حوار

الكاتب والمفكر الجزائري الدكتور الطيب برغوث في حديث مع «البصائر» (الجزء الثالث والأخير)

• غالب مفردات منظومتي المصطلحية مستمدة من المرجعية الثقافية الإسلامية
• مستقبل المجتمع الجزائري خاضع لمدى وعي نخبه الفكرية والاجتماعية والسياسية

هذا هو الجزء الثالث من الحوار الوسيع الذي أجريناه مع الأستاذ الشيخ المفكر الطيب برغوث وهوأول حوار جامع لوسيلة إعلامية (صحيفة) جزائرية وربما عربية، ولذلك يمكن القول: إن الحوار(وقد نشرنا الجزء الأوفر منه) يمثل محطة تتيح لمن أراد الوقوف على ملامح وجهود وفكر الدكتور، ومعرفة المفاصل الأساسية لرؤيته الحضارية الموسومة بـ»السننية»… وإلى الحوار.

أجرى الحوار: أ.حسـن خليفة/

 

ضمن اهتماماتكم في ترسيخ وتعزيز الوعي السنني، تحدثتم عن الأكاديمية الثقافية.. هل من كلمة موجزة عن هذه الأكاديمية الثقافية؟
-هذه الأكاديمية تقوم على خريطة منظور السننية الشاملة، وتستلهمها في كل مشاريعها وأنشطتها، ولذلك فهي تتكون من أربع كليات أساسية هي: كلية سنن الآفاق، وتهتم ببناء الوعي بالحجية والسلطة المرجعية للمعرفة والثقافة السننية المتعلقة بعالم المادة ودوره في حياة الأفراد والمجتمعات والدول والأمم والحضارات، وتتكون من عدة دوائرة متخصصة. وكلية سنن الأنفس، وتهتم ببناء الوعي بالحجية والسلطة المرجعية للمعرفة والثقافة السننية المتعلقة بإدارة الأفراد والدول والمجتمعات والأمم والحضارات، وتتكون بدورها من عدة دوائر متخصصة. وكلية سنن الهداية، وتهتم ببناء الوعي بالحجية والسلطة المرجعية للمعرفة والثقافة السننية المتعلقة بدور الوحي والدين في حياة الأفراد والدول والمجتمعات والأمم والحضارات، وتتكون بدورها من عدة دوائر متخصصة. وكلية رابعة كلية سنن التأييد تهتم ببناء الوعي بالحجية والسلطة المرجعية للمعرفة والثقافة السننية المتعلقة ببدور العون والتأييد الإلهي في حياة الأفراد والدول والمجتمعات والأمم والحضارات، وتتكون بدورها من عدة دوائر متخصصة.
وأطمح أن تكون هذه الأكاديمية بهذه الشبكة الواسعة والمتكاملة من الأنشطة، عبارة عن خلية نحل أو مملكة نمل، دائبة النشاط الهادف المركز، إذا وجدت الدعم البشري النوعي وكذلك المادي المطلوب، وهي في خدمة كل المؤسسات الوطنية الرسمية والشعبية التربوية والثقافية والاجتماعية والسياسية، لأن جهدها يصب في عمق ما تسعى إليه كل هذه المؤسسات الوطنية، وهو تنمية المجتمع، وشحذ كفاءة وفعالية الأفراد، وشحذ شبكة العلاقات الاجتماعية للمجتمع وحمايتها،ومراكمة شروط المضي قدما في تحقيق نهضتنا الحضارية المنشودة.


من خلال مراجعة بعض كتبكم، يبدو أن المنحى الذي تتخذه دراساتكم واهتماماتكم، يتجه ـ بشكل رئيس ـ إلى التنظير الكُلّي، وليس الجزئي، كما هو شائع في كثير من الاهتمامات في هذا المجال، فما هو سر ذلك، إذا كان هذا الانطباع أو الاستنتاج صحيحا؟
-ملاحظة واستنتاج في محلهما، فأنا في عموم دراساتي أركز على البحث عن المنظور السنني الكوني الكلي الذي تتحرك في ضوء مقتضياته ومعطياته كل هذه السنن الجزئية التي لا حصر لها في عوالم الآفاق والأنفس والهداية والتأييد، لتؤتي ثمارها في تحقيق الخيرية والبركة والرحمة الكونية العامة في حياة الإنسان، أو تحرم هذا الإنسان من ذلك وتفرض عليه الحركة على خط الشر والفساد والاختلال والتعاسة والضنكية الحضارية، بناء على المسار الذي يختاره الإنسان في الحياة، والموقف الذي يتخذه من هذه السنن المطردة.
