وراء الأحداث

النظام الـمغربي يصــر على غلــق باب الـمصالحة مع الجزائر

أ. عبد الحميد عبدوس/

مرت سنة كاملة على إبداء الرئيس عبد المجيد تبون، استعداد الجزائر لفتح صفحة جديدة مع الجار المغربي، ففي مقابلة صحفية مع قناة (فرانس 24)، أكد الرئيس تبون أنه. «لا مشكلات للجزائر مع الشعب المغربي الشقيق ولا مع ملك المغرب، وإذا اتّخذوا مبادرة، فستكون موضع ترحيب، وأظن أنه يمكنهم القيام بذلك لإنهاء المشكلة نهائيا»، ولكن يبدو أن النظام المغربي لا يفوت أية لفرصة لإظهار عداوته للجزائر، والتمادي في نسف كل مبادرات تحسين العلاقات الثنائية بين البلدين الجارين الشقيقين، وغلق قوس الامل في إمكانية تحقيق حلم بناء المغرب العربي الذي راود أجيالا متعاقبة من المناضلين المغاربيين.

لقد سبق للقنصل المغربي في وهران في لقاء مع الجالية المغربية، أن اعتبر الجزائر «بلدا عدوا»، ومع مرور الأيام يتضح، للأسف، أن هذا التصريح المغربي الخطير لم يكن مجرد زلة لسان أو تصعيدا لفظيا من طرف أحد ممثلي السلطات الرسمية المغربية، ولكنه يأخذ شكل سياسة معتمدة من طرف المغرب تجاه الجزائر. ومع استمرار ممارسات النظام المغربي في محاولة تسميم الشعب الجزائري عن طريق تسريب مئات القناطير من المخدرات عبر الحدود، وزع السفير المغربي في الأمم المتحدة في منتصف شهر جويليه وثيقة رسمية 2021 على أعضاء حركة عدم الانحياز، وصفت الخارجية الجزائرية محتوى الوثيقة، بأنه «يكرس بصفة رسمية انخراط المملكة المغربية في حملة معادية للجزائر عبر دعم ظاهر وصريح لما تزعم بأنه حق تقرير المصير للشعب القبائلي الذي، يتعرض حسب المذكرة لأطول احتلال أجنبي». هذا الادعاء الكاذب والمضلل والحقير الذي انفردت به دبلوماسية نظام المخزن المغربي استهجنته وأدانته مختلف الفئات الرسمية والشعبية في الجزائر، خصوصا وأنه صادر عن نظام غارق في وحل الاحتلال لأراضي الجمهورية العربية الصحراوية ومازال يخوض صراعا مسلحا مع جبهة (البوليزاريو) التي اعترفت بها أكثر من ثمانين دولة. ولعل أحدث ما تكشفت عنه الممارسات العدائية والمخططات التخريبية التي يشنها نظام المخزن المغربي على الجزائر هو استخدامه للبرنامج الإسرائيلي للتجسس المسمّى «بيغاسوس» بغرض التنصت ومراقبة هواتف ومراسلات عدد كبير من المسؤولين والمواطنين الجزائريين. ورغم أن المملكة المغربية لا تعتبر من الدول المتقدمة تكنولوجيا أو القوية عسكريا إلا أنها تتصرف بقدر من الرعونة السياسية والطيش الدبلوماسي يكادان يضعانها في مصاف الدول المارقة. ففي شهر جوان المنصرم حاولت المغرب استفزاز دولة ألمانيا وابتزاز دولة إسبانيا عن طريق تسهيل عبور المهاجرين غير النظاميين إلى إسبانيا ،وممارسة الضغط الدبلوماسي على ألمانيا قصد دفع الدولتين الاوروبيتين القويتين للتراجع عن مواقفهما من قضية الصحراء الغربية المحتلة. ولم يسلم من المخطط التجسسي المغربي حتى فرنسا إحدى أكبر الدول الحليفة والداعمة للمغرب ممثلة في رئيسها إيمانويل ماكرون وعدد من كبار إعلامييها، وقد حاولت الدبلوماسية المغربية التهرب من دوي فضيحة التجسس على حلفائها بإنكار الوقائع التي وثقها التحقيق الدولي الذي قامت به أكثر من 17 مؤسسة إعلامية دولية، رفقة موقع (فوربيدن ستوريس) ومنظمة العفو الدولية (آمنستي انترناشيونال) واللجوء إلى رفع دعوى قضائية ضد مكتشفي فضيحة التجسس ولكن كبرى الجرائد العالمية على غرار صحيفة (لوموند) الفرنسية تمسكت بصحة المعلومات التي نشرتها.
