الحـــق الـمر

اللعب بالنار…

يكتبه د. محمّد قماري/

كنا وما زلنا نحن جيل الاستقلال، ننظر إلى هذا الجناح الغربي من العالم الإسلامي أنه وحدة موحدة، وحدة تنطق بها تضاريس الجغرافيا وتاريخ الشعوب، وتجد مبرراتها في تطلع هذه الشعوب إلى ما يعزز أمنها الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والاستراتيجي، لكن شيطان الاستعمار أبى إلا أن يترك خبثه وراءه، ويدس سمومه خشية أن تنفلت الأمور من بين يديه…
إن التصريحات التي أدلى بها الوزير المغربي، ما هي في حقيقتها إلا لعب بمواد متفجرة، تلقاها من أعداء الشعبين على أنها لعب ظريفة، إن التجربة التاريخية أثبتت خطأ الانحياز لأعداء الأمة وخطره على الإخوة الأشقاء في البلدين، فالأنظمة عابرة ومؤقتة لكن الروابط التاريخية والعقدية، ورابطة حسن الجوار عابرة للأنظمة السياسيّة وتدابيرها الآنية…
لقد أخطأ النظام المغربي في القرون الوسطى يوم حاول التنسيق مع مملكة إسبانيا في غزو التراب الجزائري، وجاء رد الرايس حسن قورصو شديدا، وما كان لهذا ولا ذاك أن يحدث لو احتكم الناس إلى المنطق والرشد، وخذل الأمير عبد القادر وهو يدعو أمير المؤمنين في بداية عهده بالجهاد كما خذل في أخريات معاركه بعد أن انساق القصر الملكي في المغرب وراء ضغوط فرنسا الاحتلال…
وذهب ذلك الزمان وأهله، ولكن العواطف والروابط بين الشعبين لا تفتر إلا لتتقد من جديد، والشعوب تعرف مصالحها بما يختزن في ضميرها الجمعي، وتعرف مصالحها وهي ترى الناس يتوحدون في كل بقاع العالم ويعقدون الأحلاف على ما بين شعوبهم من تباعد في الدين واللغة والتاريخ، وتفتحُ أعينهم على واقع مناقض متنافر يبدي البغضاء من أفواه حكامه وما تخفي صدورهم أكبر…
إن المواطن السائح في هذا الفضاء الجغرافي لا يميز بين تلمسان ووجدة في الغرب، ولا بين عنابة ونابل في الشرق، فإن كان ولابد من وجود هذه الأقطار على ما هي عليه فلتكن في صالح الشعوب وفي تعزيز أمنها، وجعلها تستفيد من تاريخها المشترك بما ينهض بحاضرها ومستقبلها…
إن بعض القضايا المفخخة التي أثارها وجود الاستعمار في هذه الديار، لا يجب أن تنفجر في أيدي هذا الجيل وقد تخطاها أجداده بسلام وحنكة، لقد رفض حكماء المغرب الأقصى ملف (الظهير البربري) في آخر العقد الثالث من القرن العشرين، وهم يعلمون أن الاستعمار أراد بهم شرا مستطيرا، كما تخطى أحرار الجزائر ذلك النفخ العنصري البغيض…
لقد انقض شرلكان على قلب المغرب (الإسلامي)، وهو مزهو في تحقيق نصر يجعله يخضع حوض المتوسط كله (للنصرانية)، وتحطمت أحلامه على صخرة الجزائر المحروسة وكاد أن يهلك، وحافظ العقلاء على حبل الود والتواصل بين هذه الأقطار حتى وإن شابها بعض الكدر…إن التاريخ المعاصر هو تاريخ الأحلاف، وتاريخ الاستراتيجيات الكبرى لا تاريخ (التكتيك) الظرفي، ولا زمن الدسائس الكيدية في عالم لا يرحم الضعفاء ولا يهمل إحن التاريخ!
إنَّ حلم ذلك الجيل الذي خرج لكسر قيد الاستعمار كان تحقيق تلك الوحدة المنشودة، ورفع الزعيم الجزائري مصالي الحاج لواء (نجم شمال إفريقيا)، وكذلك فعل الأحرار الدستوريون مع الثعالبي في تونس وعلى ذات النهج مضى عبد الكريم الخطابي في المغرب الأقصى، كانوا يتحسسون ما تلهج به ضمائر الشعوب، وويرددون بألسنتهم ما اختزنته تلك الضمائر، ولا يحق لكائن من كان أن يخون تلك المسيرة، أو يتنكب ذلك المسار.
ولعل أكبر خيانة لتلك المسيرة، وأكبر تنكب لهذا المسار الوحدوي، هو ترديد طروحات افتعلتها مخابر العدو، وهي تدس سمومها في عسل مر، فإذا كان اولئك الأعداء يقربون ما لا يتقارب من إثنيات ويمسحون خصوصيات في بلدانهم، ويجعلونها خطوطا مكهربة ذات توتر عال، من يلمسها يلقى الهلاك، فمن العبث أن نتجرع السم في بلداننا، ونلوك العلقم بأفواهنا…
إن الذين يلعبون بالمواد الكاوية، والمواد المتفجرة هم أولى ضحايا ما يقترفون بأيديهم، أما الجزائر المحروسة فقد قال إمامها وعلامتها ابن باديس الصنهاجي الأمازيغي، رحمه الله، قولته الشهيرة المدوية والتي تبقى نبراسًا لأبنائه وأبناء وطنه: (إن ما جمعته يدُ الله لا تفرقه أيدي الشيطان).
وإننا لنشفق ونخاف ونتوجس من ذلك الأذى الذي قد يلحق بهم عن (جهالة)، ونحن لا نريد لإخواننا إلا السلامة، ولا نحب لهم إلا أن يعودوا إلى جادة الطريق، وألا يتخذوا من الوسائل غايات، فأنظمة الحكم ودواليب السياسية وسائل لإسعاد الشعوب، وذكر حسن للساسة في التاريخ إن احسنوا، ولعنات تلاحقهم في قبورهم إن أساؤوا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com