روبورتاج

الجامــــع “البَرَّاني” معمـــارٌ يُشــيَّــد خــــــارج أســــوار قلعـــة السلطان / الـموقــع وأصـــــل التسمــيـــة

روبورتاج: فــاطمة طــــاهـي/

لا تزال المساجد التاريخية والأثرية التي تعود إلى عهد الخلافة العثمانية صامدة في الجزائر وشاهدة على تاريخها العريق، ففي قلب العاصمة وبالتحديد منطقة «باب الجديد» بأعالي حي القصبة العتيق تم تشييد مسجد «البَرَّاني» سنة 1653م، سمي بالبرّاني لبنائه خارج أسوار القصبة، وهذا لتمكين المصلين الأجانب عن قلعة السلطان العثماني من الصلاة والتعبد فيه، والذين لا يُسمح لهم بالدخول إلى القلعة لظروف أمنية، ورغم أن الاحتلال الفرنسي حوّله إلى مرقد لجنوده ثم سلمه للقائمين على الديانة الكاثوليكية، إلا أنه ظلّ محافظا على هويته الإسلامية شكلا، واستعادها مضمونا بعد استرجاع السيادة الوطنية .

يقع مسجد “البراني” في منطقة “باب جديد” الواقعة بأعالي حي القصبة العتيق الذي يعد من أقدم الأحياء الشعبية بالجزائر العاصمة، تم بناء مسجد البراني عام 1653م وتم توسيعه عام 1818م.
البَرَّاني” هي كلمة باللهجة العامية الجزائرية، وتعني “الغريب” حيث يُقصد بها الشخص الذي لا ينتمي إلى تلك المنطقة وقد يختلف عن أهل المنطقة في عاداتهم وتقاليدهم، وقد تم بناء مسجد “البراني” لتمكين المصلين الأجانب عن القلعة من الصلاة والتعبد فيه.
وجاءت أيضا هذه التسمية “جامع البراني” للتفريق بين جامع القصبة الداخلي ومسجد القصبة الخارجي البراني، أي حصن القصبة أو القلعة، وبالتالي الغرباء عن حصن القصبة هم الذين يصلون في جامع البراني، لأنهم لا يستطيعون الدخول للصلاة داخل مسجد القلعة لظروف أمنية.
مؤســــس جامـــع البرانـــي
بني مسجد البراني خارج أسوار القصبة، ويقال أن الذي بناه هو الداي حسين وهذا ما ترويه اللوحات التذكارية التي وجدت به، والتي دونت اسم الداي حسين، ولكن الباحثين والمؤرخين يعتبرون أن بناء هذا المسجد كان قبل عهد الداي حسين، وأن هذا الأخير قام بتجديده فقط.


تأسيس جامع البراني
اختلفت الروايات حول تأسيس المسجد فمثلا “دوفو” يرجع تأسيس هذا المسجد إلى سنة 1064هـ “1653م/ 1654م، ويصف “دوفو” الجامع بأنه مسجد صغير وأنيق يقع أمام باب القصبة، ويشير “كلاين” إلى أن هذا المسجد كان مخصصا للجيش والعمال الذين كانوا يشتغلون داخل الحصن.
كما قيل أن الداي حسين كان يستقبل الموظفين السامين بهذا المسجد، والذين ارحتلوا معه إلى القصبة بعد نقل الإدارة إليها من قصر الجنينة، و قد ذهب بعض الباحثين وعلى رأسهم كل من رشيد بورويبة والدكالي و إسكار إلى أن هذا المسجد بني سنة 1233هـ/1817ـ1818م حسب ما تشير إليه اللوحة التذكارية الموجودة فوق باب المسجد.


تجديـــــد مسجــــد البرانــــــي
وتوجد بالمسجد مخطوطات توثق عقود الملكية ومخطط المسجد وحدوده، وكذا لوحتان رخاميتان تشيران إلى سنة تجديد وتوسيع المسجد.
وقد قام بتجديد هذا المسجد آخر دايات الجزائر وهو حسين باشا حيث توجد لوحتان رخاميتان تشيران إلى سنة تجديد المسجد وتوسيعه من طرف حسين باشا، فاللوحة الأولى موجودة في المتحف الوطني للآثار القديمة، وهي لوحة مستطيلة الشكل كتبت باللغة العربية باستعمال خط النسخ وبأسلوب الحفر الغائر المملوء بالرصاص، جاء النص في ثلاثة أسطر مقسمة إلى قسمين كل قسم وضع داخل معينات ذات خطوط منحنية وقد جاء نص الكتابة كالآتي:
صاحب الخيرات والحسنــات السيد حسين باشا رفعه الله أعلى الدرجات المتمسك بقول من له اللواء والشفاعة من بنى لله مسجدا بنى الله له في الجنة بيتا
سنة ثلاث وثلاثون ومائتين وألف من بعد الهجرة من له الفخر والشرف.
وقد أحيط بهذه الرخامة مجموعة من قطع الخزف مكتوب عليها:
” الصبر سلامة، أبشر يا فتى، أن الفرج قد أتى ”
وقد جاءت هذه الكتابة على شكل أبيات شعرية استهلت بذكر محاسن ومآثر الداي حسين آخر دايات الجزائر، حيث وصف بصاحب الخيرات والحسنات، ثم الدعاء له برفع الدرجات، ثم تشير الكتابة بعد ذلك إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة”، وفي الأخير تحدد الكتابة تاريخ تجديد الجامع وهو سنة 1233هـ الموافق لـ 1817، 1818، وقد كتب التاريخ بالحروف وبالأرقام.
وأما اللوحة الثانية فهي موجودة فوق مدخل الواجهة الجنوبية للمسجد، وهي طبق الأصل عن اللوحة الأولى ولا تختلف عنها إلا في وجود صف واحد من الخزف تحت اللوحة.


الشكل الهندسي لجامع “البراني”
يظهر هذا الجامع من الخارج على شكل مستطيل له أربع واجهات، الواجهة الغربية وهي الواجهة الرئيسية والتي يوجد بها المدخل الرئيسي للمسجد والذي يؤدي مباشرة إلى قاعة الصلاة، وأما الواجهة الجنوبية فيتوسطها مدخل ثانوي بينما الواجهة الشرقية تحيط بها بنايات حديثة، وفي جزء من هذه الواجهة نجد المئذنة ذات الشكل المثمن وأما قاعة الصلاة فنجد فيها اثني عشر عمودا، و أما سقف قاعة الصلاة فهو مسطح و مكون من أوتاد خشبية مستديرة.
مصير المسجد في العهد الفرنسي: بعد الاحتلال الفرنسي لأرض الجزائر سنة 1830، قامت السلطات العسكرية، بتحويله إلى مرقد للجنود، وفي سنة 1839م منحته إدارة الشؤون الداخلية للقائمين على الديانة الكاثوليكية فأصبح يحمل اسم كنيسة “سانت كروا” أو الصليب المقدس.
وفي سنة 1887م صنف الاحتلال الفرنسي جامع “البراني” كمعلم ثقافي محمي، وبعد استرجاع السيادة الوطنية سنة 1962م استرجع هويته وأصبح مسجدا كما كان أولا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com