لقد كان السؤال الذي يشغلني كثيرا هو: هل هناك نواظم كلية مؤثرة بشكل شامل ومطرد على حركة المداولة الحضارية المهيمنة على الوجود الدنيوي البشري، أم أن الأمر متروك لهذه السنن الجزئية تفعل فعلها في حياة الأفراد والمجتمعات كيفما اتفق أو كيفما أراد هذا الإنسان استعمالها؟
فالبحث عن السنن الجزئية والكشف لها أمر ميسور، وفي كل حين يكتشف الناس سننا جزئية ويستثمرونها في إدارة حياتهم، ولكن مع ذلك فإن هذه الحياة كثيرا ما تتحرك على خط الفساد والاختلال والتعاسة والضنكية الحضارية، فما هو السر في ذلك؟ أو كيف نفسر ذلك؟ فالمجتمعات المعاصرة على سبيل المثال، وحتى المجتمعات المتخلفة أو النامية، وضعت أياديها على كثير من سنن الله الجزئية في الآفاق والأنفس، وتستثمرها بفعالية، ولكنها مع ذلك تعاني من معضلات نفسية وروحية وأخلاقية واجتماعية وسياسية كثيرة، تتسبب لها في الكثير من الضنكية والتعاسة! فكيف نفسر ذلك؟ وأين يكمن السر فيه؟
والسر في هذا يرجع إلى اضطراب أو قصور أو غياب الوعي بالمنظورات السننية الكونية الكلية الناظمة لحركة الحياة،التي ينبغي أن تُستثمر كل هذه السنن الجزئية في إطارها بشكل صحيح ومفيد، وكثير الخيرية والبركة والرحمة الكونية العامة.
إنّ السنن الجزئية المبثوثة في كل الساحات الكونية الأربع الكبرى، مثل الأدوية المختلفة في الصيدلية، لا يستطيع الإنسان الاستفادة منها في مواجهة أمراضه، إلاّ عبر طبيب صيدلي متخصص يملك خريطة كلية عن هذه الأدوية ولأي شيئ يصلح كل منها، وكيفية تناولها، كذلك الاستفادة من ترسانات السنن الجزئية، ينبغي أن تستثمر وفقا لمنظور السننية الشاملة، فإذا اضطرب الوعي بهذا المنظور أو تجزأ أو غاب، استعملت هذه السنن بشكل غير صحيح وغير منضبط، وفتكت بمستعملها وبمن استعملت ضده!
فالأمر المهم والرئيس في مفهوم السننية لدي، ليس هو البحث عن السنن الجزئية واكتشافها ووضع اليد عليها والاستفادة منها فحسب، وإنما المهم كذلك، هو وضع اليد على منظور السننية الشاملة، الذي تنتظم كل هذه الشبكات السننية الجزئية التي لا حصرها في إطاره، وتكتسب فعاليتها الوظيفية التكاملية الإيجابية القصوى منه، وهذا هو الإشكال الأكبر المطروح في الثقافة والحياة الإسلامة والإنسانية عامة: كيف نمسك بمفاصل خريطة منظور السننية الشاملة، الذي يعيننا على الاستثمار التكاملي الفعال والآمن للسنن الجزئية الكثيرة، حتى لا تتحول إلى خطر على حياتنا ومصيرنا؟
هذا هو الأمر الرئيس الذي يعني مشروع السننية الشاملة بالدرجة الأولى، إنه محاولة اكتشاف وصياغة الإطار أو الوعاء أو الخريطة أو الناظم السنني الكلي المركزي، الذي تتحرك في إطاره حركة الحياة، ويتم في إطاره استثمار ما يصل إليه الإنسان من سنن جزئية كثيرة، فإذا تحقق لنا ذلك، انضبطت حياتنا وانسجمت وتوازنت واستقامت، وعظمت فعاليتها وخيريتها وبركتها ورحمتها الكونية العامة، وإذالم يتحقق لنا ذلك، طحنتنا تنافرية واهتلاكية السنن الجزئية، وقذفت بنا في دوامات ومهالك التعاسة والضنكية الحضارية.
