العالم الإسلامي

أفغــانستـــان تـتحـــدى.. إرادة شــعــب تـتـجـلــى

أ. ربيــــع بشــانــي/

 

من لا يكتب عن أفغانستان، كأن لم يكتب أبدا! فيما نزعم كرؤية شخصية، ومن الموضوعية أيضا القول أن بلاد الأفغان هي نمودج المقاومة، أرض الحرية، طريق العودة إلى الجذور، وسط طوق جواري وسياسات دولية معادية… ثلاث امبراطوريات تمثل قوى أزمنة مختلفة، نكس ”الشعب المجاهد” رؤوسها، ودفن جنودها واجبرها على الرحيل القسري بريطانيا، وروسيا، وأمريكا أخيراً!

أفغانستان العصية على الغزاة
شعب هزم الإمبراطورية البريطانية، وألحق بثاني قوى عظمى في القرن العشرين الاتحاد السوفياتي شرّ هزيمة نكراء كانت إحدى عوامل انهياره المدوي، لقد استخدم أول مرة الأفغان الحفاة ضد الروس مناجيل الحصاد على الحدود الباكستانية سنة 1979، فيما ارتكب الجيش الأحمر، الذي تدخل لدعم النظام الشيوعي في كابل مجازر راح ضحيتها آلاف المدنيين على مدار عشر سنوات، تغيرت المعادلة في حدود سنة 1985 بسبب صمود المجاهدين، وبسبب قرار الرئيس الباكستاني الراحل ضياء الحق، الذي قرر دعم المقاومة بعد أن أصبحت باكستان الهدف الموالي للسوفيات معبرا إلى المياه الدافئة في الخليج، ودعم السعودية والولايات المتحدة في إطار صراع الحرب الباردة.
في كلّ الأحوال كانت الإرادة الأفغانية رغم المجهود البشري الذي قدمه “العرب” فيما يعرف لاحقا بالأفغان العرب، إرادة وإيمان الأفغان التي بدأت بالسيوف والمناجل المعيار الأول في النجاح والنصر على ثاني أقوى دولة في العالم يومها، بل تذكر كثير من المصادر أنّ المقاومة الأفغانية بدأت مع منتصف السبعينات ضد النظام الشيوعي في كابل وقبل الاحتلال السوفيتي.
الحدث الذي غير وجه العالم الإسلامي !
كان سببا مباشرا في الاجتياح التاريخي الثاني لافغانستان، 11 سبتمبر 2001، الحادث المروع الذي غير مجرى التاريخ، وعكر صفو العلاقات الدولية، وشكل نقطة تحول كبرى على مستوى العالم الإسلامي، يوم استهدفت جماعة القاعدة التي تتخذ من أفغانستان ملاذا لها، مركز التجارة العالمي بنيويورك، ومبنى الخارجية، وزارة الدفاع، وكان لهذه الأحداث تداعيات خطيرة لا تزال تلقي بظلالها على العالم الإسلامي خاصةً في أفغانستان حيث بدأ الطيران الأمريكي في استهداف عنيف للمراكز العسكرية والمدنية والتجمعات السكانية في مختلف مدن بلاد الأفغان، ثم بدأ الغزو بتحالف دولي ودعم حلف الناتو، وفي أفريل 2003 بدأت عملية الإطاحة بالنظام العراقي، هذا على خلفية أحداث 09/11 حيث قرر المحافظون الجدد المتصهينون، عمليات غزو لبلدان واستهداف لأنظمة، كما مورست ضغوط على دول أخرى في مقدمتها حليفا واشنطن باكستان والسعودية والإمارات التي ابتزت بسبب ضلوع مواطنين منها في التفجير ..
وكانت ضريبة الحرب آلاف القتلى والجرحى من المدنيين في العراق وأفغانستان وقبائل باكستان وحتى دول استهدفها عمليات المخابرات المركزية الأمريكية …
أمريكا وعبر خطابات بوش الذي صدرت كتب بشأن شخصيته من قبل مؤلفين امريكان معتوه بأقذر الأوصاف “المسيحي المتطرف” و”المجنون” و”الأحمق”… أعلن عن عولمة الإرهاب وضرب مراكزه أينما وجدت وقد خضعت جلّ دول العالم لاملاءات واشنطن جبرا وطوعا في هذا الجانب فتحت أراضيها للطائرات الحربية الأمريكية، وفتحت مجالات تنسيق أمنية واسعة… بل وصل الأمر لتغيير مناهج التدريس في السعوديه وباكستان وكل ما يعتقد أنه حواضن “التطرف” وماجت الأرض…!
