المرأة و الأسرة

المرأة وأسرار البيوت على مواقع التواصل الاجتماعي

أ. عتيقة نابتي/

 

أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي واقعا فرض نفسه وغير مجرى حياة البشر جميعا على المعمورة ليس فقط بسبب سهولة التواصل بين الناس بل لأنه غير نمط الحياة وتغير معها سلوك الناس وطرق تفكيرهم ورؤيتهم للأمور خاصة من الناحية القيمية. والأمر الملفت حقا هو أن حياة الناس فقدت الكثير من الخصوصية ورغم أن هناك ضوابط الدين والعادات التي تتحكم في مسار التواصل بين الناس عبر العالم، إلا أن القيم التي كانت إلى عهد قريب من أهم ضوابط العلاقات عامة، جاءت مواقع التواصل الاجتماعي لتجعل منها مفهوما عائما غير ذي معنى . والمرأة هي أكثر ارتيادا لمواقع التواصل الاجتماعي وهذا قد يكون راجعا إلى طبيعتها الأنثوية فهي كالموج في عواطفها ومن طبيعتها أنها تحتاج إلى اهتمام خاصة وأنها مخلوق يحتفظ بمشاعره مدة طويلة، بل إن عالمها مليء بالمحبة والسلام بعيد عن الصراع لكنه مملوء بالتنافسية، وكلما كانت الأهداف والغايات الحياتية راقية تعبدية كان المجال التنافسي لديها أكثر رقيا ورسالية، وكلما انحدرت الاهتمامات والغايات كانت التنافسية بين النساء ذات طابع شهواني غريزي تتلبسه المباهاة والنفاق الاجتماعي بكل تفاصيله. وفي مواقع التواصل الاجتماعي ينعكس كل أصناف البشر ويظهر ذلك الانعكاس الخاص بالمرأة من خلال طبيعتها الانثوية وحبها للفضفضة، والتي غالبا ما تصبح ثرثرة مقيتة تفقد معها قيمتها الانسانية والانثوية وكونها مخلوقا يتسم بالعطاء والحب ويحتاج الى اهتمام وتقبل فالثرثرة عند الانثى هي بحث عن الاهتمام. وما بين الثرثرة السلبية والفضفضة والبحث عن الاهتمام خيط رفيع فالفضفضة جزء من طبيعة الأنثى والكلمات هي الخطوط التي تربطنا بالناس والكلمات هي الحرارة التي في تشحن هذه الخطوط فتجعلها دافئة فتستمر أو جافة فتنقطع. والثرثرة السلبية هي إحدى القنوات التي تصبح فيها الكلمات مؤذية خاصة إن حملت معنى فضا أو كانت كلمات نابية أو أفشت سرا، خاصة أن المرأة في حديثها تحب ذكر التفاصيل وفي مواقع التواصل الاجتماعي مع غياب الوعي فلا رقابة. اسم مستعار وقلب حائر ونفس مشوهة وطبيعة أنثوية عواطفها كالموج تبحث أين تفرغ تلك الشحنات التي تثقل كاهلها طوال اليوم فلا تجد إلا تلك المواقع لتبث فيها شحنات حرارية لكلمات قد تهدم بيوتا لشدة وقعها. فكل حديث دون هدف هو ثرثرة دون معنى وقد تؤذي ولا تنفع فبث الشكوى في غالب الأحيان ماهو إلا تفكير بصوت مرتفع ولن ينفع البث مالم يتخلص الانسان من الألم بنفسه ومن الداخل فكثيرا ما نحكي عن آلامنا فنزداد ألما بالشكوى وليس مجرد التفريغ دواء. من هذا المنطلق جلت في صفحات الفايسبوك حيث تجتمع النساء في مجموعات كبيرة أحيانا تجدها متخصصة من حيث العنوان فقط وفي غالب الأحيان هي للثرثرة والبوح فقط . فجمعت خمسين منشورا قمت بدراستها وتحليلها فوجدت أنها أولا تعبر عن طبيعة الانثى في البحث عن الاهتمام ولأننا مجتمع لا يحسن التواصل تبحث المرأة بمختلف تنوعاتها الثقافية والقيمية والعمرية الاهتمام في صفحات التواصل. وثانيا هي نفسها لا تفهم بأن الفضفضة بحث عن الاهتمام وليست فقط ثرثرة ولو كانت تفهم ذلك لما نشرت أسرارها أمام الملأ حتى ولو كان باسم مستعار. وكثيرا ما تكون تلك الثرثرة بكلام فاحش، كلام ينبغي أن تتبرأ منه كل