أعلام

ورحل الشيــــخ عنا!

د. محمــد بابا عمــّي/

هي صرخة خرَّت الجبال الصمُّ لسماعها، وذابت القلوب الغلف لهولها؛
هي كلمة لأخي الدكتور مصطفى وينتن، صدح بها في جنازة شيخنا “شهيد العلم” الشيخ طلاي إبراهيم صبيحة اليوم؛ قال والعبرات تسبق العبارات: “ورحل الشيخ عنا!”.
إنه الإحساس باليتم؛
إنه الإشفاق من الأمانة؛
إنها معرفةُ خبيرٍ بالواقع في تعرُّجاته وتموُّجاته…
“ورحل الشيخ عنا!” تُصرَّف إلى ألف معنًى ومعنًى؛ لكلّ “ذي قلب” منها نصيب من الشعور، ولكل “ذي عقل” منها نصيب من الفهم.
“ورحل الشيخ عنا!”، فمن يتصدَّر مجلس الوعظ بعده؟
“ورحل الشيخ عنا!”، ومن ينبري للفتوى بعد حُكمه؟
“ورحل الشيخ عنا!”، ومن يكون في مثل حِكمته وفطنته؟
“ورحل الشيخ عنا!”، ومَن يجمع الناس على كلمة سواءٍ، داعيا إلى التراحم ونبد التزاحم؟
“ورحل الشيخ عنا!”، ومن يثني ركبتيه للتحقيق والتدقيق، والقراءة والمدارسة، والتحرير والتأليف؟
لستُ ممن يركن إلى التشاؤم، ولا ممن يميل إلى اليأس؛ ولا ممن يعتقد أنَّ التاريخ يتوقَّف على موت أحدٍ من البشر أو حياة أحدٍ من الناس؛ فالإنسان مهما بلغ مقامُه إنما يخلق ليغادر قرييًا، ويأتي ليذهب سريعًا؛ حتى ولو كان أفضل الخلق محمدا صلى الله عليه وسلم: “إنك ميّت وإنهم ميّتون”.
لكن، لا بدَّ من وقفة صادقة، ومن كلمة صادحة؛ ذلك أنَّ تحمُّل أمانة الناس ليس كلامًا يُكال، ولا مقولا يُقال؛ وإنما هو حقيقة تكون أو لا تكون؛ فإمَّا أن يوفّيها أهلُها حقَّها ومستحقَّها وإمَّا أن يضيّعوها؛ إمَّا أن يكونوا أهلا لها أو يكونوا أدعياء لها؛ فليس المجال مجال “الأشباه”، ولا “الأوهام”، ولا “الأنصاف”، ولا “الأدعياء”…
أحسب أنَّ ثمة رسالة من السلف وقد غادروا ورحلوا؛ إلى الخلف وهم هنا والآن يقال لهم مطلع كل شمسٍ: “انتظروا”؛
هذه الرسالة فحواها ومداها في جميع المستويات “الهيئة”، و”البلدة”، و”مزاب”، و”الجزائر”، و”عالم المسلمين”…
هذه الرسالة لو جفَّت البحارُ، ولو ذابت الجبالُ، ولو صار المشرقُ مغربا والمغربُ مشرقا؛ لما تغيَّر منها شرو نقيرٍ؛ ذلك أنها أمانةٌ من الله تعالى إلى يومِ القيامة، عرضَها على السموات والأرض فأبيْن أن يحملنها؛ “وأشفقن منها وحملها الإنسان؛ إنه كان ظلوما جهولا”.
مضامين الرسالة كثيرة وغزيرة:
– أوَّل سطر فيها يدعو إلى “تقوى الله تعالى، والإخلاص في السرّ والعلن”…
– وثاني سطر، فيه استنهاضٌ للهمم؛ كيما تشتغل بالعلم، وتحترم العلم، وتدعو إلى العلم، وتحتكم إلى العلم، وتنبذ الجهل بكل أشكاله، وتحارب الجهالة بجميع ألوانها…
– وثالث سطر مساءلةٌ عن حقيقة الأمرِ، وعن مقام المسؤولية: “ترى، هل أنتم في مقام الأمانة التي ألقِيت على عاتقكم؟ هل وفَّرتم الأسباب القدَرية لأدائها؟ هل جاهدتم واجتهدتم؟ أم أنَّكم جعلتموها “مناسباتٍ” تبدأ بالكلمات وتنتهي بالكلماتِ، لا فعلَ يحزمها، ولا تبعةَ تضبطها؟
– ورابع ما في رسالة السلف إلى الخلف من أسطرٍ؛ أن تعملوا على تجميع طاقات الأمَّة على صعيد واحد، وحمل راية التحدي بروح المجاهد؛ وأن لا تكسلوا ولا تيأسوا، ولا تسوّفوا ولا تسرفوا، ولا يكوننَّ أمركم بينكم فُرطا ولا سبهللا…
– وخامس سطر، وسادسه، وسابعه… هي معانٍ لا حصر لها ولا حدَّ؛ يـُمليها علينا – وعليكم وعليهم – واقعٌ مريرٌ، وضعف مريعٌ، وتقصيرٌ غير مبرَّر، وقصورٌ في المواقف أحيانا يتكرَّر…
***
“ورحل الشيخ عنا!” هو عنوان هذه الرسالة، هو محتواها وفحواها؛ ذلك أنَّ وفاة الشيخ هو العبرة، وحياة من بعده من تمام العبرة…
لا شيء يعذبني مثل سماع شابٍّ في مقتبل العمرِ، وقد تحمَّل المسؤولية من قريبٍ، وهو يردّد مقولة الشيخ عدون رحمه الله، معتقدا صدقها فيه: “إننا أوجدنا حلولا لعصرنا، فعليكم أنتم أن توجدوا حلولا لعصركم”.
ولا شيء يزلزلني أكثر من أن أرى واحدا من الناس وقد تولى منصبا أو مسؤولية؛ ثم يقبَل أن يوجد اسما ويغيب جسمًا؛ أن يحضر المناسبات والمحافل ويُفتقد “حين الكريهة” وعند “المنازل والنوازل”…
رحمك الله أيا شيخنا الإمام طلاي، ها قد رحلتَ عنَّا، وكأنَّك تقول لنا بلسان حالك، كما كنت تقول بلسان مقالك: “اللي يبقى فَالدار يخلَّص لكْرا”.
ولقد بقي في الديار أناس كثرٌ، يصدق فيهم وفينا قولُ رسولك الحبيب عليه صلوات ربي وسلامه:
“إنما الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة”.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com