إنّها العودة بالفكر الإنساني وبالحياة الإنسانية إلى نقطة البداية الصحيحة فيهما، التي إذا صلحت صلحت تبعا لها مسارات الفكر والحياة ونهاياتهما، وإذا اضطربت أو فسدت اضطربت وفسدت تبعا لها مساراتها ونهاياتها. والبداية الصحيحة التي وضعها الله تعالى لحركة الخلافة البشرية في الأرض، هي أن يستثمر الإنسان معطيات الساحات السننية الكونية الكلية الأربع الكبرى، في بناء شخصيته، وفي إدارة حياته، وفي بناء علاقاته الاجتماعية والكونية معا، وفي تحضير واستشراف حياته الأخروية، وأن لا يهمل أيا منها، لأن إهماله يحدث نقصا وخللا في كل هذه الدوائر من حياة الإنسان، ويؤثر عليها سلبا.
قراؤك يعبّرون في بعض الأوقات عن ازدحام المصطلحات في مؤلفاتك الكثيرة، ويعجزون عن ملاحقتك مع الإقرار بأهمية ما تطرحه من فكر ورؤى..هل يمكن أن نفهم منك سبب هذا التعقيد أو التشابك إذا جاز لي القول؟
-سؤال صعب يا سي حسـن! أود أن أقول في البداية بأن الإنسان منا لا يسطيع أن يكون إلا هو، وأنا لا أستطيع أن أكون غيري، وغيري لا يستطيع أن يكون أنا، فأنا لا بد أن أكون أنا، وإذا أردت غير ذلك فقد اعتديت على نفسي وهويتي وأهدرت ما حباني به الله من خصوصية وقدرة وامتياز، وكذلك غيري إذا أراد ذلك فإنه يعتدي على نفسه وهويته وخصوصيته وقدرته وامتيازه، ويحرم نفسه ومجتمع من بركات ذلك كله.
فنحن لا نكون إلا نحن، وإذا تكلفنا أن نكون غير ذلك فقد أخطأنا كثيرا، وربما أجرمنا كثيرا في حق أنفسنا وحق مجتمعنا!
فالكاتب الأصيل في نظري هو الذي يكتب لنفسه أولا، ويشبع ذاته أولا، أي يرضي نفسه وطموحه أولا، ويستمتع هو أولا بما يكتب، ويستفيد منه في تكوين وتربية نفسه، فذلك حق من حقوق نفسه عليه. فأنا أكتب لنفسي لأغيرها وأسددها، وأمنحها البصيرة التي تحتاج إليها لكي تخوض معتركات الحياة بتوازن وفعالية، وتحصل منها ما تستطيع من الخيرية والبركة والرحمة العامة.
ومن يكتب للآخرين على حساب حقوق إشباع نفسه وطموحه، فهو يظلم نفسه ويقصر في حقها، ويتقمص نفسا أخرى قد تكون غريبة عن حقيقته. ولذلك فليحترم القراء الأفاضل هذا البعد في كتابة الكاتب، ويعينوه على ذلك أولا، فإذا أعانوه على ذلك انتقلت بعض شحنات الصدق والإخلاص والحرارة التي يشعر بها هو إليهم، فيتفاعلون معه، ويتذوقون بعض ما كان يتذوقه، وفي ذلك كفاية! فالكاتب الأصيل ينفر من التكلف، وقديما قيل ليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة! وأنا احرص أن أكون كاتبا صادقا مع نفسي.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن تنوع قراءاتي وتعدد حقولها المعرفية، كما أشرت إلى ذلك في مقدمة هذا الحوار، وانفتاحي على جهود المفكرين الكبار الذين ارتادوا ساحة فلسفة التاريخ والحضارة أو ما أسميه بفقه النهضة الحضارية، أو فقه المداولة الحضارية، جعلني أتأثر بمنهجهم التحليلي، وبحرصهم على بناء منظومات مصطلية خاصة بكل واحد منهم، يعبر بها عن رؤيته ومشروعه الفكري في مجال فقه النهضة والمداولة الحضارية.
ومن ناحية ثالثة، فإن طموحي إلى بناء رؤية متكاملة في فلسفة التاريخ والحضارة، أو فقه النهضة والمداولة الحضارية، أساهم به في الإجابة عن الأسئلة الكبرى التي تطرحها النهضة الحضارية على مجتمعنا وأمتنا والإنسانية، فرض علي بناء منظومة مصطلحية خاصة، أعبر بها عن هذه الرؤية أو الأطروحة التي أطرحها، ورأيت أنه من غير المناسب لطموحي أن أعتمد منهج التلفيق، خاصة وأنني حرصت أن تكون منظومتي المصطلحية منسجمة ومتناغمة مع المرجعية الفكرية والثقافية التي أنطلق منها وهي الإسلام، ولذلك حاولت أن اوظف المصطلح القرآني والنبوي خاصة، واستفيد بعد ذلك مما أراه منسجما مع أطروحاتي في المعرفة والثقافة والخبرة الإنسانية العامة.