جرائم بالجملة ضد الإنسانية ..!
أمريكا تحولت إلى وحش، مارست القتل بشراسة، وأثخنت، وفتحت سجنا كبيرا في قاعدة باغرام الجوية وجزيرة غوانتانامو بكوبا، اعتقل فيه عرب كثيرون لا علاقة لهم لا بالقاعدة، ولا بالإرهاب منهم عشرات الجزائريين، ومن شتى أنحاء العالم، ولم يسلم حتى البريطانيون.. والبعض أصيب بالجنون نتيجة التعذيب الجسدي والنفسي الذي مارسه المحققون من جهاز المخابرات المركزية، وكانت قضية خطيرة أثارت الرأي العام العالمي ومنظمات حقوق الإنسان، والإعلام الدولي الذي نقل جانباً من مأساة العرب في المعتقل الرهيب..
سقط في الأيام الأولى لعمليات القصف، بطائرات 130C، و52 B وصواريخ كروز آلاف المدنيين الأفغان، دمرت مشاف وقرى نائية، وإبادة جماعية لتجمعات وقوافل، واستمر الأمر سنوات.. تنقل يومها تقارير الصحفية عن شدة القصف الذي شل الحركة في كابو، وحولها إلى جحيم حقيقي… كما استخدمت قنابل تحمل اليورانيوم المنضب في منطقة “تورا بورا” الجبلية، وكذا القنابل العنقودية حتى في مناطق متخامة لكابول (حقيقة الغزو الأمريكي لأفغانستان، مصباح الله عبد الباقي ص 203/202) يروي صاحب هذا المؤلف وهو أكاديمي أفغاني قصة مبكية عن أحد الخبراء “نسينا القنابل الروسية لما رأينا القنابل العنقودية الأمريكية إنها أسلحة مخيفة ومهيبة، ألقت الطائرات الأمريكية، القنابل العنقودية انتشرت قنابل صغيرة، صفراء اللون، ظنّها الأطفال علب طعام، فانقضوا عليها، فكانت الحصيلة ثلاثين قتيلا وخمسة وعشرين جريحا في قرية واحدة…”
والمأساة الأخرى من تدعايات الغزو، ملاحقة الأفغان العرب من قبل الأمريكان وتحالف الشمال حيث ارتكبت الغزاة وحلفاؤهم مجازر شنيعة بحق العرب الذين أتوا لدعم الأفغان في حربهم ضد السفيات (1979-1988) …. وما تعرض له الأسرى الأفغان والعرب في قلعة جانغي بمزار شريف حيث رتبت خطة بين ضباط CIA وقوات الجنرال دستم المتحالف معهم وأحزاب شيعية وتم استدعاء الطائرات والدبابات وقتل 600 اسير…
اليوم بعد عشرين سنة من الغزو الأمريكي وهو أكبر حرب خاضتها بعد حرب الفيتنام، وقد شبه كثير من المحللين خروج الجيش الأمريكي من كابل وتركه لنحو 45 ألف متعاون أفغاني كعملية انسحابه من سايغون وتخليه عن حلفائه في فيتنام الجنوبية ولو لم يكن خروج الأمريكيين مخذولين منهزمين من أفغانستان لما صلحت هذه المقارنة…
نسي الناس التاريخ البعيد والقريب وهذه أم المآسي…كما نسوا تضحيات شعب، وجرائم دولة فاشية، وفي خضم هذا النسيان، عادت طالبان سلطة سواء بترتيبات دولية خاصة بين الإدارة الأمريكية وبين جهاز المخابرات الباكستانية، أو حتى فرضية “تأهيلها سياسيا واجتماعيا ودبلوماسيا للحكم”.
محاولات لطمس تضحيات الشعوب …
في كل الأحوال تم هذا التأهيل بعد الفشل السياسي للنظام الأفغاني، وانتشارا الفساد الذي نخر القوات العميلة، وفي أعقاب صمود طالبان في حرب مدمرة استخدمت وجربت في جبالها إدارة الرئيس السابق ترامب أكبر وأقوى قنبلة في العالم منذ ثلاث سنوات، وظلت أسراب الطائرات خلال عقدين كالفراش تحوم وتضرب وتلاحق رجال المقاومة وبكل الأسلحة المحظورة..