أنثى بسبب انحدار أسلوب الكلام، فالكلمة المبتذلة هي أسوأ من جرح يشوه وجه امرأة جميلة. هذه المشكلة باتت واقعا في مواقع التواصل الاجتماعي والسبب واضح هو حاجة المرأة للتنفيس عن حالتها النفسية والعاطفية وفي نفس الوقت سوء التواصل داخل الاسرة فهي تفضل أن تفضفض باسم مستعار على أن تفشي سرها للأهل أو الأصدقاء أو زملاء العمل . فالمجتمع بأطيافه أصبحت تحمه إما لغة الحسد أو لغة التفاهة أو لغة أحمل مشاكلك فأنا أكثر منك معاناة، فأواصر التواصل تشوهت حتى أصبح كل شخص يعوم في همومه ولا يسمع به أحد وفي ظل هذه الظروف وجدت مواقع التواصل الاجتماعي لتجد الكثير من النساء ضالتها فتبث همومها دون رقابة من أحد في مجتمع تحكمه منطقة العار من مراحل الوعي المجتمعي. إذ يكفي أن نقوم بجولة على المجموعات النسائية بمختلف مسمياتها وتوجهاتها لنعرف ذلك الكم من الأسرار التي تنتشر هنا وهناك بكل ابتذال، وتتمحور حول الحاجة وتعب الانفاق والتذمر من الواقع المزري بسبب الفقر وكونها المعيل الوحيد للبيت بسبب وفاة الوالد أو الزوج ، وأغلب الفتيات المعيلات عازفات عن الزواج أو لم يرزقن بزوج فسلمن امرهن للواقع وفضلن التضحية على العائلة والبيت. وهناك ثرثرة لفتاة حكم عليها المجتمع بمقاييسه الظالمة بالقبح وإخراجها من دائرة الجمال وبالتالي فهي ليس مرغوبا فيها ولم تجد من تصاحبه ولا من يتقدم رغبة في الزواج منها، وهناك ثرثرة تتمحور حول مشاكل سنة أولى زواج، وحالات الخيانة الزوجية وحالات التحرش وزنا المحارم، وحالات الشك في خيانة الرجل والاحساس بالنفور منها فتقودها مخيلتها الى تصور خيانة في الموضوع . إضافة إلى حالات الضرب والطرد والإهانة وحالات الغيرة المرضية ولعب الزوجة دور الشرطي والتجسس على هاتف زوجها، ومشكلات العلاقة الحميمة وأسباب فشلها ونتائج ذلك على العلاقة الزوجية عامة دون أن ننسى الحالة النفسية التي تكون عليها النساء جراء هذه المشكلات وغيرها فيكون التعبير عنها بإفشاء الأسرار واستعمال كل الكلام الذي يمكن أن يعبر عن ما يضيق به القلب. ولا يتوقف الأمر فقط في نشر الأسرار وهتك ستر الأسرة بل يتحول الأمر الى نصائح مريعة تؤدي الى الهاوية رغم وجود بعض الفاضلات اللواتي يعملن على النصح والإرشاد، الأمر يحتاج حقا إلى دراسة فعلية وإيجاد الحلول وتغيير الأفكار والقناعات، فإذا كان احتياج المرأة للفضفضة ضرورة كيف نمنعها من أن تصبح ثرثرة سلبية وهتك للأسرار وتعرف بأنه إذا شقت عليها الدنيا بقسوتها وشقائها لهاأن تعرف أمرين اثنين ،أولهما انها دار شقاء وليست دار بقاء أي أن تتزود بخير الزاد وهو التقوى فتجعل شقاءها فيها مطية للعبور بسلام الى دار البقاء في جنات الخلد. وثانيها أن تتعلم كيف لا تجعل حياتها كتابا مفتوحا يسجل فيه الجميع ملاحظاتهم وإن احتاجت الى من تستشير ليس بالضرورة أن تفتح صفحات حياتها تقلبها رياح أهواء الناس يمينا ويسارا، في الاخير إن سبب هذه الظاهرة هو ضعف التواصل الأسري وتعود المرأة على لعب دور الضحية من جهة ومن جهة أخرى الاحتياج الى الاهتمام وممارسته في غياب الرقيب فهي عادة تستعمل اسما مستعارا من باب الحماية، والأهم هو غياب الوازع الديني فإفشاء السر هو تضييع للأمانة ومع عصر فقد فيه الناس جوانب هامة من الخصوصية باتت حياة الناس تقرأ على صفحات التواصل الاجتماعي.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com