ومن ناحية رابعة، فإن الحقل المعرفي الذي يتمحور حوله همي، يقتضي منظومة مصطلحية متكاملة، لأنه حقل بكر كما أشرت إلى ذلك في بعض ثنايا هذا الحوار من قبل. ففقه النهضة أو المداولة الحضارية، حقل معرفي محوري تلتقي فيه روافد معرفية شتى، ولذلك لا بد له من منظومات مصطلحية خاصة به، تعبر عن هويته المعرفية، تماما كما تعبر بقية المنظومات المصطلحية الأخرى عن هوية الحقول المعرفية التي تغطيها. فالفقه له منظوماته المصطلحية، والأصول له منظوماته المصطلحية، وكذا الحديث والعقدية وعلم الاجتماع وعلم النفس والاقتصاد والإدارة والأدب والرياضيات والكيمياء والعلوم.. وهلم جرا.
والمشكلة ليست في المنظومات المصطلحية ذاتها، وإنما في كيفية اعتياد الناس عليها، فإذا ما اعتادوا عليها بعد بعض الوقت والجهد، أصبحت مفهومة ومستساغة لديهم، ولا مشكلة لهم معها، بل تتحول إلى جزء من منظومتهم المعرفية المتسعة الآفاق، تماما مثل المصطلح الفقهي أو أصولي أو العقدي أو القانوني أو العلمي.. يكون صعبا على الناس، ولكن إقبالهم عليه، وتعود عليه، يجعلهم يفهمونه ويتذوقونه ويستسيغونه وويستعملونه.
وأنا غالب مفردات منظومتي المصطلحية مستمدة من المرجعية الثقافية الإسلامية كما أسلفت، فالمفترض أن ننفتح على ما في المصطلح القرآني والنبوي والتراثي عامة، من شحنات لم تظهر في مصطلحات العلوم المعتادة لدينا، وقد حان الوقت لمنح هذه الشحنات حقها في الظهور من خلال حقول معرفية جديدة، وفي المساهمة في التعبير عن السعة والقوة والقدرة الكامنة في المصطلح القرآني والحديثي.. وغيرهما.


كثيرا ما تحدثتَ عن «الفرص الضائعة «للمجتمع الجزائري.. أوجز لنا ذلك وأوضحه للقاريء الكريم؟
-الفرص التاريخية الكبرى التي ضيعناها، ولم نستفد منها، وبؤنا بإثمها الكبير، على تفاوت بيننا في المسئولية عن ذلك، هي فرصة الثورة العظيمة، وفرصة الصحوة الكبيرة، وفرصة الهبة الوطنية الجديدة، وما بينها وما بعدها من فرص جزئية كثيرة أهدِرت كثير من المنح والتباشير التي حملتها إلى المجتمع الجزائري.
فالثورة كانت فرصة عظيمة كان بإمكانها لو استثمرت كل نتائجها النفسية والروحية والاجتماعية بشكل صحيح وفعال، لأسسنا بها الأرضية الصلبة الأولى لنهضتنا الحضارية المنشودة، ولكنها أجهضت أو أغتيلت! كما عبر عن ذلك بحق أحد المجاهدين الكبار، في كتاب له سماه «إغتيال ثورة» وهو المجاهد الأخضر بورقعة رحمه الله.
الفرصة التاريخية الكبرى الثانية هي فرصة الصحوة الروحية والاجتماعية الكبيرة التي عاشها المجتمع الجزائري كرد فعل طبيعي على ظهور مؤشرات عديدة مبكرة عن إجهاض مشروع الثورة الكبرى واغتياله، والانقلاب على روحه وطموحه في إقامة دولة وطنية ديمقراطية اجتماعيةذات سيادة في إطار المبادئ الإسلامية، وتحقيق وحدة شمال إفريقيا في داخل إطارها الطبيعي العربي والإسلامي، ولكن القوى التي اغتالت طموح الثورة الأم، تدخلت مرة أخرى واغتالت هذه الصحوة وحولتها إلى مأساة وطنية مريعة!

