الرئيسية | وراء الأحداث | ماذا بعد ماذا بعد 8 سنوات من الفشل العسكري الفرنسي في مالي؟ 8 سنوات من الفشل العسكري الفرنسي في مالي؟

ماذا بعد ماذا بعد 8 سنوات من الفشل العسكري الفرنسي في مالي؟ 8 سنوات من الفشل العسكري الفرنسي في مالي؟

أ. عبد الحميد عبدوس/


أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم الثلاثاء الماضي (13 جويليه 2021) في خطابه إلى العسكريين الفرنسيين عشية العيد الوطني الفرنسي، عن إنهاء عملية برخان في مالي. وفي العاشر من شهر جوان الماضي أعلن خلال القمة الفرنسية مع دول الساحل عن عزمه على «إحداث تحول عميق للوجود الفرنسي العسكري في منطقة الساحل». وأوضح أنّ إغلاق قواعد برخان في شمال مالي ستبدأ في النصف الثاني من عام 2021، في حين ستُغلق المواقع العسكرية في كيدال وتيساليت وتمبكتو بحلول بداية عام 2022، وقال إنه يرى الوجود الفرنسي المستقبلي كجزء من فرقة تاكوبا الدولية، وبهذا يعول ماكرون لاستمرار الوجود الفرنسي في منطقة الساحل على وحدة تاكوبا، التي يفترض أن تدرب الوحدات المالية على القتال، وتضمّ 600 عنصر، نصفهم من الفرنسيين والإستونيين والتشيكيين والسويديين والإيطاليين.
وهكذا، فمن عملية « سرفال» (القط المتوحش) إلى عملية «برخان» (هلال الكثبان الرملية) إلى وحدة «تاكوبا» (السيف الطارقي)، تتغير الأسماء ويبقى الفشل هو العنوان المشترك للعمليات التي قامت بها القوات الفرنسية الغازية لجمهورية مالي لبسط نفوذها الكولونيالي على قارة إفريقيا.
بدأت المرحلة الأولى من التدخل العسكري الفرنسي في مالي في جانفي 2013 تحت تسمية عملية «سرفال» (القط المتوحش) وكانت هذه المرحلة من أسهل مراحل التدخل العسكري وأقلها خسائر بالنسبة للقوات الفرنسية لأنها اعتمدت أساسا على القصف الجوي الذي تتفوق فيه فرنسا تفوقا مطلقا على خصومها من المقاتلين الماليين، وكان أمل الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند أن يكون التدخل العسكري الفرنسي في مالي بمثابة حرب خاطفة وناجحة ،وبعد مضي عام ونصف العام من العملية العسكرية سرفال (جانفي 2013 ـ جويليه 2014)، صرح وزير الدفاع حينذاك، وزير الخارجية الحالي جان إيف لودريان ، أن العملية العسكرية «أنجزت مهمتها» في مالي، وستنتقل إلى مهمة جديدة تركز على منطقة الساحل الأوسع. وفي الفاتح أوت 2014بدأت عملية «برخان» التي تتألف من خمسة آلاف جندي فرنسي بمشاركة جيوش خمسة بلدان إفريقية هي بوركينا فاسو، تشاد، مالي، موريتانيا والنيجر، وأعلن أن العملية دائمة لـ «تحرير» شمال مالي من التنظيمات الجهادية، وسيكون مقرها في نجامينا عاصمة تشاد. إلا أنها لم تحقق أهدافها ،بل كانت في نظر المحللين «جد مكلفة ودامية ومرفوضة شعبيا».
بعد اكثر من سبع سنوات من التدخل العسكري الفرنسي في مالي خرج في أفريل 2020 المئات من الماليين إلى شوارع العاصمة باماكو للتظاهر ضد الوجود العسكري الفرنسي ورفع المحتجون لافتات كتبت عليها عبارات مناهضة لفرنسا، وشكل مقتل الرئيس التشادي، إدريس ديبي الحليف المقرّب للفرنسيين، في افريل الماضي، والانقلاب الثاني في مالي في شهر ماي الماضي، ابرز مؤشرات الفشل العسكري الفرنسي في منطقة الساحل، وكانت الباحثة الفرنسية دينيا شيبلي قد أكدت أن فرنسا «فشلت في تدخلها العسكري بمالي، ولم تتمكن من القضاء على