قضية طالبان هي قضية شعب تواق للحرية، مثل باقي الشعوب، له تقاليد وعادات، وطالبان لم تأت من العدم اتفقنا مع مشروعها الأيديولوجي أو اختلفنا، إنها في عمق المجتمع الأفغاني تتحرك..
صمود يعكس إرادة شعب، ومثلما انتصرت جبهة التحرير الوطني التي وصفت في الاعلام الغربي بالإرهاب على أقوى دولة في الحلف الاطلسي فرنسا، وألحق الفيتناميون أقسى هزيمة بأمريكا، وأخرج الأفغان الروس ودمروا ثاني أقوى دولة في العالم، هاهي إرادة الشعوب تترجم وتتجسد على أرض الجهاد في أفغانستان..
فيما يحاول الكتاب ومراكز البحوث بالغرب معرفة سر صمود طالبان وتداعيات عودتها.. أقلام “المارينز العرب” فقط، غاضهم نصر الشعب الأفغاني على ثالث إمبراطوريات في العالم، فحشدوا أقلامهم “الأمريكية” كل المقالات والتحاليل التي كتبت في هذا السياق لم تخرج عن الإشارة والتأكيد على عنصرين:
– محاولات ترسيخ مفهوم الإرهاب بالأفغان وطالبان خصوصا وتصوير صورة نمطية لتخويف الرأي العام.
– الإصرار على أن طالبان لم تحقق نصرا على أمريكا.
فيما يخص النقطة الأولى فقط سقط هذا المفهوم لدى المتابعين والملاحظين، حتى من كتاب الغرب الكل يعلم المجازر التي ارتكبها الجيش الأمريكي في قصفه القرى وكم قتل في أعراس وتجمعات القبائل في أفغانستان وباكستان، وهذا موثق بالصور الفضائيات، وأن طالبان نفسها آراء واختلافات سياسية والآن وحدت رؤيتها وجنحت العقلانية بل كان هناك خلاف بين قيادتها عند بداية الغزو الأمريكي فقد كان البعض يرى ضرورة ترحيل الأجانب ووقف أنشطة القاعدة بل نفذ جناح في طالبان مع السعودية خطة للتخلص من بن لادن ثم تراجع (المرجع السابق).
وطالبان اليوم، قدمت ضمانات وقراءة عقلانية في رؤيتها للمشهد فيما يشبه خارطة طريق التى تجب أن تكون عليه الساحة الأفغانية، فتخلت عبر تصريحات قادتها عن تشددها وتهورها السابق، في نصب المشانق، فقد التزمت بعدم مهاجمة أي دولة خارجية، أو تصدير ثورتها على طريقة الخميني، أو جعل أفغانستان قاعدة للقاعدة وأخواتها، وقدمت تطمينات لموظفي الإدارة والجيش السابقين “أن أبقوا في أماكن عملكم”، وأن التشاور والحوار بين الفرقاء ومختلف الحساسيات سيكون سيد الموقف ..
وهذا ما يجب أن يتوقف عنده طويلا الأفغان، لكسب المجتمع الدولي، وضمان قيام نظام سياسي يلبى طموحات الشعب في العيش بسلام، وطمأنة القوى الكبرى الصين وروسيا وألمانيا وبريطانيا وتركيا وإيران وهي جغرافيا سياسية معادية ليس لتوجهات طالبان بل للشعب الأفغاني كما يروي التاريخ…لقد ثمنوا الاتجاه الجديد لطالبان ورأوا في مجمل تصريحات وزراء خارجيتهم خاصة روسيا أن طالبان أصبحت حقيقية وأكثر براغماتية ويجب التعامل معها خاصة منسق السياسية الخارجية بالاتحاد الأوروبي..وقد امتدحت الصين على لسان وزير خارجيتها حركة طالبان وقالت أنها قوة سياسية وعسكرية أساسية في أفغانستان وستلعب دورا مهما في عملية السلام والمصالحة وإعادة البناء. وهذه التصريحات التي جاءت بعد زيارة مسؤول كبير من طالبان إلى بكين …. فيما بقيت أقلام “المارينز العرب” تنبح كالكلاب، وتصب زيت الفتنة على النار، في قنوات بالإمارات العربية وصحفيين لا تزال تصدر من لندن! وهي التي حرضت على الجهاد ضد الروس أول مرة! الآن بصريح العبارة جعلت من ابن شاه مسعود في إقليم بانشير زعيما وفاعلا إيجابيا باستخدام مصطلح “المقاومة” ضد طالبان!! في وقت يشحذ المجتمع الدولي جهوده من أجل توافقات وحل سياسي!