والفرصة التاريخية الكبيرة الثالثة، هي فرصة الهبة الوطنية الكبيرة التي انطلقت في 22 فيفري 2019 لتصحح مسار الانقلاب على روح وحقيقة الفرصتين التاريخيتين السابقتين، ولكن يبدو أن نفس الروح الشريرة تحاول إجهاض واغتيال هذه الهبة الكبيرة، إذا لم يتعلم الجزائريون الدرس جيدا من اغتيال وإجهاض الفرصتين التاريخيتين السابقتين، ويرتفعوا على مطامحهم الشخصية والعائلية والجهوية والطبقية المحدودة، وتعبؤوا ضد هذه الروح الخبيثة، ويفوتوا عليها الفرصة، ويحموا هبتهم الكبيرة، ويمضوا بها قدما نحو أهدافها في بناء مجتمع منسجم ومتكامل ومبدع تتعادل فيه الفرص بين جميع الجزائريين، ودولةِ حرية وعدالة وقانون وشفافية ورقابة ومحاسبة وكفاءة وأمانة.
وكما هو معروف في سنن الله تعالى المطردة، فإن الثورات والهبات والحركات الاجتماعية المغتالة، والفرص المهدورة، تنتقم من مغتاليها ومهدريها، والمساندين لهم، والساكتين عنهم، بأشكال قاسية شتى، يذوق الجميع مرارتها، ويكتوي بنارها في الدنيا قبل الآخر، كل بحسب حجم جرمه، كما نبه القرآن الكريم على ذلك في هذا القانون الخطير: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)
[الأنفال : 25].
وأتصور لو أن هذه الفرص التاريخية الثلاث الكبيرة جدا، كتب لها النجاح ولو في حده الأوسط، ولم تتعرض للاغتيال والهدر، لأحدثت نقلة نوعية كبيرة في مسيرة النهضة الحضارية للمجتمع الجزائري، ولكان وضعنا ومركزنا ومقامنا غير الوضع والمركز والمقام!ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن كما يقال، حتى تتعلم المجتمعات الدروس، وتمسك بزمام سنن الله تعالى في الغيير والإصلاح والتجديد والنهضة الحضارية، وقد قال الله تعالى: ( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ )[الرعد : 11].
*ولكن السؤال الكبير والخطير هنا هو لماذا تُغتال وتجهض الثورات والهبات والفرص الوطنية الكبرى؟ ولماذا لا تستفيد الحركات والدول والمجتمعات من تجاربها الفاشلة، ولا تتعلم منها الدروس المطلوبة؟ وما سر إدمان بعض الحركات والدول والمجتمعات اللدغ من الجحر مرتين ومرات؟
-نعم، هذه أسئلة محورية كبيرة جدا، وخطيرة جدا، و مهمة جدا، ويجب على نخب المجتمع الجزائري أن تطرحها بكل جدية، وتتجرد في الإجابة عنها بكل موضوعية، إذا أرادت أن تقدم فعلا خدمة عظيمة لمسقبل المجتمع وأجياله، وأن تضع نفسها في مصاف النخب الرسالية الحقيقية.
الفرص الثمينة في حياة الأفراد والدول والمجتمعات، غالبا ما يهدرها ضعف الوعي السنني الشامل، وضيق الأفق، وطغيان المصالح الخاصة الضيقة، وضعف النفوس، والخيانات، وقلة الوعي والإحساس بقيمة وأهمية المسؤوليات العامة.. وهي كلها فروع عن معضلة كلية وهي معضلة ضعف الوعي والروح الرسالية لدى نخب المجتمع الفكرية والاجتماعية والسياسية أولا ثم لدى المجتمع عامة ثانيا.
فالأفراد والنخب والمؤسسات والدول والمجتمعات، عندما يضعف فيها الوعي الرسالي الحقيقي، وتتراجع أو تتقلص فيها الروح الرسالية الحقيقية، التي تعلي دائما من شأن المصالح العامة، والأولويات العامة، والهموم العامة، والاهتمامات العامة، وتنحاز إليها باستمرار أو غالبا، ولو كان ذلك على حساب مصالحها وأولوياتها وهمومها واهتماماتها الخاصة.. فإن ميزان الأولويات لديها ينقلب رأسا على عقب، وتصبح الأسئلة السابقة غير ذات معنى ولا جدوى! لأن الإنسان غير الرسالي كائن غرائزي يعيش لغرائزه فقط، ليس على حساب المؤسسة أو المجتمع أو الدولة، بل على حساب نفسه التي لا يدرك منها ولا من ملكاتها وحقوقها وواجباتها إلا غرائزها السافلة! فكيف تريد من كائن هذا همه وهذا اهتمامه، وهذا وزنه وهذه قيمته، أن يرتقي بنظره إلى ما دون غرائزه؟ ويفكر في مصالح المؤسسة والدولة والمجتمع والأمة والإنسانية، إن ذلك شأن من شؤون الإنسان الرسالي تحديدا.
