اتجاهات

كــــــــلام في الدعــــــوة

عبد العزيز كحيل/

• أين الدعوة وأين الدعاة؟ طال الغياب وأقفرت الديار المسلمة من نداء الدعوة وموكب الدعاة، غلبت السياسة ومشاكل الحياة اليومية ولوحات العولمة المضللة كل ما نملك من جميل وكل ما كنا نعتز به ونلتف حوله …أجل، أين الدعوة التي كنا نسلط الأضواء على طريقها ليهتدي الناس بدءا بأبنائنا وبناتنا؟ أين الكلام عن جمالها وطعمها؟ عن منعطفاتها وعقباتها؟ عن محنها وابتلاءاتها؟ عن إنجازاتها وثمراتها؟ أين عبارات «أصلح نفسك وادع غيرك»؟- «أقم البيت المسلم»؟ – «أقيموا دولة الإسلام في أنفسكم تقم على أرضكم»؟ أين التنظير لزاد الطريق والاجتماع على القرآن والسنة والسيرة والعمل الصالح؟ أين الأوراد والوظائف والأذكار والتلاوة والإفطار الجماعي أيام صوم النافلة والمخيمات واللقاءات الطافحة بالإخلاص والأخوة والصدق؟ أين سيمفونية التواصي بالحق والتواصي بالصبر؟ أين مفردات الثقة بالله والتضحية والعمل الجماعي؟ أين زمن الصحبة الصالحة والأخوة الإيمانية؟ أين معاني القدوة الصالحة في الأخ والأسرة والجماعة والقائد؟
أصبح كل هذا أثرا بعد عين، وترك المجال مرتعا للمطربين والممثلين واللاعبين …هم نجوم المجتمع وقدوة الشباب وقرة عين الجماهير…إنها انتكاسة تشبه في بعض جوانبها الردة…فأين الدعوة وأين الدعاة؟ أليس هناك عند من كانوا قادة الصحوة حنينٌ إلى ذلك الزمن الجميل يدفعهم إلى استئناف المسيرة وكسر طوق القعود وثقافة الانسحاب؟
• هكذا هو الداعية المسلم يعمل على إخراج الناس من ظلمات الجهل والاستبداد والرذيلة والفوضى والتخلّف إلى نور المعرفة والشورى والنظام، أي ينتقل من القلق النصوصي إلى القلق الحضاري ومن التبرّك بالقرآن إلى التحرّك به ومن النظر السطحي للسنّة النبوية إلى تجسيد معانيها الكريمة في العلاقات الأسرية والاجتماعية كما في الحياة الروحية تماما، فهو يعرف مراتب الأحكام ولا يخلط بين الأصول والفروع، ويحسن التمييز بين الكليات والجزئيات، ويتحلّى بالحكمة فيضع كل شيء في مكانه المناسب ولا يعطي لأيّ شيء ولا أحد إلاّ «التسعيرة» التي أعطتها له الشريعة من غير إفراط ولا تفريط يغرس شجرة المحبة أينما وجد البغض متفشيا ، وذلك صادر من قلبه السليم وصدره الرحب وإيمانه بأن إصلاح الباطن هو المقصد والغاية، ومنه ينبع إصلاح الظاهر.
لا يكتفي بترديد آيات الأحكام والأخلاق وأحاديثها وإنما يتمثّلها في حياته الفردية والأسرية والاجتماعية، فيدفع السيئة بالحسنة بل بالتي هي أحسن، يغفر للناس أخطاءهم كما يحب أن يغفر الله له خطاياه، يقابل الأذى الصادر من أخيه المسلم بالعفو، ويقابل عدوان المعتدي على دينه وأمته بالردّ القوي الحاسم، سواء في الماديات أو المعنويات.
ينصب لواء الحقيقة حيثما وُجد الخطأ من غير أن يزعم احتكارَه للحقيقة ولا الوصاية عليها.
إذا وجدتم شيخا أو داعية ليست فيه هذه الصفات فاعلموا أنه مُدّعٍ شرُه أكبرُ من خيره.
• لطيفة: نبهني صديق عزيز يتابع كتاباتي ولاحظَ – مازحا – أن الدين أمر سهل بسيط وأنا أعقّد الأمور وأجعل من السهل صعبا.
أليس الاشتغال بالعبادة أفضل من «تكسار الراس» بالفكر والسياسة والدعوة والردود ومواجهة هذه الفئة وتلك وإثارة المشاكل بمقالاتي ومنشوراتي وكتبي؟ تصوم عرفة تُغفر ذنوب سنتين، معناه إذا واظبت على ذلك طول حياتك تلقى الله بلا ذنب.
تتحرى تعظيم أيام ذي الحجة، لا تحلق فيها شعرك ولا تقصّ أظافرك ولا تغتسل فكأنك أديت الحج، والحج المبرور يعني محو جميع السيئات.
تفعل نحو ذلك في رمضان والعشر الأواخر، فماذا يبقى عليك من الذنوب؟
قال لي: أو ليس هذا أفضل لك وقد تقدمت في السن وأنت في حاجة إلى الراحة والسياحة والترفيه وراحة البال والعيش الهنيء؟
ما رأيكم: أليسَ صديقي على حق؟
ذكّرني ذلك بعدة محطات:
– عندما طالت محنة الإمام أحمد في فتنة خلق القرآن جاءه واحد من أصدقائه العلماء وطلب منه أن يلين لتنتهي محنته فقال له أحمد: إن كان هذا عقلك فقد استرحت.
– كان الإمام المودودي يخطب فأطلِق عليه الرصاص ولم يُصبْ وقام ليُكمل خطابه فطلبوا منه أن يخطب قاعدا فقال: ومن يبقى قائما إذا قعدتُ؟
– كان الإمام الشهيد حسن البنا معجبا بقول طرفة بن العبد:
إذا القوم قالوا مَن فتى؟ خلتُ أنني
عُنيتُ فلمْ أكسلْ ولم أتبلّدِ
وانأ أيضا أحبّ هذا البيت.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com