الجماعات المسلحة الموجودة هنالك، ولم تستطع إعادة السلام للأراضي المالية»، وأضافت أن «المواطنين الذين تعاونوا مع الجيش الفرنسي، لم يستفيدوا من حمايته الأمنية، حيث كانت هناك الكثير من الاغتيالات، والأعمال الانتقامية، وهو ما يجعل المواطنين يترددون في التعاون على المستوى الاستخباراتي مع الجيش الفرنسي». وتعليقا على قرار فرنسا إنهاء عملية برخان في مالي، قال اللواء المتقاعد عبد العزيز مجاهد مدير المعهد الوطني للدراسات الاستراتيجية الشاملة في تصريح لوكالة الأنباء الفرنسية أن فرنسا «لم تعد قادرة على إدارة الوضع في مالي وأن سبب فشل فرنسا هو كونها ما زالت تحمل أفكار الدولة الاستعمارية القديمة…».
اللافت للانتباه أنه مع تصاعد مؤشرات الهزيمة في مالي، وتزايد حجم الفشل العسكري في رمال الساحل، أصبحت فرنسا تريد توريط الجزائر في مغامرتها العسكرية، وفي هذا السياق كتبت صحيفة «لوبينيون» الفرنسية في أفريل الماضي متسائلة: «ماذا لو انضمت الجزائر الى القوات الدولية في شمال مالي؟». ورغم تأكيد القيادة الجزائرية عدم مشاركة الجيش الجزائري في عمليات خارجية ،كتبت الصحيفة الفرنسية أنه «لا شيء يحول دون مشاركة الجزائر في عمليات عسكرية خارجية منذ توقيع الرئيس تبون مرسوم إقرار دستور البلاد الجديد».
يعرف المسؤولون الفرنسيون جيدا أن الجزائر كانت مقتنعة منذ البداية بأن التدخل العسكري في مالي سوف يعمق من الأزمة في هذا البلد وسوف تكون له تبعات كارثية على الأمن والاستقرار في كامل المنطقة، خصوصا أن الجزائر كانت قبل التدخل العسكري الفرنسي في مالي على وشك إنضاج حل سياسي عن طريق تشجيع المفاوضات بين فرقاء الأزمة المالية، ولم تكن أطراف الأزمة المالية معارضة للحوار، ولكن فرنسا صممت على تحويل أزمة داخلية إلى حرب دولية، وعرقلت الفرقاء من التفاوض للوصول إلى حل سياسي، بمسارعتها إلى تقمص زي الدركي ورفع عصا الحرب، وبررت تدخلها العسكري بضرورة صد هجوم المسلحين الإسلاميين على مدينة كونا الفاصلة بين شمال مالي وجنوبه وإيقاف زحفهم على العاصمة باماكو، وقد وجد الرئيس الفرنسي آنذاك فرانسوا هولاند في الحرب الاستباقية في مالي مكسبا سياسيا ثمينا، إذا توحدت آراء اليمين واليسار والوسط للترحيب بقراره شن الحرب على مالي، كما وجد في دول الخليج العربي وفي مقدمتهم دولة الإمارات العربية المتحدة مساهما ماليا معتبرا لدعم تدخله العسكري في مالي، ولم يعد هناك صوت يعلو فوق طبول الحرب، وحتى القيادة السياسية في الجزائر في ذلك الوقت التي كانت ترفع شعار الحل السياسي وجدت نفسها تفتح أجواء البلد أمام الطائرات الحربية الفرنسية، رغم استياء القيادة العسكرية من هذا القرار… وبهذا خرجت أوراق الحل السياسي من يد فرقاء الازمة المالية والدبلوماسية الجزائرية ،واستأثرت فرنسا بخيار الحرب في دولة تبعد عن حدودها بأكثر من 4 آلاف كلم. إلا أن خيار التدخل العسكري لم يجعل فرنسا أول دولة تشغل نار حرب استباقية بأهداف استعمارية، كما انه لن يجلها آخر دولة تعض أصابع الندم على التورط في مثل هذه الحروب التي يعرف الجميع كيف تبدأ ولكن القليل يعرف كيف تنتهي!

عن المحرر

شاهد أيضاً

في ذكرى الشيخ أحمد حماني: العالم المجاهد المجتهد

أ. عبد الحميد عبدوس/ مرت في الأسبوع الماضي (الاثنين 28 جوان 2021) الذكرى الثالثة والعشرون …