والمجتمعات التي تسود فيها الروح الغرائزية السافلة، على حساب الروح الرسالية المرتقية، تسري فيها روح التفاهة، ويعلو فيها شأن التفهاء، وتهيمن هذه الروح السافلة عليها، ويتكيف معها عموم الناس رغبا أو رهبا أو اعتيادا، وتتحرك أوضاعهم تدريجيا نحو المزيد من التصادم مع سنن الله تعالى في خلقه، فيزداد هذا المجتمع ضعفا وفسادا وانحدارا حتى يأتيه أجله، كما نبه على ذلك القرآن الكريم في مثل قوله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) [الإسراء : 16] الترفية والتفاهة والسفاهة والفسوقية والسفالة..حالة من التيه البليد المكثف، المحصن ضد الوعي بالمخاطر الحقيقية، ولذلك فإن المصاب بها من الأفراد والمجتمعات والدول.. يمضي نحوها سريعا وهو في حالة نشوة وزهو وغفلة تامة، حتى تقع الفأس في الرأس فجأة، فينتبه من تيهه بعد أن يكون أوان الاستدراك قد فاته، وجاء وقت دفع ثمن الغفلة والتيه والبلادة.
وهذا ما يفسره لنا حديث نبوي عظيم الشأن في هذا المجال، والذي يقول فيه الرسول عليه الصلاة والسلام: (إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإذا هو نزع واستغفر وتاب سقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله « كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون»).
فالغفلة عن الأخطاء تورث البلادة النفسية مع مرور الوقت، وتؤسس لثقافة الصمت والتغاضي والوتوتة السرية! وتحرم الإنسان من مراجعة نفسه والاستفادة من أخطائه، وهذا ما نعاني منه مع الأسف الشديد، إلى درجة أصبح فيها نقد التاريخ، أو نصح ذوي الشأن، وتقويم الأخطاء، واستخلاص الدروس اللازمة من ذلك كله، جريمة قانونية، وخطية ثقافية واجتماعية، تعرض صاحبها للمساءلة والمعاقبة والمقت السياسي والاجتماعي! مع أن من سنن الحياة «أن من كتم داءه قتله»، وأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، وأن الظن بالنصيحة للمخطئ فردا أو مؤسسة أو دولة أو مجتمعا.. فيه شبه الغش والبخل والخيانة عامة!
*هل يمكن أن تعطينا بعض الأمثلة هنا؟
-الأمثلة كثيرة لا تحصى في حياتنا الخاصة والعامة، ويمكن هنا الاكتفاء بمثالين هامين لضيق مساحة الحديث:
المثال الأول: ولعل القراء الكرام يتذكرون على سبيل المثال ما يرد في بعض كتب العقيدة والتفسير وشروح السنة والتاريخ.. في الموقف من الخلاف أو الشجار الذي نجم بين جيل الصحابة بعد رسول الله عليهه الصلاة والسلام، وتسلسل في الأجيال التي بعدهم، حتى تحول إلى معضلة فكرية وعقدية وثقافية وسياسية واجتماعية بالغة الخطورة على وحدة الأمة وأمنها الفكري والثقافي والاجتماعي والسياسي والحضاري الاستراتيجي. فقد تكرس في هذه الكتب وغيرها التأكيد على أهمية وأحيانا ضرورة الإعراض عن بحث ودراسة ما حدث، ومحاولة تحليل أسبابه وتفسيرها واستخلاص دروسها المطلوبة، وأصبحت تلك الساحة أو المنطقة أو المرحلة التأسيسة البالغة الأهمية منطقة محضورة ومجهولة! مع أن المنطق السنني يقتضي دراستها بموضوعية وعمق وشمولية وتوازن، واستخلاص عبرها الممكنة وتطعيم مسيرتنا التاريخية بها، تحقيقا للمزيد من الوقاية الاستراتيجية للمجتمع والأمة. وإهمال مثل هذه الساحات والمناطق التاريخية الهامة، يجعلها مرتعا خصبا للمغرضين والمتربصين وتجار الفتن مع السف الشديد، ولا يتفطن المجتمع إلى ما أحدثوه فيها من شروخ إلا بعد استحكام أمر الخلاف حولها، وتحوله إلى منطقة ضعف وفتنة مستدامة!
