الحـــق الـمر

أنا والتاريخ

يكتبه د. محمّد قماري/

كنت ذات يوم أتجول في السوق، وربما كان ذلك في مرحلة التعليم المتوسط من مساري الدراسي، ووقعت عيني على طفل أعرفه فهو ابن الحي الذي أسكنه، مفترشا الأرض وأمامه بعض الكتب يبيعها، ومن بينها كتاب (تاريخ الجزائر في القديم والحديث) من تأليف الشيخ مبارك الميلي، رحمه الله، فأخذته مقابل دراهم معدودات، ووجدت على الصفحة التي تلي الغلاف اسم والد الطفل، وعبارة الملك لله القهار وتحتها تاريخ شرا الكتاب 10 جويلية 1964…
والكتاب نشرته دار النهضة الجزائرية سنة 1963، وعلى الرغم من شغفي بالكتب، وحبي لها حيث أحرم نفسي من أجلها اللقمة الطيبة أو الكساء الأنيق، غير أن هذا الكتاب في تلك السن المبكرة أغلقت عليَّ متعة مطالعته، وربما مرد ذلك إلى الحاجز النفسي الذي أوقعنا فيه المنهاج الدراسي في مادة التاريخ، إذ كنا في تلك السنوات الأولى من تحصيلنا نقرأ عن حضارة الفراعنة والاصلاح الديني في أوربا ومعلومات ترهق المتمرسين بله تلاميذ في بداية طريقهم…
ولا عجب أن يستثمر في هذا الجفاء من التاريخ عند الشباب بعد ذلك بعض شياطين الإنس، إذ خرج أولئك الأغرار ذات يوم عصيب يصيحون: التاريخ في المزبلة!
وهم لا يعرفون من التاريخ إلا تلك المعلومات الطلسمية في منهاج الدراسة، وذلك العرض البائس لمعلومات تفوح منها رائحة الأدلجة المقيتة، وكان من الرشد أن يلقن التلاميذ في بداية تحصيلهم تاريخ بلدهم، ويعرض عليهم عرضا سلسا يغري بالاستزادة ويثبت الأقدام…
عدت إلى كتاب الشيخ الميلي بعد ذلك مرات عديدة، ومرة بعد مرة، يعلو مقام الشيخ عندي لا من حيث غزارة المعلومات التي ضمها كتابه وحسب، لكن عجبي وإعجابي من ذلك الفؤاد الذكي والعقل المتقد ونحن في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي، حيث اختط لنفسه طريقا لاحبا يبطل به دعاوى الاستعمار الفرنسي، وينقض عرى أطروحته الخبيثة عروة عروة…
فالجزائر في (تاريخ الجزائر في القديم والحديث) إقليم جغرافي معروف وشعب صهره التاريخ في أرضه، وما تنوعها في تضاريس الأرض والبشر إلا مصدر ثراء ومبعث فخر، ولا غرو أن يكتب له الشيخ عبد الحميد بن باديس تقريظا، جاء فيه: (أخي مبارك…سلام ورحمة، حيّاك الله تحية من عِلْم وعَملٍ وعَلَمٍ وقفت على الجزء الأول من كتابك «تاريخ الجزائر في القديم والحديث»، فقلت لو سميته «حياة الجزائر» لكان بذلك خليقًا).
وبدءً من صفحة الاهداء، وجدنا الرجل ينظر إلى مستقبل يتأمله: (…ونحن نهدي كتابنا هذا إلى الشعب الجزائري إلى شبابه المفكر ورجاله العاملين المخلصين)، شباب مفكر…لا يركن إلى أقاويل المنتحلين ويميّز بين الغث والسمين، ورجال عاملين…لأجل رفعة بلدهم وسؤددها في اخلاص وثبات.
وإن تعجب من أمر الميلي، فإن عجبك يزداد وأنت تقف على تلك المقدمات التي صدّر بها كتابه، فهو يرى (إن المتعلمين اليوم من أبناء الجزائر قطعوا الصلة بينهم وبين ماضيهم؛ فجهلوا ما فيه من عز وذل ونعيم وبؤس ومدنية وهمجية وسيادة وعبودية…ترى المتعلم بالمدارس يعرف من تاريخ بعض الأمم الأجنبية ما يجدر به أن يعلم مثله من تاريخ شعبه)…
وتحت عنوان فرعي من تلك المقدمات، كتب الميلي (أنا والتاريخ) قائلاً: (كنت انفق بعض أوقاتي في مطالعة التاريخ العام حتى دعاني بعض الأصدقاء إلى وضع كتاب في تاريخ الجزائر…فحرّك عزيمتي ووجه اهتمامي للبحث في تاريخ الوطن العزيز وتقديم ما يرتبط به على ما يتعلق بغيره…).
وإن صنيع الشيخ الميلي في كتابه لصنيع مبارك، أحاطته يد القدر بالتوفيق والسداد، لا في عرض المعلومات المتاحة المنشورة في بطون الكتب، لكن في ذلك السماط البديع الذي جمع حبات ذلك العقد، فالرجل كان يكتب بحرقة الأم على وليدها خشية الضياع، وبمشرط الطبيب الماهر في إزالة بعض الأورام التي تفتك بالجسم، وبنظرة الألمعي الذي يستحضر الماضي لبناء الحاضر والمستقبل…
إن الوقوف على الماضي يغدو ضربا من بلادة الفكر وبلاهة العاطفة، إذا لم يؤسس لقاعدة تمكننا من تحقيق الوثبة الخلاقة نحو المستقبل، ويغدو التاريخ عبئا وعبثا إذا أردناه استحضارا لمعارك أو أوضاع عفى عنها الزمن، فالتاريخ كما وصفه ابن خلدون يأخذ كل قيمته، عندما يغدو (ديوان العبر)، يعصم من زلات الأجداد ويراكم نجاحاتهم.
انظر إلى الاتحاد الأوربي في تاريخه القريب، فأرى أمما تتناحر وشعوبا تتنابز، باسم الدين تارة وباسم العرق أخرى، تعددت ألسن الناس واختلفت اثنياتهم وتوزعت مذاهبهم وعقائدهم، فإذا بالقوم يقرؤون ديوان (العبر)، وينطلق الواحد منهم اليوم بين أرجاء أوربا من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، لا يسأله أحد عن أصله وفصله ما لم يخالف قانونا أو يأتي جرما.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com