أقلام القراء

نوفمبر وعمل الذاكرة/ علي حليتيم

ذكرى عزيزة أراها إلى الحزن أميل، وهي التي مرت بنا هذه الأيام في نوفمبر2017م؛ ذلك أن كل التقارير الصحفية الفرنسية تشير بوضوح لم تعهده من قبل إلى ارتياح فرنسي لعمل الذاكرة الذي يتم بين الضفتين!

ما هو عمل الذاكرة؟

حين تريد أن تمرر شرا سمّه باسم جميل..!

إن المجهود الإعلامي والثقافي الفرنسي لاحتلال التاريخ وتمرير الرؤية الفرنسية لحرب التحرير، وحقبة الاحتلال التي تكتفي بالحديث عن العنف والألم من الجانبين، بل تتعداه إلى الحديث عن الذاكرة المتعددة، والبناء المشترك للمستقبل دون أي إشارة للمجازر والمحارق  وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، ومشاريع الإبادة الجسدية والهوياتية، إلى أن وصل الأمر إلى حد عدم الاعتراف بتسمية حرب التحرير الوطنية حربا..! بل “حوادث ” ويصل الأمر إلى حد مطالبة الطرف الجزائري بالاعتراف بالجرائم المرتكبة في حق الفرنسيين، وهم يغادرون الجزائر عام 1962م، والمطالبة بتعويضهم (مشروع قانون في البرلمان الفرنسي).

حين يتحدث الفرنسيون عن محرقة اليهود في ألمانيا فإنهم يسمون الأشياء بمسمياتها، ويضعون الحروف تحت نقاطها، فيتحدثون عن «واجب الذاكرة»، “لكي لا يموت الضحايا مرتين” ويقصدون بالمرة الثانية النسيان كما يقول “إيلي” ويزل أحد الناجين من “أوشفيتز” وحاصل على جائزة نوبل للسلام!

في عام 1946م انطلقت في باريس المشاورات حول الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي عام 1948م تم اعتماده في باريس أيضا دون أدنى إشارة لمحرقة 8 ماي 1945م.

في عام 1964م صوّت البرلمان الفرنسي على قانون ينفي صفة التقادم عن الجرائم ضد الإنسانية دون أن يخطر على بال أحد من الفرنسيين اعتبار ما حصل في الجزائر جرائم حرب، أو جرائم ضد الإنسانية؛ وأصبحت منذ ذلك التاريخ قضية المحرقة ضد اليهود مسألة هوية وطنية في فرنسا.

واعترف الرئيس الفرنسي “جاك شيراك” بمسؤولية فرنسا في ترحيل اليهود نحو ألمانيا، وتبع ذلك إقامة نصب تذكاري كبير للمحرقة يحتوي على متحف ومرافق ثقافية ويمول من تعويضات الدولة الفرنسية لليهود.

وفي عام 2000م صوّت البرلمان الفرنسي على اعتماد اليوم الوطني للمحرقة، ثم وقعت فرنسا على اليوم العالمي للمحرقة الذي اعتمدته الأمم المتحدة في 1 نوفمبر 2005م ثم ساهمت مع 48 دولة غربية في بعث يوم ذاكرة المحرقة ويقضي بإلقاء دروس في الموضوع في كل المؤسسات التربوية في: (27 يناير) من كل عام.

وفي 13 فيفري 2008م اقترح الرئيس الفرنسي “نيكولاي ساركوزي” تفويض ذاكرة طفل مُرحل نحو محتشدات النازية إلى كل طفل متمدرس في السنة الثانية من الطور المتوسط..! لكن اقتراحه لم يُقبل لتطرّفه، واستبدل بإقامة صفحة “ويب” تابعة لوزارة التربية الفرنسية، حيث يمكن للمطلع أن يقف على العمل التربوي الكبير الذي يقوم به الفرنسيون تجاه محرقة اليهود، وإجبارية التكوين القوي للأساتذة في هذه القضية وتدريسها في كل الأطوار بدءا من المرحلة الابتدائية.

ماذا يساوي تصريح بائس من الرئيس الفرنسي حين يزور بلادنا، مغلفا بالدبلوماسية والنفاق، وهو بمثابة [الذبح بالحافي] كما يقال عندنا أمام هذا العمل الجبار الذي تقدمه فرنسا للضحايا اليهود الذين نقلوا إلى ألمانيا في فترة احتلالها، وقُتلوا في ألمانيا بيد الألمان؟ أم أن الضحايا أنواع؟ والبشر أصناف؟ والمحارق… يمكن أن تكون حلالا أو حراما؟!

لكن قبل أن نسأل فرنسا، تعالوا نسأل جزائر الاستقلال: ماذا فعلت لثورتها التي تتغنى بها فقط في المناسبات؟ غناء “الدونكيشوت” ببطولاته؟!

متى أنتج آخر فيلم عن الثورة؟ ومتى لحنت آخر أغنية؟ وكم أصدر من وثائقي ودراسة ورسائل دكتوراه؟ وأين هي تسجيلات المجاهدين الذين يكادون ينقرضون بعد مرور ثلاث وستين سنة على بداية الثورة؟ وأين حضور الثورة في المشاهد الدولية الرسمية والإقليمية والشعبية؟

إن عمل الذاكرة وهدوء الذاكرة الذي تدعو له فرنسا ما هو إلا مناورة منها لتنتصر في حرب الذاكرة، وتمرر أطروحتها عن الثورة والمجاهدين، وسنكون خائنين لثورتنا حين نردد مع فرنسا كلاما لا نفهم مراميه ومآلاته.

إن خيانة الذاكرة من خيانة الثورة، وحرب الذاكرة استمرار لحرب التحرير التي لا تزال غصتها في حلق العدو إلى اليوم، وهو يسعى عن طريق حزبه وأشياعه بيننا إلى تقليص حضور الثورة في المشهد الثقافي الجزائري، وتقليص حضورها في المناهج التربوية بذريعة أن تاريخ الجزائر ليس فقط حرب التحرير..!

وقد راح بعض الجزائريين مثل المستعمِر يتحدثون عن عمل الذاكرة والعيش المشترك، ناسين أن “نوفمبر” ثورة للمستقبل، ومشروع تحريري حضاري للمستقبل، وستبقى شعلته متقدة في قلوب الجزائريين إلى الأبد.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com