المثال الثاني: كما أن القراء الكريم يتذكرون ما ورد في ما سمي بقانون المصالحة الوطنية التي جاءت في خضم مأساة وطنية مروعة، ضربت المجتمع الجزائري في أم رأسه، وأتت على جزء هام من ذخيرته البشرية الرسالية النوعية، وعلى مساحات هامة من عمق شبكة علاقاته الاجتماعية، وعلى رصيد هام من إمكاناته المادية، وعلى جزء من سمعته التاريخية..فقد جاء في إحدى بنود هذه المصالحة تجريم كل من يحاول دراسة المأساة الوطنية دراسة شاملة معمقة تستخلص الدروس والعبر، وتنشرها في المجتمع حتى لا تتكرر هذه المآسي المروعة!
وهكذا النظرة القاصرة لا تحسب إلا حساب اللحظة الراهنة، وكثيرا ما تذهل وتغفل عن النظرة المتكاملة للأحداث، فهي تنتهج نهج المسكنات الظرفية، ولا تنتهج نهج المعالجات الشاملة والعميقة للمشكلات، ولذلك فإنها سرعان ما تتفاجأ أو تتفاجأ الأنظمة التي تأتي بعدها بالمضاعفات الخيرة لهذه المشكلات، وقد انفجرت مرة أخرى بأشكال أشد ضراوة على المجتمع والدولة والأمة.
كثيرا ما تحدثتَ عن الفرض المهدورة والمغشوشة التي لم تتم الاستفادة منها في بلدنا تحديدا؟
– أقصد بالفرص المغشوشة، الأوضاع المصنوعة الملغمة التي يصنعها الخصوم لبعضهم البعض، للإيقاع بهم في دوامات منهكة تستنزف طاقاتهم، وتبث الخلافات والصراعات المنهكة فيما بينهم، للوصول بهم إلى حال من الضعف والعجز تمكن خصمهم من التحكم فيهم، والإطمئنان على أوضاعه، وأنه أصبح في مأمن منهم، بل أصبح جزء منهم من حراصه وخدامه وخماسيه!
أما الأمثلة عن الفرص المهدورة فيمكننا أن نذكر هنا الصحوة الروحية والاجتماعية الكبيرة التي عاشها المجتمع الجزائري بعيد الاستقلال مثلا، فقد كانت من الفرص العظيمة التي تم إهدار كثير من مكاسبها وبركاتها، سواء بسبب غفلة أو ضعف وعي النخب المؤمنة والدخن الذي استبطنه بعضها، أو بسبب مكر وحنكة وشراسة خصومها المحليين والدوليين. المهم هو أنها تحولت من فرصة ونعمة إلى مقتلة ونقمة ممتدة العواقب! فهذه الفئة من النخبة الوطنية لم يكن لدى بعض المؤثرين فيها كبير وعي بفقه الفرص، ولم تتمكن من الاستثمار الاستراتيجي الجدي فيها، وخاصة في الساحات والمفاصل الحيوية في المجتمع والدولة، وظلت تتمدد دون عمق فكري أو روحي أو ثقافي أو اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي أو إنساني حقيقي، فلما واجهت التحدي الشرس، وجدت نفسها بلا سند ولا حماية، وكان عليها أن تدفع هي والمجتمع ثمنا باهضا، أراده خصومها أن يكون صدمة مرجعية مشِلَّة(من الشلل) بعيدة المدى، تجعل كل من يفكر في التغيير والإصلاح ومقاومة الفساد، يحسب ألف حساب قبل التفكير في ذلك، ناهيك عن الإقبال عليه ومباشرته!
والذي أخشاه كثيرا أن يحدث لفرصة الهبة الوطنية الجديدة الكبيرة، ماحــدث لفرصة الثورة والصحوة، وأن تجد هذه الهبة الكبيرة نفسها بلا عمق ولا سند ولا حماية كذلك، أمام خصوم محليين ودوليين شرسين، شب كثير منهم وشابوا في أحضان الفساد، ونبت عظمهم ولحمهم وشحمهم وسلطانهم منه، فشُبِّه لهم بأنه الحق والصواب والمصلحة! ولذلك لا يتورعون في إفناء المجتمع من أجل حماية هذا الفساد وتأمين وجوده واستمراره، باسم المصالح العليا للدول والمجتمعات!
