كلمة حق

هل يتمسك المغرب العربي بالثوابت؟

أ د. عمار طالبي/

إنّ ما نشهده اليوم من النزاع السياسي، اعتقد أنه لا ينبغي بل لا يجوز أن يتجاوز الثوابت العقدية والثقافية والتاريخية.
ولعلّ ما حدث للموحدين في آخر عهدهم من الانشقاق والانقسام، الذي أدى إلى ما يسميه مالك بن نبي أمراض ما بعد الموحدين، حيث أصبحت هذه الدولة العظمى شتّى، ودويلات متصارعة، يتحالف بعضها مع أعدائهم ضد إخوانهم الآخرين، من أجل السلطة الوهمية، فهذه بقية الأندلس في غرناطة، وهذه دولة المرينيين في المغرب، وتلك دولة بني زيان في تلمسان، وآخرى في تونس وهم الحفصيون، وأخذت الصراعات بين هذه الدويلات مما أضعف المسلمين، وأطمع فيهم الأعداء، فأخذوا يهاجمون سواحل المغرب العربي أي الاسبان والبرتغال، فاحتلوا ما احتلوا من المغرب، والجزائر، وتونس، إلى العهد التركي ثم جاء الاحتلال الفرنسي الذي تهيأت له السبل، فاحتل المغرب العربي ابتداء من الجزائر ثم تونس ثم المغرب فضاعت الوحدة وانشقت الكيانات الواهنة فأصبحت لقمة سائغة للأعداء، ينهبونها من كل أقطارها، وجوانبها، فأصبحت دولة الموحدين أحاديث التاريخ، وغبار الدهر.
وها نحن اليوم بعد النزوع إلى الوحدة بعد الاستقلال وقبله، وعزم الزعماء في تونس والجزائر والمغرب على توحيد الكفاح، فكانت أغلب الأحزاب تسعى لذلك، وبذلوا الجهود في تكوين جيش لتحرير شمال إفريقيا كله، وكان للزعيم عبد الكريم الخطابي جهد كبير، وساند الثورة التحريرية الجزائرية أيما مساندة، وتكوّن بعد ذلك كله إتحاد المغرب العربي، ولكن لم يأخذ طريقه الحقيقي، رغم ما بذل من جهد، لأنّ الزعماء بعد الاستقلال أصبحوا قطريين ينظرون نظرة وطنية ضيقة، فرقتهم السياسة، والمصالح الضيقة، فلم يصل الإتحاد إلى غايته لأسباب سياسية متناسية الأواصر التاريخية والثقافية، والجغرافية التي تجعله قوة معتبرة جنوب البحر المتوسط يقرأ لها حسابها.
ونرى هذه الأيام ما يحدث في تونس مما يراد بها من هدم أركان الدولة وإزهاق روح ثورتها التي كانت قد تصدت لعواصف من العداوة، وإطفاء شعلتها بإيقاد نيران الفتنة، والشقاق بالمؤامرات والأموال.
لكني أعتقد أن الشعوب في شمال إفريقيا تشعر في أعماقها بوحدة الأمة، متمسكة به لرسوخها أشد الرسوخ عبر التاريخ، وما حدث من أحداث تاريخية ذهبت أدراج الرياح، وبقيت مشاعر الوحدة راسخة في القلوب.
وأنا أدعو النخبة في مغربنا العربي أن لا تنساق لتعميق النزاع والشقاق الذي يراد بين المغرب والجزائر، لأن ذلك طريق يؤدي إلى الحث على الانقسام والانفصال ، والتشتت، وهذا ما يريده شمال البحر المتوسط لنا، وأظن أن الحكمة ستتغلب على هذا كله، وهذه الحكمة أصولها التاريخية ثابتة ، فلننظر إلى الثوابت، وننبذ هذه الدعوات إلى الانفصال والتحريض عليه، وأظن أن هذه سحابة صيف ستنقشع، وتذهب ريحها إن صدقت العزائم.
فلنتمسك بالثوابت، ونذكر بها ولندع كل ما يمس بها، أو يخدشها، فإن ذلك يعمق الانقسام والتشتت وتضيع مصالح الجميع بين أيدي العدو.
وإني باعتباري لست رجل سياسة أدعو إخواننا السياسيين أن يراعوا الأصول والثوابت، وأن لا ينساقوا في لحظات معينة إلى ما يهدم هذه الثوابت.
وعلى إخواننا في ليبيا الشقيقة أن يراعوا هذه الثوابت في الوحدة وترسيخها.
وعلى إخواننا من النخبة الثقافية أن لا يلتفتوا إلى هذه النزاعات لتعميقها، وأن يذكروا بوحدة الأمة التاريخية الثقافية، في منطقة جغرافية واحدة.
وندعو إخواننا في تونس أن لا ينساقوا إلى تخريب ما بنوا وشيدوا، وبذلوا من تضحيات. فقد عهدتنا تونس أنها تتغلب على الصعاب، بوعيها وثقافتها ونضالها في كل الظروف الصعبة، وعلى الأحزاب فيها أن تراعي الوحدة فلا ينزعون إلى ما يشتتها وأن لا يتركوا حريتهم لتصبح استبدادا ودكتاتورية حالكة.
ولعل حكمة زعماء النهضة وحسن تصرفها سبيل إلى الحرية والديمقراطية والوحدة وترسيخها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com