_ أما القول بأن طالبان لم تحقق نصرا، فهو لا يعدو سوى تضليل الرأي العام العالمي والعربي خصوصا، والهدف منه كسر إرادة الشعوب خاصة الشعب الفلسطيني والصحراوي، وأن هذا الزمن زمن أنصار الحضارات، وتعايش الأديان، وزمن التكنولوجيا العابرة للقارات والعولمة، بحسب أقلام المارينز العرب انتهى مفهوم الجهاد وأصبح مقترنا بالإرهاب.
لقد جربت الآلة الأمريكية كل ما لديها من أسلحة وذخيرة واستخبارات على في أرض أفغانستان واتخذت بعد 11 سبتمبر كل ما يمكن به سحق طالبان تصورا أنشأت مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي 45 مركزا له في باكستان و12 في أفغانستان وآلاف المخبرين وزعت عليهم وسائل الاتصال المتطورة لرصد وتبليغ ما يدب في الأرض .. وطائرات الاستطلاع دون طيار والأقمار الصناعية (حقيقة الغزو الأمريكي لأفغانستان ص 142) هذا إلى جانب قوات بريطانية وفرنسية أصيبت بالذعر، يجب التذكير بأن فرنسا فقدت في 2008/08/19 عشر جنود فردد الرئيس ساركوزي مقولة ميتران في الجزائر “لا حوار مع الإرهابيين” ولكن استمرار الضربات أجبر باريس على ترتيب الانسحاب سنة 2013 بعد مقتل جنود لها، إضافة إلى حملات واسعة للجيش الباكستاني على الحدود ضد الحركة…
رغم هذا واصل مقاتلو الحركة المتحصنون بالجبال عملياتهم حتى داخل العاصمة كابول وزادت عملياتهم وقدراتهم في تفجير واستهداف الأمريكيين، والمصالح الغربية خلال السنتين الأخيرتين، وبين سنتي 2010/2008، شكلوا عائقا أمام دخول شاحنات نقل المؤونة والمحروقات لحلف الناتو من باكستان فقد كانت مجازر حقيقية في شهر فقط من سنة 2010 تم حرق 170 شاحنة وقود (الجزيرة نت) ….
تعرض أيضا نائب الرئيس الأمريكي سابقا ديك تشيني لمحاولة اغتيال في مطار باغرام يوم 2008/02/28 ….
الثورة الجزائرية “النموذج”
يحضرني في الثورة الجزائرية أحسن نمودج، الثورة التي واجهت الحلف الاطلسي، مازال المرجفون في المدينة يروجون مقولة “ديغول منح الاستقلال للجزائر”! متناسين تضحيات شعب وبسالة المجاهدين، مقولة مازالت تتردد على أقلام الحركة الجزائريين “زناة التاريخ”، كما تتردد مقولة “الأمريكان فرشوا الورود لطالبان” عند أقلام المارينز العرب من بقايا كتاب الصحف المهاجرة بلندن، وقنوات الفتنة!
خروج الأمريكان بعد مقتل 2400 جندي، وانتحار 5000 جندي آخر بعد عودتهم إلى بلادهم (الجزيرة نت) رفقة العملاء لا يضاهيه إلا خروجهم من سايقون، ومن قبلهم خروج الفرنسيين مع أذنابهم من الحركة من الجزائر. خوف وتدافع وجزع وكثير من إنكار الجميل لدى الاحتلال اللعين! وثمة انفجارات في محيط كابول تحاكي تفجيرات منظمة OAS في أعقاب الاستقلال، لزرع الرعب والحيلولة دون استقرار الأوضاع والبلاد ..
مأساة الحروب وتداعياتها على نسيج المجتمع أدركتها طالبان وصدق الناطق باسم مكتبها السياسي قوله “يكفي الشعب الأفغاني أن يعيش في سلام بعد أربعين سنة من الحروب”.
من حق الأفغان أن ينعموا بالحرية والعدالة والتعليم والعيش المشترك، إن لم تفسده الثورة المضادة التي استشعرت قرونها الشيطانية، فهو ربيع بلاد الأفغان أتى متأخرا على غير العادة! بعد أربعين عاماً.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com