أعلام

إمـّــا تغيــير الوجــهة أو الغَرَق في الفــِتـَن…

أ.د. سلـــــــيم قلالة */

ينبغي وضعُ حدٍّ نهائي وسريع لهذا التوجه الذي بدأت تأخذه بلادنا مهما كان موقعنا من السلطة أو موقفنا منها. الصحيح ليس أن نكون مع الفتنة أو ضدها، مع التفرقة أو ضدها، إنما أن لا تكون هناك بالأساس فتنة ولا تفرقة. وحتى لا تكون هناك فتنة أو تفرقة علينا إيجاد الطرح البديل الذي يلُمُّنا جميعا. والطرح البديل هذا لن يكون إلا بضبط دقيق للوجهة التي سنحقق من خلالها التنمية والتقدُّم والازدهار بعيدا عن أي مزايدات.
لن تنطفئ الفتنة بوجود مَن معها ومَن ضدها، إنما ببديل آخر، بغاية سامية أخرى تشدُّنا إليها. ومادامت هذه الغاية لم تتحول إلى نقطة جذب مركزية لنا، فإننا لن نستطيع الخروج من دائرة الصراع الصفري التي نعيش. في كل مرة سيظهر لنا موضوعٌ جديد مثير للفتنة. وكلما استطعنا احتواءه أو السيطرة عليها انبثق منه ومن خلاله موضوع آخر إلى ما لا نهاية من القضايا والمسائل والمشكلات التي بكل بساطة يمكن تحويلها إلى بؤر للفتن والانقسامات… الصحة، الحرائق، المياه، الشغل، السكن، توزيع الدخل الوطني، الفساد، الرشوة، الرياضة، الفن، التعليم، اللغة، المحيط، الثقافة، الرياضة… كلها مشاريع قادمة لصناعة فتن حولها، وبالإمكان ذلك.
ما لم نغير الوجهة تماما لبلادنا ومجتمعنا سنبقى ننتقل من فتنة إلى أخرى، وستجد كل فتنة مَن يغذيها، إلى أن يتهالك المجتمع وتتحول السلطة من وسيلة لبناء الدولة إلى وسيلة لإدارة الفتن، ولن يكون مصيرُها بعد ذلك سوى الانهيار ومعه سقوط الدولة.
لذلك علينا تغيير الوجهة: تحديد غاية كبرى نسعى لتحقيقها وبإمكانها أن تشدَّ الجميع إليها وتُحوِّل مركز ثقل المنظور الشعبي من الوضع لحالي الضيق والذي يكاد يختنق ويغرق في مشكلاته اليومية، إلى أفق أكثر اتِّساعا وأكثر رحابة وأكثر صناعة للأمل.
كان الاستقلال غاية كبرى ووِجهة إستراتيجية فوحَّدتنا معركته رغم الاختلافات التي بيننا، وكانت الاشتراكية غاية كبرى للمجتمع ووجهة إستراتيجية لسلطة ما بعد الاستقلال فوحّدتنا وجعلت الاختلاف حولها وليس حول الفتن.
وبعدها، دخل المجتمع في التعددية، التي تعددت معها الوجهات والغايات باسم الحرية والديمقراطية فحدث ما حدث ولم نتمكن من تحقيق أي غاية: لا الليبرالية ولا الاشتراكية ولا الإسلام ولا أي خيار وطني مستقلّ آخر. عكس ذلك كان تعدّد الوجهات سببا في حرب أهلية، وفي حرب اقتصادية، ونهب لم تر بلادُنا مثيلا له في تاريخها.
وها نحن اليوم نبقى بدون وجهة حقيقية تتبناها السلطة بوضوح وتُدافع عنها وتُجنِّد لتحقيقها كلّ الطاقات ولا تأبه بمن يعارضها أو يقف ضدها. لذلك، علينا الإسراع ببلورتها وبناء مشروعنا الاقتصادي والاجتماعي حولها بعيدا عن كلّ غموض أو محاولة لتلفيق وجهة لا لون لها.
هل نحن مع الشرق أم مع الغرب لتحقيق التنمية؟ هل حلفاؤنا هم الصين وروسيا مع كل المجموعة الشرقية، أم أمريكا وفرنسا مع كل المجموعة الغربية؟ هل نتطلع إلى نظام مركزي منفتح على القيم الوطنية رافض لانحرافات الديمقراطية، أم سنجاري هذه الانحرافات بنظام مُلَفَّق باسم الحرية التي لا حدود لها؟
ينبغي أن نفصل في خياراتنا الإستراتيجية، إن كانت داخلية أو خارجية، ونتحمل تبعات ذلك كما فعلنا من قبل. لأننا هكذا سنبقى نعتقد أننا أصدقاء الجميع ونحن في حقيقة الأمر إن لم نكن أعداء الجميع يطمع فينا الجميع. ونتيجة ذلك نعجز على مواجهة أي مشكلة تعترضنا بطريقة صحيحة ونعجز عن التقدُّم. وبدل أن نكون مبدعي حلول، نستمرّ أرضا خصبة للصراع للفتن…
فلنغيِّر الوجهة، وسنعرف كيف نضع حدا للفتن.

*أكاديمي وباحث، عضو الهيئة الاستشارية العليا لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com