الفقه. وهذا لا يضمن الاطمئنان إلى دقة تلك الترجمة. ولقد سألت الدكتور «حوية» أثناء تصحيح ترجمتي بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالسعودية: كيف يمكن مثلا أن يترجم آية صلاة الخوف أو آيات الميراث لمن لم يدرسها في الفقه..؟ فأجاب بشيء غير قليل من الانزعاج وهو المعروف بوقاره وهدوئه فقال: «إنها جرأة.. إنها جرأة..!!».
ثانيا: ترجمة الشيخ بوسته رحمه الله، وهي في نظرنا عمل أدبي أكثر منها ترجمة، وذلك لما يتمتع به من موهبة شعرية، وخيال خصب يجمع به في بعض الأحيان، وهذا ما يبدو من خلال عدم تقيده بالنص القرآني، حيث نلاحظ في غالب الأحيان عدم التطابق بين النص الأصلي (القرآن) ونص الترجمة. مع العلم أن المبدأ الأساسي في الترجمة هو التطابق بين النصين. كما أنه لا يتقيد تقيدا كافيا في استعمال الألفاظ.
كما أتمنى لو توضع ترجمة الأستاذ آيت منصور تحت محك التدقيق والتمحيص، وهذا لفائدة الترجمة نفسها، حتى تكون أقرب إلى الصحة ما أمكن، على غرار ما وقع لترجمتي، التي خضعت لمراحل صارمة ومتعددة من التدقيق والتصحيح.
هذا بالإضافة إلى أن ترجمة بوسته تناولت بعض الآيات والسور فقط. وهي مكتوبة بالحرف العربي أو محفوظة في صدر صاحبها كما صرح لي هو نفسه بذلك.
ثالثا: ترجمة سي حاج محند ـ محند طيب، وهي كاملة ومكتوبة بالحرف العربي كما هو معلوم. ولقد خضعت لمسيرة طويلة من المراقبة والتصحيح.


حسب رأيكم فضيلة الشيخ ما هو الحرف الأنسب لكتابة اللغة الأمازيغية هل هو حرف تفيناغ أو الحرف اللاتيني أم الحرف العربي؟
دعونا نتصور الصعوبات المحتملة لكل حرف، ولنحلل الصعوبات بكل حياد وتجرد، للوصول إلى الحقيقة المؤكدة.
أولا نبدأ بحرف تيفيناغ حيث لا شك أن ما يتبادر إلى الأذهان أن الحرف المناسب لكتابة أية لغة هو الحرف الذي كتبت به لأول مرة في تاريخها، وهو أساس وجودها، وهذا المبدأ ينطبق على الأمازيغية دون شك. ولكن بعد قليل من التأمل نجد أن هذا المبدأ، رغم منطقيته، يعسر توظيفه في الواقع، وعلينا أن نتصور الصعوبات التي تعترض هذه الحروف المهجورة لجعلها تلتحق بغيرها من حروف اللغات الأخرى التي خضعت لتحسينات وتعديلات واسعة متكررة، عبر مسارها الطويل. ولكي تبلغ مستوى النضج الذي يؤهلها لتتبوأ مكانتها ميدانيا، يجب بذل جهود مضنية طويلة المدى، قد تستغرق أجيالا… وهذه طبيعة كل اللغات، لأن اللغات إنما تتطور بالاستعمال المستمر الطويل الأمد.
أما الحرف اللاتيني فهو بعيد كل البعد عن أداء أصوات الأمازيغية، فمن ذلك مثلا الحروف: التالية: ( ث ـ ح ـ خ ـ ذ ـ ش ـ ص ـ ض ـ ط ـ ظ ـ ع ـ غ ـ ق ـ ه ـ ء). هذه المجموعة التي تشترك فيها العربية والأمازيغية دون معظم اللغات اللاتينية، مما اضطر كثيرا من المستعملين إلى تعديلات كثيرة في الحرف اللاتيني، لأداء الأصوات: (عربية وأمازيغية)، وهذه أمثلة من كلمات أمازيغية لا يمكن بحال من الأحوال أداؤها صحيحة بالحرف اللاتيني مهما أدخل عليه من تعديلات، مثل: (ثِچْزِيرْثْ: جزيرة)، (يَگْثَپْ : كتب)، (أَژَكَّا: قبر). في حين أن أداءها يتم بدقة بحروف عربية معدلة تعديلا طفيفا . أما إذا كتبت بالحروف اللاتينية [azakka] فإن النطق بها يؤدي إلى الغموض: (أَﮊَكَّا: قبر. اَزَكَّا: غدا).
