في رحاب الشريعة

آية المنافق.. وزيادة مسلم على البخاري(1)/محمد عبد النبي

أخرج البخاري (1/16) ومسلم(1/78) من طريق إسماعيل بن جعفر عن نافع بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:” آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان”.

ثم ساق مسلم الحديث من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة.

وأضاف: “حدثنا عقبة بن مكرم العمي حدثنا يحيى بن محمد بن قيس أبو زكير قال: سمعت العلاء ابن عبد الرحمن يحدث بهذا الإسناد، وقال: آية المنافق ثلاث، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم”. فانفرد مسلم بهذه الزيادة عن البخاري؟ وقد أخرجها من هذه الطريق أبو يعلى في مسنده (11/406).

ثم أورد مسلم لهذه الزيادة متابعة قوية من طريق حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة…” وهذه الطريق الثانية أخرجها الإمام أحمد في المسند (15/81-82) وابن حبان (1/490) والبيهقي في السنن الكبرى (6/470) وقال البزار في مسنده (14/257):” وهذا الحديث لم يروه عن داود عن سعيد عن أبي هريرة إلا حماد بن سلمة”. وقال القاسم البرزالي في مشيخة أبي بكر بن أحمد المقدسي (99): ” وليس لداود عن سعيد عن أبي هريرة في الصحيح غيره”.

السند الأول الذي ساق به مسلم الزيادة المشار إليها فيها أبو زكير يحي بن محمد بن قيس، قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في تهذيب التهذيب (11/275):” قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ضعيف، وقال عمرو بن علي: ليس بمتروك، وقال أبو زرعة: أحاديثه متقاربة إلا حديثين، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وأورد له ابن عدي أربعة أحاديث، وقال: عامة أحاديثه مستقيمة إلا هذه الأحاديث، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل من غير تعمُّد، لا يحتج به، وحديثه عند مسلم في المتابعات، قلت: وقال الساجي صدوق يهم، وفي حديثه لين، وقال الخليلي شيخ صالح”.ولخّص الحافظ ابن حجر هذه الأقوال في تقريب التهذيب (596) بالقول:”صدوق، يخطئ كثيرا..”.

وقد كنت أظن أن زيادة الإمام مسلم مما انتقاه من حديثه، وأكّد مسلم الأمرَ بمتابعة حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب، وهي متابعة حُكم على سندها بالصحة، ولم أجد-في بحثي- من تكلم على زيادة أبي زُكير، غير أني بالرجوع إلى كامل ابن عدي وجدته يورد الأحاديث الأربعة التي أشار ابن حجر إليها في التهذيب، وأخرج ابن عدي في رابعها زيادة مسلم، من طريق:”.. يحيى بن محمد بن قيس، سمعت العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: آية المنافق ثلاث، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر”. ثم ختم ابن عدي كلامه بالقول:”ويحيى بن محمد بن قيس له أحاديث سوى ما ذكرت، وعامة أحاديثه مستقيمة، إلا هذه الأحاديث التي بينتها”.

ومن منكرات أبي زكير: حديثه في أكل البلح بالتمر: أخرجه غير واحد من الأئمة، وعدّه ابن عديّ في الكامل (9/105) ضمن أربعة أحاديث له غير مستقيمة، وقال ابن حبان في المجروحين (3/120):” وهذا كلام لا أصل له من حديث النبي صلى الله عليه وسلم”. وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات (3/26) وقال الذهبي في مختصر المستدرك (5/2595): “حديث منكر، ولم يصححه المؤلف” يقصد الحاكم، وذكره بالنكارة أيضا في الميزان (4/405) وقد حكم عليه الشيخ الألباني أيضا بالوضع، في صحيح وضعيف سنن ابن ماجه (7/330).

ولم يخرج البخاري لأبي زكير، ولا لحماد بن سلمة، ولا لداود بن أبي هند، الذين أخرج لهم مسلم، ولم أسق زيادة الإمام مسلم لأتكلّم عن ضعفها، ولكني احتجتُ إليها في مجال الوعظ، ولفت نظري أن البخاري لم يخرجها، كما أن الأئمة الأربعة لم يخرجوها ! وأنا بصدد البحث عن ملمح آخر-غير ملمح الشرط الإسنادي- في إعراض البخاري عن بعض ما انفرد به الإمام مسلم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com