يعتقد المطبعون المغاربة أن تحالفهم مع الكيان الصهيوني كفيل بتوفير الدعم والحماية لهم وجعلهم بمنأى عن المساءلة عن تصرفاتهم الخارجة عن القانون والمنافية لحقوق الإنسان، واللافت للانتباه أنه كلما توثقت العلاقة بين نظام المخزن المغربي والكيان الصهيوني تصاعدت التصرفات الاستفزازية وتكاثرت المخططات العدوانية للنظام المغربي ضد جارتها الجزائر، وإذا كانت الجزائر ترتبط مع شقيقتها المملكة المغربية بوشائج الأخوة الدينية والانتماء الحضاري ،فإن النظام المغربي يرتبط مع الكيان الصهيوني بقواسم مشتركة منها أنهما دولتان احتلاليتان تحتلان أراضي الغير بالقوة، وتتميزان بالاستهتار بالشرعية الدولية والدوس على القانون الدولي، والانخراط في مسعى الإضرار بمصالح الجزائر ومحاولة زعزعة استقرارها من خلال مساعدة وتأييد حركة «الماك» الإرهابية الإنفصالية المطالبة باستقلال منطقة القبائل.
وللتذكير، فإن علاقة النظام المغربي بالكيان الصهيوني لا تعود إلى شهر ديسمبر من العام الماضي (2020) عندما عرض الرئيس الأمريكي المنصرف دونالد ترامب في نهاية عهدته الرئاسية صفقة مقايضة على الملك المغربي محمد السادس تضمنت تطبيع العلاقات الإسرائيلية المغربية، مقابل الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، ولكن العلاقة وإن بقيت في مراحلها الأولى في إطار السرية، فهي تعود إلى سنة 1956، حسب اعتراف الملك الراحل الحسن الثاني والد الملك محمد السادس الذي صرح للصحافي الفرنسي إريك لوران: «لقد بدأت أعي هذا المشكل (الصراع العربي الإسرائيلي) في 1956. وكانت نقطة الضوء بالنسبة إلي، هي الحملة الفرنسية البريطانية على قناة السويس. والواقع أن الاتحاد السوفياتي كان يساند دخول إسرائيل إلى حظيرة الأمم المتحدة، رغم المعارضة القوية للعديد من البلدان، على رأسها بريطانيا. وحينما لاحظت بضع سنين بعد ذلك، تغيرا في موقف البريطانيين بمساندتهم لإسرائيل خلال حرب السويس، استخلصت أن الكل كان متفقا على أن تظل إسرائيل موجودة وأن لا يتم تدميرها أبدا. إلى جانب ذلك، ظل التعايش بين اليهود والعرب في المغرب، منذ قرون، أحد مقومات هذا البلد. لقد قمت بزيارة إلى لبنان. وخلال مأدبة عشاء، حضرها مثقفون لبنانيون، قلت لهم بحسرة إن العرب لن يتمكنوا أبدا من إيجاد حل أو تسوية للمشكل، لأن إسرائيل دولة لا يمكن أن تختفي. وبأنني لو كنت مكانهم لاعترفت بإسرائيل وأدمجتها في حظيرة الجامعة العربية، وهو التصريح الذي أثار جدلا كبيرا وتعالت الصيحات على إثره».
ولم تقتصر علاقة الحسن الثاني بالكيان الصهيوني على المشاعر الودية، ولكنه قدم خدمة حاسمة اعتبرت بمثابة «أكبر كنز استراتيجي» بالنسبة لإسرائيل، ففي المؤتمر الثالث للقمة العربية الذي انعقد في الرباط بالمغرب في 13 سبتمبر 1965، تحت رعاية العاهل المغربي، الحسن الثاني سمح هذا الأخير للموساد الإسرائيلي بالحصول على جميع المعلومات والوثائق والمستندات والخطابات التي أُلقيت في المؤتمر التي كشفت للمخابرات الإسرائيلية أن الجيوش العربية ما زالت بعيدة عن أن تكون جاهزة ومستعدة لخوض الحرب ضد إسرائيل. هذه المعلومات ساهمت في تحقيق النصر الاسرائيلي على الجيوش العربية في حرب 5 جوان 1967. وبعد حرب أكتوبر 1973 أصبح الحسن الثاني عراب تطبيع العلاقات بين العرب وإسرائيل حيث لعب دورا مهما في التقريب بين مصر وإسرائيل عن طريق تسهيل وتشجيع الاتصالات السرية بين الطرفين، فحينما بدأ الرئيس المصري أنور السادات استعداداته لمشوار التطبيع، لم يجد أفضل من صديقه ملك المغرب الحسن الثاني ليساعده في نقل أفكاره لإسرائيل، وقام بترتيب أهم لقاء سري جرى قبيل زيارة السادات للقدس سنة 1977، بين وزير الأمن الإسرائيلي موشيه ديان، ومستشار السادات المقرب حسن التهامي، حيث اجتمعا في المغرب وبرعايته، وبعدها تشجعت مصر على ركوب قطار التطبيع مع إسرائيل بصفة رسمية في سنة 1979.
ويسعى كل من النظام المغربي والكيان الصهيوني إلى تطويق الجزائر ودفعها للتراجع عن مواقفها المبدئية المتمثلة في مساندة الشعب الصحراوي المحتل من طرف المغرب للحصول على حقه في تقرير مصيره ،ومساندة الشعب الفلسطيني المحتل من طرف إسرائيل للحصول على حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com