أما فيما يخص الحرف العربي لا شك أن التهمة واردة لا محالة بأن رأينا قد ينساق هو أيضا مع العاطفة التي انتقدناها في الآخرين، لكن دعونا أولا نبتهل إلى الله تعالى أن يجعل عواطفنا تساير المنطق والحقيقة. ونعني بهذا أن العاطفة ليست دائما بالضرورة مخطئة، إذ يمكن أن تكون عاطفة ما، في اتجاه واحد مع المنطق والحقيقة. خاصة إذا كانت النية سليمة والغاية شريفة، ولعل نجاح زعماء وعظماء التاريخ إنما تم بالالتحام الوثيق، بين عواطفهم وبين الأهداف السامية، التي سعوا إليها وحققوها بمسعاهم النبيل.
وبالتالي إذا قلنا: يصلح الحرف العربي لكتابة الأمازيغية بالتمام والكمال الجواب: «لا»؛ لأن هناك أصواتا بالأمازيغية ليس لها من الحروف العربية ما يؤديها، وهي قليلة جدا لحسن الحظ. ولكن إذا قلنا: الحرف العربي أصلح بالنسبة لغيره. الجواب: «نعم» ذلك أن ثمة خمسة أصوات فقط في الأمازيغية لا يوجد لها مقابل بالعربية. ويكمن الحل في تعديل طفيف متمثل في إدخال نقطة أو نقطتين على بعض الحروف العربية دون إخراجها عن أصلها، ودون حاجة لإضافة أي حرف جديد، حتى تؤدي كل الأصوات في الأمازيغية وبدون استثناء، وسيأتي بعض التفصيل للحروف المعدلة.
ثم إن الحروف متوفرة بالحاسوب. ومعنى هذا أن الأمازيغية ستدخل الميدان العملي من بابه الواسع وعلى الفور، حيث تكتب بالحاسوب. بدلا من أن تزحف زحفا للحاق باللغات التي تقطع الطريق بسرعة البرق، وإن الحواسيب والأجهزة المتداولة حاليا صالحة لكتابة الأمازيغية، وفي الحال إذا استعمل الحرف العربي، مما يسهل اندماجها بين اللغات السائدة، وهذا ما أخذنا به في كتابة ترجمتنا لمعاني القرآن الكريم، ولم تعترضنا أية صعوبة والحمد لله.
وهذا إذن ما يفسر سبب اختياركم الحرف العربي لترجمة القرآن الكريم؟
-نعم لقد تمت ترجمة القرآن كله، بعون الله وفضله. وهذه الترجمة استعملت فيها الحروف العربية، حقا إننا مرتاحون كل الارتياح على الأداء الدقيق الذي وفرته هذه الحروف. ولهذا فإننا ندعو بكل إخلاص، ونزاهة، واقتناع، وحرص على مصلحة الأمازيغية نفسها ـ إلى كتابتها بالحرف العربي، حتى تندمج في الميدان العملي فورا دون أية صعوبة، وإلا فإن إدماج الأمازيغية في الميدان العملي مشكوك فيه، ولا يبعث على التفاؤل، لأننا نخشى بكل جدية أن كتابة الأمازيغية بغير الحرف العربي سيكون بداية للتخلي عن المشروع، بعد أن يصطدم بالعقبات والعراقيل عند التطبيق وما أكثرها.
بقـيت ظاهرة واقعية في غاية من الأهمية، لا يجوز تجاهلها بحال من الأحوال، تلك هي ظاهرة الحرف العربي السائد في الميدان العملي، وهذا ما يجعل الأمازيغية تدخل بيئة ترحب بها، لأنها تستعمل الأداة الموجودة، ألا وهو الحرف العربي، وهذا طبقا لقاعدة علم النفس، التي ترى أنه ما من كائن غريب يحل في وسط جديد إلا واستقبل بالرفض أو القبول، فهو مرفوض إن كان لا يحمل أية عناصر تمت بصلة إلى الوسط الجديد، ولكنه يحظى بالقبول والترحاب إن كان يحمل عوامل ذات صلة بالوسط الجديد.
هل يمكن أن نقول بأن كتابة الأمازيغية بالحرف العربي ستخدم كذلك الوحدة الوطنية؟
-يقول خبراء الأمازيغية إن ما يزيد على سبعين في المائة من ألفاظ الأمازيغية أصلها من اللغة العربية. وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن كلا من العربية والأمازيغية عاشتا في وئام وتآلف وانسجام، حيث لم تكن العربية بحكم موقعها تضطهد الأمازيغية، لذا لم يسجل لنا التاريخ ولو حادثة واحدة أحدثت فتنة بسبب اللغة. ولولا ذلك التآلف وذاك الانسجام لما كانت لتتجرأ الأمازيغية على الاستعانة بالعربية فيما ينقصها من ألفاظ، وتدمجه فيما لديها من رصيد، حتى أصبح اليوم من صلب كيانها.
ولعل هذه الطائفة من ألفاظ الأمازيغية التي أصلها من العربية، تعطي لنا صورة حية واضحة بهيجة لذلك التآلف وذاك التعايش في جو من الأخوة والمودة والوئام. ولكي تتضح الصورة أكثر في الأذهان فإننا نورد هذه الطائفة التي تستعملها الأمازيغية، وهي في الأصل عربية. وسنلاحظ أن ثمة بعض التعديل على أصل بعض الكلمات والحروف ولكنها احتفظت بجوهرها على العموم.
