ليتفكروا

في وداع عبد الحميد أبي سليمان

د. بدران بن الحسن */

توفي يوم 18 أغسطس 2021 العالم والمفكر والأكاديمي والرجل القيادي الكبير في أمتنا فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الحميد أبو سليمان، رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي. توفي عن عمر يناهز 85 عاما. ويعد بحق شخصية نادرة، من كبار الشخصيات والعقول في هذه الأمة، ورجلا من طينة نادرة، ثُلِمت في الأمة ثلمة كبيرة بوفاته رحمه الله.
ولقد كتب الدكتور محمد بن نصر، المفكر التونسي، معبرا بحق عن شخصية أبي سليمان، لما وصله خبر وفاته رحمه الله، فقال: “فقدنا رجلا كان ينظر بعيون الأمة الطموحة في زمن الاستتباع القُطري، رجلا أراد أن يفعّل عقلا عقلته الوجدانيات الجماعية الجامحة والأماني العريضة والأسباب الغائبة. رحم الله عبد الحميد أحمد أبو سليمان رحمة واسعة وجعل مأواه الجنة.
عبد الحميد أبو سليمان: مسيرة حياة.
ولد عبد الحميد أبو سليمان في مدينة مكة المكرمة عام 1936م. فهو ينتمي على عائلة مكية عريقة. حصل على تعليمه الابتدائي والثانوي منها، ثم غادر إلى القاهرة والتحق بكلية التجارة في جامعة القاهرة وحصل منها على شهادة بكالوريوس التجارة في قسم العلوم السياسية عام 1959م، كما حصل على ماجستير من ذات الكلية عام 1963م ليغادر بعدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية والالتحاق بجامعة بنسلفانيا بفيلادلفيا، حيث حصل منها على شهادة الدكتوراه في تخصص العلاقات الدولية عام 1973م.
عبد الحميد أبو سليمان: القيادي
وأثناء دراسته وإقامته في الولايات المتحدة ساهم في تأسيس اتحاد الطلبة المسلمين في الولايات المتحدة الأميركية وكندا، والاتحاد الإسلامي للمنظمات الطلابية. تم تعيينه في هيئة التدريس بكلية العلوم الإدارية في جامعة الملك سعود، وأميناً لاجتماعات المجلس الأعلى للتخطيط في بلاده السعودية.
كما تقلد منصب الأمين العام المؤسس للأمانة العامة للندوة العالمية للشباب الإسلامي بالرياض، وأسس مع إسماعيل راجي الفاروقي وجمال البرزنجي وثلة من نخبة الشباب المسلم في أمريكا الشمالية المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وترأسه لفترة طويلة، كما كان الرئيس المؤسس لمؤسسة تنمية الطفل، والمؤسس والرئيس الأسبق لجمعية علماء الاجتماعيات المسلمين بالولايات المتحدة الأميركية وكندا، ومؤسسا ورئيس تحرير سابق للمجلة الأميركية للعلوم الاجتماعية الإسلامية، كما كان من مؤسسي الجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا، وتولى رئاستها من عام 1988 وحتى عام 1998م، ثم شغل مرة أخرى رئاسة المعهد العالمي للفكر الإسلامي إلى حين وفاته رحمه الله.
عبد الحميد أبو سليمان: العالم المفكر:
وإلى جانب نشاطه الدعوي والفكري، ورئاسته لعديد من المؤسسات الإسلامية الأكاديمية والعلمية والفكرية والتربوية على مستوى العالم، فإن أبا سليمان عليه رحمة الله كان مفكرا مهتما بقضايا أمته والإنسانية، ومربيا حريضا على إخراج جيل يحقق نهضة حضارية لأمته، وكان رحمه الله يقود مشروع إسلامية المعرفة، والإصلاح الفكري، والتربوي، والاقتصادي، والسياسي للأمة الإسلامية. وأثرى المكتبة الإسلامية بمؤلفات نوعية من الكتب والأبحاث والأوراق العلمية والفكرية التي تتناول التغيير والجوانب الإبداعية الإصلاحية للأمة في العقيدة والرؤية الحضارية الإسلامية، وفي مجال المنهجية الإسلامية وتكامل العلوم وإسلامية المعرفة وفي الفكر والمنهج والثقافة، وفي التربية والوجدان المسلم.
من مؤلفاته:
• نظرية الإسلام الاقتصادية: الفلسفة والوسائل المعاصرة.
• النظرية الإسلامية للعلاقات الدولية: اتجاهات جديدة للفكر والمنهجية الإسلامية.
• أزمة العقل المسلم.
• إسلامية المعرفة: الخطة والإنجازات/ بالاشتراك مع الفاروقي وبقية مؤسسي المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
• العنف وإدارة الصراع السياسي في الفكر الإسلامي بين المبدأ والخيار: رؤية إسلامية.
