عين البصائر

خرفان بانورج …أو الانسياق الجماعي بلا وعي ولا إرادة

أ. لخضر لقدي/


الإنسان اجتماعي بطبعه يأنس بإخوانه ويستوحش من العزلة ويَنفِر من العيش وحيدا، ويختلِط بفئات المجتمع المختلفة، المتقلِّبة في المشاعر والأحاسيس، والطبائع والسُّلوك ويكون عرضة للخطإ إذا انساق وراء غرائزه دون ضبط من دين أو تنظيم من تشريع.
والجليس الصالح خير من الوَحدة, أما جليس السوء فيورد المهالك، ويُودِي بصاحبه إلى الحسرات، وفي الحديث: مثل الجليس الصالح وجليس السُّوء: كحامل المسك ونافخ الكير.
وعندما يسلم العقل ليتحكم فيه الآخرون تستلب إرادة الإنسان، ويكون الخضوع الفكري والتبيعة العملية وتفقد الاستقلالية وتغيب الموضوعية.
والتاريخ حلقات متواصلة، تحدثنا كيف ربت الحركات السرية والحركات الباطنية أتباعها على الطاعة العمياء فتراهم يلقون أنفسهم في المهالك مثل الجراد يتقاطرون يلقون أنفسهم في النار معتقدين أن تحقيق الهدف يبرر الإضرار بالنفس أو بالآخرين وإحراق بلدهم بأيدهم {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ}.
ذكر الإمام ابن الجوزي، في كتابه تلبيس إبليس أن ملكشاه جلال الدين أرسل رسولا إلى الحسن بن الصباح (رأس الباطنية) يدعوه فيها إلى الطاعة، و يتهدده إن خالفه و يأمره بالكف عن بث أصحابه لقتل العلماء والأمراء؟! فقال ابن الصباح للرسول: الجواب ماتراه! فأومأإلى شاب وقال له: اقتل نفسك ؟!
فجذب سكينة، وضرب بها غلصمته فخرَّ ميتا؟!!
وقال لآخر: ارمِ نفسك من القلعة فرمى نفسه، فتمزق؟!!
ثم التفت إلى رسول السلطان، فقال: أخبره أن عندي من هؤلاء عشرين ألفاً، هذا حدُّ طاعتهم!
ثم تمادى الخبيث في قتل العلماء والأمراء، وقد أقدم على قتل ولديه في أثناء حياته؟!
وهؤلاء يطلق عليهم الحشاشون اتخذوا من القتل وسيلة لهم، وقاموا بحركة اغتيالات واسعة؟!! وهم نموذج صارخ للطاعة العمياء؟!
والإسلام يعلمنا الطاعة المبصرة، فليس كل أمر أو كل نهي قابلين للتنفيذ والطاعة، بل فيهما ما يوجب الطاعة، وفيهما ما يوجب عدمها، يضبط ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق سبحانه.
وأمر اللّه بطاعة رسوله وهو خيرة اللّه من خلقه في المعروف، فعندما جاءت النسوة يبايعن رسول الله جاء قوله تعالى: {وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} ومعنى: في معروف في كل أمر وافق طاعة الله وفي كل بر وتقوى، وهو نص في إيجاب الطاعة في المعروف.
وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل سرية، وأمَّر عليهم رجلا وكان في الرجل دعابة- فضايقوه، فقال لهم: ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم بطاعتي؟ قالوا: بلى. قال: اجمعوا لي حطبا، فجمعوا الحطب. قال: أججوه نارا؛ فأججوه نارا.
قال: ادخلوا فيها. فلا زال بعضهم يدفع بعضا-قاموا لكي يرموا أنفسهم في النار- فقال قائلهم: إنما فررنا إلى الله ورسوله من النار! فلا زال يدفع بعضهم بعضاً حتى انطفأت النار وسكن غضب هذا الأمي، فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: والله لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف).
وليس للعاقل ولا للمسلم أن يندمج في حركة جماعية ,يتبع سلوك الآخرين بغباء دون أن يطرح أسئلة ويمارس عقلية النقد وطلب الدليل.
خرفان بانورج Moutons de Panurge:
روى الكاتب الفرنسي «فرانسوا رابلي» قصة رجل يدعى «بانورج» (Panurge) كان في رحلة بحريّة على متن سفينة. وكان على نفس السفينة تاجر الأغنام «دندونو» ومعه قطيع من الخرفان المنقولة بغرض بيعها.
كان «دندونو» تاجرا جشعا لا يعرف معنى الرحمة، ووصفه الاديب الكبير رابلي (Rabelais) بأنه يمثل أسوأ ما في هذا العصر وهو غياب الإنسانية.
حدث أن وقع شجار على سطح المركب بين «بانورج» والتاجر «دندونو» صمم على أثره «بانورج» أن ينتقم من التاجر الجشع، فقرّر شراء الخروف الأكبر من التاجر بسعر عال وسط سعادة دوندونو بالصفقة الرابحة.
وفي مشهد غريب يمسك «بانورج» بزعيم الخراف من قرنيه ويجره بقوة إلى طرف السفينه ثم يلقي به إلى البحر، فما كان من أحد الخرفان إلاّ أنْ تبع خطى الخروف القائد الغريق ليلقى مصيره، ليلحقه الثاني فالثالث فالرابع وسط ذهول التاجر وصدمته، ثم اصطفت الخرفان الباقية في «طابور مهيب» لتمارس دورها في القفز في كل الإتجاهات.
جن جنون تاجر الاغنام «دندونو» وهو يحاول منع القطيع من القفز بالماء، لكنّ محاولاته كلها باءت بالفشل، فقد كان «إيمان» الخرفان بما يفعلونه على قدر من الرسوخ أكبر من أن يُقاوم.
وبدافع قوي من الجشع اندفع «دندونو» للإمساك بآخر الخرفان الاحياء آملا في إنقاذه من مصيره المحتوم، إلّا أن الخروف «المؤمن» كان مصراً على الانسياق وراء الخرفان، فكان أنْ سقط كلاهما في الماء ليموتا معا غرقا.
ومن هذه القصة صار تعبير «خرفان بانورج» (moutons de Panurge) مصطلحا شائعا في اللغة الفرنسية ويعني انسياق الجماعة بلا وعي أو إرادة وراء آراء أو أفعال الآخرين.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com