وبما أن الإنسان بطبيعته يميل بل يحب اللغة التي يحسن قراءتها إلى حد التقديس أحيانا، فإنه من الطبيعي أن تهوي أفئدة كل الجزائريين إلى الأمازيغية إذا وجدوا في أنفسهم قدرة على قراءتها بالحروف العربية التي يمتلكونها، أليس هذا مما ينشر التقارب والتآلف والمحبة والأخوة بيننا؟ أليس هذا ما يقوي وحدتنا الوطنية التي يجب أن نوفر لها كل عوامل الدعم والحماية.
هل تعليم الأمازيغية بالحرف العربي يساعد أكثر على استيعاب هذه اللغة بالمقارنة مع رموز التفيناغ والحرف اللاتيني؟
– الحرف العربي يوفر للجزائريين ولغيرهم سهولة كبيرة في قراءة الأمازيغية لأن الحروف العربية موجودة لديهم. ثم لا ننسى أن اللغة الأمازيغية أصبحت الآن لغة وطنية. ومعنى هذا فهي ملك لجميع الجزائريين لا لبعضهم، وعليه فمن حق الجميع أن يختاروا الحرف الذي يرونه مناسبا لكتابة لغتهم الوطنية الثانية، وأن يوفر لهم الجو المناسب وأن ييسر لهم الأمر لتعلمها. وأي جو أنسب وأي وسيلة أكثر تيسيرا من كتابتها بالحرف العربي الذي يعرفه الجميع.
ما رأيكم فضيلة الشيخ في من يقول بأن الحرف اللاتيني سيساهم في جعل الأمازيغية لغة عالمية؟
-لا بل إن الحرف العربي هو الذي يفسح المجال واسعا أمام انتشار الأمازيغية، وذلك بإمكانية قراءتها حيث تنتشر هذه الحروف. وبمعادلة بسيطة يتضح لنا أن عدد الذين يحسنون الأبجدية اللاتينية المكرسة لقراءة الأمازيغية يكاد يتساوى والعدم أمام من يحسنون الحرف العربي، والذين يمكنهم قراءة الأمازيغية بكل يسر وسهولة. بدءا من الجزائر إلى كل الدول العربية، وحتى الدول التي انتشر فيها الحرف العربي. وبعبارة أخرى فإن كتابة الأمازيغية بالأبجدية اللاتينية معناه وضعها في زنزانة ضيقة لا يتعامل معها إلا أفراد قليلون.
نعم. هناك من يقول: إن كتابة الأمازيغية بالحرف اللاتيني يجعلها عالمية لكن أي حرف لاتيني يقصدون.؟ أهو الحرف الفرنسي أو الحرف الإنجليزي أو الألماني… مع العلم أن استعمال الحرف اللاتيني في كل دولة يختلف عنه لدى الأخرى. بينما الحرف العربي ينطق بصيغة واحدة عبر العالم.
كتابة الأمازيغية بالأبجدية العربية دخلت العالمية فعلا ومن بابها الواسع، حيث يتيسر لكل أحد يملك هاتفا نقالا من النوع الحديث أن يجد لوحة الحروف العربية، ومعها الحروف الخمسة المعدلة لكتابة الأمازيغية. وما عليه إلا الضغط على تلك الحروف مع الاستمرار لبعض الوقت، فيحصل على الحرف المعدل، وكذلك الأمر بالنسبة للوحات الإلكترونية. ويبدو أن الشركات التي أدمجتها في صناعة منتجاتها استعارت هذه الحروف من ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الأمازيغية التي أدخلنا فيها هذه الحروف لأول مرة، ووضحنا كيفية قراءة الأمازيغية بها قراءة صحيحة وبدقة تامة، بتعديل تلك الحروف. لأن الترجمة أدرجت في الشبكة المعلوماتية المتاحة لكل أحد، وهذا التطابق التام بين ما وضع في الترجمة وبين ما أدرج في لوحات الأجهزة والهواتف لا يمكن أن يحدث صدفة. بدليل أن الأجهزة المصنوعة قبل صدور الترجمة لا توجد بها هذه المصطلحات.
الحرف العربي يعلم الأمازيغية في عشر دقائق نعم. تعلم الكتابة للأمازيغية بالحروف العربية لا يستغرق أكثر من عشر (10) دقائق على الأكثر. وذلك بشرح كيفية النطق بالحروف الخمسة المعدلة. وهذا لا يتطلب أكثر من عشر دقائق. وأنا كفيل بإثبات دعواي لمن يريد التأكد من هذا. وقد لا نحتاج حتى هذا الشرح إذا قرئ التوضيح بتمعن.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com