قضايا و آراء

بناء الدولة وصناعة الأزمات (1)

عبد القادر قلاتي/

لا يهمني كثيراً التحليل السياسيّ لما يجري هذه الأيام من أوضاع مأساوية في بلادنا، بقدر ما يهمني فهم الخطاب السياسي للدولة الجزائرية منذ نشأتها، فالكثير من التحوّلات التي عرفناها في السنوات الأخيرة ترتبط بذلك الخطاب الذي أحاط فكرة الدولة بجملة من المفاهيم والأفكار التي برزت خلال الفترة الاستعمارية كمحدّد رئيسيّ للعمل السياسيّ في الحركة الوطنية بكلّ توجهاتها وأطيافها، فكانت هذه الأفكار والمفاهيم هي البنية النّفسية التي طبعت مجرى الفعل السياسيّ سواء أثناء الثورة أو بعد الاستقلال الوطني، واستمر سير الدولة على هذا المنوال، وفي كلّ لحظة انعطاف نحو التصحيح، تبرز هذه المفاهيم والأفكار لتعيد مجرى الدولة إلى مساره الطبيعي، فتضيع لحظات التصحيح، دون أن نستفيد منها أو نستثمرها في التحوّلات الجديدة، التي عرفها العالم في الخمسين سنة الماضية…
أكتب السطور وأنا استحضر ما يجري هذه الأيام في بلانا للحديث عن أزمة فكرية نعيشها في العالم الإسلامي منذ سنوات طويلة، وهي أزمة عامة ناتجة عن خلل في الرؤية الفكرية التي حصرنا أنفسنا فيها، ولم نعد نملك الخروج عن سياقها، هذه الأزمة تتلخص في إشكالية نموذج الدولة وشكلها وآليات تسييرها، ونمط الحكم فيها، فمنذ لحظة الاصطدام بالنّموذج الحداثي الغربي، ونحن نعيش -في العالم الإسلامي كلّه – عدم القدرة على الحسم بين الاستمرار في الشكل التقليدي للحكم، وبين الانخراط في المجال الحديث للدولة في شكلها الحداثي الغربي، هذه الإشكالية خلقت عندنا حالة من اللاحسم في جميع القضايا المتصلة بالإنسان والمجتمع والدولة، ولهذا نلجأ دائما إلى خلق الأزمات وتوفير أدوات تفعيلها وانتشارها، حتى نبرر حالات الفشل في تسيير الدولة والمجتمع، وتَحوَّل هذه السلوك إلى ثقافة سياسية تَطبَعُ حياتنا في كلّ تَحوُّلٍ جديد، ولذا لم يتَسن لنا تجاوز المشكلات الطارئة على المجتمع والدولة، إلاّ بخلق أزمات لحَلِّهَا، وتجاوزها – هكذا يبدو لنا – بينما تترك هذه الأزمات -المفتعلة – آثارها البالغة في الفرد والمجتمع؛ وهذا ما يفسر حالة تعسر بناء الدولة…
يتبع

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com