الحـــق الـمر

الدستور أكله الحمار…

يكتبه د. محمّد قماري/

أعترف أنني كنت معجبًا بتجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، وهو اعجاب يشاركني فيه كثير من ابناء جيلي، ذلك أن أغلبيّة الأطراف السياسيّة في تونس حاولت تكريس تجربة الانتقال الديمقراطي، وارسال أكثر من رسالة مطمئنة سواء إلى الشعب التونسي أو إلى الخارج، وأشاد الناس بذلك التدافع السلس، بل ذهبت التفاسير تنحت في طبيعة تركيبة (النخبة المثقفة)، وخطفت تجربة تونس ألباب المعجبين بها وبشعبها، وذلك رصيد معنوي يمكن استثماره في المستقبل…
ولاشك في أن الأقربين أولى بهذا المعروف، فالجزائر من خلال استعراض تاريخ طويل، تعرف أن اضعاف تونس أو تهديد أمنها هو مقدمة لازمة لتهديد أمن الجزائر، كان ذلك ساعة دخول الرومان، وكان يوم دخل شرلكان تونس سنة 1536، ومن تونس جاءت نجدة الإخوة (عروج وخير الدين)، وفي تونس كانت القاعدة الشرقية لثورة التحرير (غار الدماء)، فالعطس في تونس تتوجس منه الجزائر، وتتوقى شر الحمى والوباء…
ولأن القطر التونسي ليس فيه الكثير من كنوز الأرض، تلك التي قد تسيل لعاب الأطماع، ظننا أن تجربتها في الانتقال الديمقراطي قد لا تثير (حساسيّة) كبيرة في مراكز القوى التي تنفخ في تيارين متناقضين، تيار يدعو للديمقراطية والحوكمة الراشدة، وتيار يسد المنافذ أمام كل تجربة من شأنها أن تعزز خيار الديمقراطية الذي ينفتح حتما على (التنميّة) ويعزز استقلال البلدان…
وأصبح المشهد من خلال تجارب حديثة أقرب إلى وصف من قال:
رماه مكتوفًا في اليّمِ، وقَال لهُ
إياك إياك أن تبتل بالماء.
أدبيّات طويلة حول الديمقراطية، وتمكين الشعوب من حق اختيار من يحكمها، وتكريس مفهوم التداول السلمي على السلطة، وضمان الحريات العامة… فإذا جاءت ساعة التنفيذ، جاء تيار بارد قارس، يطفئ ذلك التوهج، ويقتل الدفء فيه، ولعل المرحوم باجي قائد السبسي كان يعي جيدا ما يقول، حينما ارسل تلك العبارة القاسية: يقولون ربيع عربي… سيتلوه شتاء قاسٍ.
ولعلّ الذي زاد من إغراء التجربة التونسيّة، أنها قادت إلى سدة الحكم رجلاً لم يكن معروفًا في عالم النضال السياسي أو الاجتماعي، كان أستاذا يعيش على راتبه كأي مواطن من عامة الناس، لا يعرف له انتماء لحزب ولا تنظيم، انخرط في النشاط العلني بأخراة من الزمن، ويتحدث بأسلوب أقرب إلى أسلوب المدرسين، وبعفوية أقرب إلى منطق الواعظين…
خرجت (ليلى) بن علي من قصر الجمهورية هاربة مع زوجها، ودخل القصر (قيس) دخله بعد أن نثر من الوعود والمواعظ الكثير، ورأى الناس رجلا يتعفف من سكنى القصر، وشاهدوه يحمل الحاويات بيديه، وهو في كل ذلك يتخلى شيئا فشيئا عن منطق الوعاظ الصريح، ويستعين بألغاز أهل الباطن، فيرسل العبارة مطلقة تحتاج إلى أكثر من تأويل وحاشية، وإذا بأستاذ القانون الدستوري يُعقِّد سير الدستور…
فهل كان (قيس) يستشرف المستقبل وهو بعدُ مترشح للرئاسة، عندما صرح: شاهدت مسرحية، وفيها أن مختار القرية طلب من أحد أعوانه أن يأتيه بالدستور، فقال له المعاون: أن الدستور أكله الحمار!
وأردف قيس معلقًا: خوفي على الدستور القادم في تونس من أن تأكله (أتان) جديدة أو حمار من سلالة الحمار الأول!
إن قراءة التاريخ لتجعلنا نقف عند آلام المخاض الصعب للانتقال في حياة الشعوب، لكن المؤكد والثابت من سنن التغيير أنه إذا انطلق فلن ينتكس حتى يستنفذ أغراضه، قد يتعثر وينتكس في بعض المنعرجات، قد يؤجل بعض مطالبه لكنه ماضِ إلى مستقره، وما ذلك المستقر إلا تمكين الشعوب من حقها في اختيار من يتولى زمام أمورها، وتأمنه على إدارة دفة الشأن العام فيها، ليتفرغ الناس إلى تدبير معاشهم في ظل حكم لا يصادر حقوقهم في تكافؤ الفرص، ولا يحيف فيه الأقوياء على الضعفاء،…
لقد انطلق قطار التغيير في تونس وفي غيرها من بلدان هذا الشرق، وإنه يمضي في طريقه، يعلو وينزل، يغالب العوائق ويواسي المترددين والمتعبين من مشقة الطريق، لكنه بالغ محطته بحول الله، فتلك سنة تؤكدها تجارب التاريخ، ويعززها اتجاه القدر في نصرة المظلومين والمسحوقين…
لقد استقر في خلد الكثير من الناس في عالم هذا الشرق، أن أزمتنا الحضارية مرتبطة ارتباطا وثيقا بـ(التنمية)، وأن التلويح بالمعارك الايديولوجية يعطّل قاطرة التنميّة، والتنميّة لا تتحقق إلا في ظل حوكمة راشدة تنبثق عن قيادات تنبثق عن إرادة الأمة الحرة في اختيار من يقود مسيرتها، وتتحمل مسؤوليتها في إقالة من أوصلته إلى تلك القيادة إذا خان أو أخطأ في حقها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com