في رحاب الشريعة

دراسة السيرة النبوية على ضوء الآيات القرآنية والأحاديث النبوية (2)/ محمد مكركب

من أهداف دراسة السيرة النبوية فهم القيم الإنسانية، والأخلاق الفاضلة، والتطبيق العملي للإسلام، عقيدة، وشريعة، وسياسة، وأسرة، وتجارة وجهادا. ومن أهم القيم التي تحتاجها البشرية، وتؤخذ من السيرة النبوية، قيمتان عظيمتان:

1/ قيمة الوسطية والاعتدال، 2/ وقيمة التعايش السلمي والوحدة والاتحاد بين الناس.

وما أحوج البشرية في مشارق الأرض ومغاربها إلى هذه القيم، والغريب أن المسلمين هم أول من يجب أن يقرؤوا السيرة، التي يتعلمون منها الوسطية والاعتدال، ويتعلمون منها التعايش السلمي مع العالم بالحب والتسامح، ويتعلمون كيف يتحدون. ومع ذلك لا يتحدون..!

ولكن هل الخلل في صعوبة فهم الإسلام، ومنه صعوبة فهم السيرة النبوية، حتى عجزوا عن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ أم الخلل في طريقة العرض التي عرض بها كتاب السيرة حياة النبي صلى الله عليه وسلم كبشر عابد أولا، وكرسول، وكزوج، وكعابد، وكإمام دولة، وكقائد في الجهاد وسائر السياسات؟!

علمنا في المقال السابق أن مسؤولية كتاب السيرة النبوية، ومعلموا السيرة النبوية كل منهم مسؤول عن أمانة النقل وأمانة صدق التبليغ وأمانة حسن العرض. ومعلوم أن مجرد النقل عن كتب السيرة السابقة  لا يسوغ للكاتب نشر الحادثة والخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، بل لابد من التحقيق بنفسه استنادا إلى المصادر التي ذكرناها.

من هنا يبدأ الاهتمام بفهم السيرة على وجه الإكمال والشمولية، فكل ما يكتب وما يقرأ عن الإسلام هو من أجل فهم الوحي، فهم الرسالة السماوية الخاتمة الدائمة إلى نهاية الدنيا، ومن الوحي هذه الآية: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء: 59]؛ لقد بُعِث النبيُّ عليه الصلاة والسلام ليعلم الناس كيف يطيعون الله عزّ وجلّ، وكيف يطيعونه هو نفسه عليه الصلاة والسلام. وحول هذا تدور الدراسات الإسلامية، فكل دراسة لا تخدم هذين الهدفين ليست من موضوعات السيرة النبوية كمرجع فكري إسلامي. وفي الحديث الشريف: [دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم] (كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة.7288).فما هو الأمر الذي أمرنا نبينا عليه الصلاة والسلام بأن نبحث عنه في سيرته، لنتعلم كيف عمل به وكيف عمل به الصحابة؟

وفي حديث آخر: [ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله أومن، أو آمن، عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أني أكثرهم تابعا يوم القيامة] ( البخاري. كتاب الاعتصام.7274)، ومعنى هذا أن الهدف من دروس السيرة النبوية الشريفة هو الوصول إلى فهم ما جاء في الوحي من خلال أحداث السيرة. وانظر وتدبر كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الناس الدين، في – درور الوسطية والاعتدال- مثلا. كما هو هدف الدعوة إلى الله جل جلاله.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، يقول: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، فقال: [أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني] (البخاري.كتاب النكاح.5063).

فمن طفولته عليه الصلاة والسلام إلى شبابه كانت مسيرته حياة بشرية عادية غير أنه لم يقترف معصية، ولم يرتكب ظلما، وفي نبوته كان يأمر بالوسطية والاعتدال.

وعن زيد بن ثابت: أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ليالي حتى اجتمع إليه ناس، ثم فقدوا صوته ليلة، فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم، فقال: [ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم، حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة] (البخاري كتاب الاعتصام).

والنبي صلى الله عليه وسلم كانت له خصوصيات في العبادات، وفي التطوع والأحوال الشخصية. منها: عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم [لا تواصلوا]، قالوا: إنك تواصل، قال: [إني لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني]، فلم ينتهوا عن الوصال، قال: فواصل بهم النبي صلى الله عليه وسلم يومين أو ليلتين، ثم رأوا الهلال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: [لو تأخر الهلال لزدتكم] كالمنكل لهم.