• أزمة الإرادة والوجدان المسلم.
• الإصلاح الإسلامي: الثابت والمتغير، تجربة الجامعة الإسلامية.
• الإنسان بين شريعتين.
• جزيرة البنائين: قصة عقدية تربوية (للصغار والكبار)
• كنوز جزيرة البنائين: قصة عقدية تربوية (للشباب والكبار).
• إشكالية الاستبداد والفساد في الفكر والتاريخ الإسلامي.
• الرؤية الكونية الحضارية القرآنية.
• انهيار الحضارة الإسلامية وإعادة بنائها: الجذور الثقافية والتربوية.
كما ساهم وحاضر رحمه الله في مؤتمرات وندوات فكرية وثقافية عالمية قدم خلالها أوراقا فكرية واقترح الكثير من توصياتها.
تغمد الله الدكتور عبد الحميد أبو سليمان بواسع رحمته وألهم أهله الصبر والسلوان.
عبد الحميد أبو سليمان: الـمربــــــي
إن ما كتبته أعلاه عن الفقيد عبد الحميد أبو سليمان عليه رحمة الله، لا يمكن ان يوفيه حقه، لأن هذا العمر المبارك الذي امتد 85 عاما كان مليئا بالمنجزات التي تفوق الحصر. فإذا استطعنا حصر نشاطه المؤسسي والفكري وأحصينا كتبه، فإن كثيرا من جوانب حياته لا يمكن ان يدركها من لم يعايشه ويعرفه عن قرب. وبخاصة أن أمثال أبي سليمان من رجال الأمة ونسائها، لا يعملون ليسجل العالم إنجازاتهم ويحصلون بها على السمعة والمناصب، بل إن ما ينجزونه في الخفاء أكبر بكثير مما ينجزونه في العلن، لأنهم يرجون وجه الله، ويسعون إلى ما هو أبقى.
ولعل مما يبين حرصه على تربية جيل في الأمة يشعر بالانتماء للإمة، وينظر إلى قضياها نظرة حضارية قرآنية، حرصه لما كان مدير للجامعة الإسلامية العالمية على فتح الجامعة لطلبة العلم من كل بلدان العالم، وبخاصة الدول الإسلامية الفقيرة، فكان بالجامعة الإسلامية العالمية أثناء رئاسته لها، أكثر من 90 جنسية، يدرسون على حساب الجامعة، حيث كان يوفر لهم منحا، ولو في حدودها الدنيا، ليضمن لهم الاستقرار والدراسة والاعتناء بالدرس العلمي الاكاديمي، وبناء مناهج تفكيرهم بما يتجاوز “ازمة العقل المسلم” في عصور انحطاطه، ويفتح لهم آفاقا للتفكير في قضايا الامة معرفيا، وعلى أسس علمية.
ومما يدل على كونه مربيا كبيرا يهتم بتربية جيل جديد يخرج الامة من تفككها وتخلفها، حرصه الدائم على تطوير مناهج التعليم بالجامعة، وجلب الأساتذة المتميزين، وتأسيس المقر الجديد للجامعة، بما يتوفر عليه من معمار إسلامي جميل، وبيئة صحية، وتوفير كافة المرافق التي تحقق التكامل التربوي معرفيا ووجدانيا وروحيا وسلوكيا ورياضيا ومهاريا لكل خريجيها، وسعيه ان تكون المناهج التي تقوم عليها الجامعة مبنية على أسس علمية تبني العقل النقدي، وتزود الطالب بالمهارات الكافية لينخرط الخريج بإيجابية في صناعة مستقبل وطنه وأمته.
ومما لا يعرفه كثير من الناس أن أبا سليمان قضى فترة رئاسته للجامعة الإسلامية العالمية مدة عشر سنوات أو أكثر، لم يكن يأخذ فيها راتبه، بل كان يتبرع به لصندوق دعم الطلبة المحتاجين. ليس هذا فحسب، بل كان يحرص على ربط الجامعة بمحيطها توصيل رسالتها لصناع القرار ولأهل المال والاعمال ليفهموا رسالتها، ويدعموا طلبتها، من أجل صالح الأمة ونهضتها الحضارية.
وما نختم به هذه الفقرات، أن أبا سليمان، وبعد تقاعده من رئاسة الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، اتجه إلى تأسيس مدارس ورياض أطفال وفق فلسفة تربوية جديدة تحقق رؤيته التربوية الحضارية القرآنية، كما أسس مؤسسات ترعى الطفل والاسرة، واهتم بقصص الأطفال كثيرا، كما اهتم في الوقت نفسه بضرورة إصلاح التعليم ومناهجه، حيث يرى ان هذه الأمة لا يمكن ان تصلح ما دام التعليم فيها لم يتم إصلاحه.
رحم الله المربي الكبير والمفكر الواسع الأفق، والقيادي البارز في مسيرة أمتنا نحو تحقيق نهضتها الحضارية.
رحمه الله وأجزل له المثوبة وتقبله في الصالحين العلماء العاملين.
* مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية/ جامعة قطر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com