كيف تبدو لك ملامح المستقبل بالنسبة للمجتمع الجزائري ؟
-ملامح هذا المستقبل سواء بالنسبة للمجتمع الجزائري أو لعامة المجتمعات الإسلامية وغيرها، ترتبط بمدى التحولات التي تحدث في المنظور الكوني المرجعي القائم للمجتمع الجزائري أو غيره، فإذا تمكنت النخب الثقافية والاجتماعية والسياسية النافذة في الدولة والمجتمع، من إعادة ترميم وبناء هذا المنظور بحيث يتكيف وينسجم مع معطيات منظور السننية الشاملة، فإن المستقبل سيكون بإذن الله مشرقا وعظيما لنا وللمنطقة المغاربية والمتوسطية والعربية والإفريقية والإسلامية.. بحكم ما يتوفر عليه المجتمع من إمكانات استراتيجية بشرية ومادية وفكرية وثقافية وتاريخية بالغة الأهمية، تحتاج فقط إلى استثمارها بشكل صحيح وفعال ومتوازن وشامل ومتكامل، لتحدث النهضة الحضارية المنشودة.
وهذا الاستثمار بهذه المواصفات والشروط، لا يمكنه أن يحدث إلا إذا وعينا الأهمية البالغة لمنظور السننية الشاملة، وأعدنا ترتيب أوراقنا وأولووياتنا وحياتنا على ضوء معطياته ومقتضياته، على مستوى المنظومة الفكرية والثقافية، والمنظومة التربوية والأسرية، والمنظومة الاجتماعية والسياسية. وأزلنا التجزيئية والتنافرية المنهكة التي تطبع واقع كل منظومة منها في ذاتها، وفي علاقاتهما مع بقية المنظومات الأخرى، أو خففنا على الأقل من ذلك.
أما إذا لم يحدث ذلك التحول في المنظور الكوني المرجعي، وظلت المنظورات الجزئية المعبأة بحمولات ثقافية وتاريخية متنافرة، سائدة ونافذة في إدارة حياة الأفراد والمؤسسات والدولة والمجتمع، فإن المستقبل معروف سلفا، وهو المزيد من الضعف والهدر لإمكانات وفرص الأفراد والمؤسسات والمجتمع والدولة.. والانغماس أكثر فأكثر في مأزق ومهلكة التبعية الحضارية المرهقة والمذلة، التي تديرها قوى حضارية من مصلحتها أن تبقى مهيمنة على الساحة الحضارية ونافذة فيها، وأمنة من أية منافسة حضارية جادة لها، ناهيك عن التهديد لريادتها وهيمنتها الحضارية.
فالدائرة المركزية أو الرئيسة للساحة الحضارية، والدوائر الأدنى منها، يحكمها باستمرار منطق أو قانون المدافعة والتجديد، فالمجتمعات التي تمكنت من تجديد فعالية مدافعتها الثقافية والحضارية، فإنها تحقق نهضتها ومداولتها الحضارية، وتنفذ إلى دوائرها الأولى أو الثانية، وتحافظ على بقائها فيها وامتداد نفوذها فيها بقدر استمرار تجديد فعالية مدافعتها الثقافية والحضارية، فإذا تجزأ أو تنافر أو تراجع أو توقف تجديدها، ضعفت فعالية مدافعهتا الثقافية والحضارية، وأجبرها قانون المدافعة والمداولة الحضارية على تخلية مكانها لغيرها من القوى الحضارية الأكثر تجديدالشروط فعالية مدافعهتا الثقافية والحضارية.
فمستقبل المجتمع الجزائري خاضع لمدى وعي نخبه الفكرية والاجتماعية والسياسية بهذا القانون الكلي المهيمن على حركة ومصائر المجتمعات الإنسانية عامة أولا، ولمدى مطابقة جهدها وحركتها الخاصة والعامة لمعطياته ومقتضياته السننية النافذة في الأفراد والمجتمعات ثانيا، ولمدى نجاحها في تحويل هذا الوعي إلى معرفة وثقافة عامة في المجتمع ثالثا، لأن النهضة الحضارية الحقيقية لا تصنها النخبة وحدها، بل تصنعها عبر مجتمع مثقف واعي منخرط كلية في مسار النهضة، وآخذ بشروطها الفكرية والثقافية والنفسية والروحية والاجتماعية والسياسية والفنية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com