من الوسطية والاعتدال حسن الامتثال لما أمر الله تعالى بالتمام والكمال، فلا يجوز للمسلم أن يزيد على ما شرع الله تعالى، ولا أن ينقص عن عمد. عملا بقول الله تعالى:﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود: 112]، فإذا قلت أريد الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام من خلال سيرته، فما جاء في القرآن مخبرا عنه، وما جاء في الحديث كذلك، تعمل به وتسير على ضوئه، لذلك قلت لك في العنوان: دراسة السيرة النبوية على ضوء الآيات القرآنية والأحاديث النبوية”، ومعناه لو سألت كيف كان نظام حياته، يأتيك الجواب كان كما أمره ربه عز وجل: ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾. قال القرطبي – رحمه الله: (والاستقامة الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين والشمال، فاستقم على امتثال أمر الله). وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك! قال:[ قل آمنت بالله ثم استقم]. وروى الدارمي أبو محمد في مسنده عن عثمان بن حاضر الأزدي قال: دخلت على ابن عباس فقلت أوصني! فقال: نعم! عليك بتقوى الله والاستقامة، اتبع ولا تبتدع.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [هلك المتنطعون] قالها ثلاثا. (رواه مسلم.كتاب العلم.2670).

والمتنطعون هم: المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم، المتشددون في غير مواضع التشديد، أو قل: هم أهل: (خالف تعرف)!، منهم من يتشدد عن عاطفة ساذجة، وفي عصرنا هذا لم يكن المتنطعون إلا عن عناد وحمية وغباء. وعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إن الدين يسر، ولن يشاد الدين إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة]  رواه البخاري (39) ومسلم (2816).

فمن بين أهم دروس السيرة النبوية أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يحيا حياة عادية في طفولته وشبابه ورجولته. كان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، يلبس كما يلبس الناس ويحضر المجالس كعامة الناس، ويسافر ويتاجر، ويتجاوب مع الغني والفقير، يحاور ويصابر، ولكن صلى الله عليه وسلم كان أجمل الناس وأعظمهم أخلاقا. ومن أعظم الأخلاق التي تقرأ في سيرته العطرة أنه كان: ييسر ولا يعسر، ويعفو ولا ينتقم، ويتواضع ولا يستنكف، ويستشير ويعمل بالمشورة. عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: [خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما قال لي: أُفٍّ قط، ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا؟] ( مسلم. كتاب الفضائل.رقم:2309).

وها هي الموعظة الجامعة من بداية السيرة النبوية في قيمة الشخصية التي يمكن للشاب مهما كانت وضعيته الاجتماعية، ومهما كان نسبه يمكن أن يبني شخصيته، ويقيم رجولته ويحقق بطولته. ولد النبي صلى الله عليه وسلم يتيما، وتربى في بادية، وفي شبابه كان يعمل في الحلال، ويكسب رزق الله من الحلال، ولم يكن يتكبر على العمل اليدوي، ولو في الفلاحة في رعي الغنم. قال ابن هشام: قَالَ ابن إسْحَاقَ: وكان رسول الله صلى اللهُ عليه وَسلم يَقول: [مَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ،] قِيلَ: وأَنت يا رسول اللهِ؟ قَال: [وَأَنَا].

روي أنه صلى الله عليه وسلم رعى الْغنم فِي بني سعد مَعَ أَخِيه من الرضَاعَة، وَأَنه رعاها بِمَكَّة أَيْضا على قراريط لأهل مَكَّة. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى. وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى. وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى. [الضحى: 06/07/08].

لكن ألم يقل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: 03]؛ ونتعلم التقوى من سيد المتقين، ونتعلم التوكل من إمام المتوكلين صلى الله عليه وسلم. والقانون الإلهي عام، بمعنى أن قول الله تعالى :﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً عام لكل من يتق، ويصبر، ويجتهد، ويتعلم، ويعمل، ويستمر في الطاعة والاستقامة، سيحقق الهدف المقصود من قيمة السيرة النبوية إن شاء الله تعالى، وفيما يرضي الله تعالى. وعليك بست: 1/ النية الصادقة.

2/ العبادة بما شرع الله تعالى.

3/ طلب الرزق من طريق الحلال.

4/ الإخلاص في كل شيء.

5/ الإتقان في الأداء.

6/ التمام في الإنجاز.

لو تعمل بهذه الخصال الست في كل حياتك؛ تكون قد استفدت من السيرة حقا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com