الرئيسية | على بصيرة | اتــــقوا الله في جــمعية الـــعلمـاء!

اتــــقوا الله في جــمعية الـــعلمـاء!

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/

في ظل تدهور الذات الصحية، وتأزم الذات الجماعية، تبرز إلى السطح حتمية إخضاع معاناة الذات إلى العميق من التأملات.
وإذا كان تدهور الذات الصحية –اليوم- يتم تحت وطأة الابتلاء البشري بداء وباء الكوفيد 19 والذي يسهم فيه، انعدام الوعي، وتفشي اللاّمبالاة، وعدم التقيد بالإجراءات الوقائية الصارمة، فإن تأزم الذات الحضارية الجماعية، تصنعه مجموعة من العوامل السلبية يمكن حصر أعراضها في عدة أزمات مثل أزمة الذات أو اهتزاز الانتماء، وأزمة العقل أو الهشاشة الثقافية، وأزمة التدين أو التدين المنقوص والمغشوش معا، وأزمة السلوك أو الاتباعية والتقليد الأعمى، وخاتمة ذلك كله أزمة المواطنة أو ضعف الوطنية.

فإذا أخضعنا هذه الأعراض كلها للتأمل الموضوعي الدقيق والعميق، تبين لنا أن الجامع المشترك الأعظم لهذه الأنواع من التأزم هو العامل الثقافي بشموليته، وتعدد اختصاصاته، وقد فقُه علماؤنا بثاقب حكمتهم، وعمق بصيرتهم واقع المجتمع الجزائري، فأدركوا أن العلم هو مفتاح كل المشاكل.
يقول الإمام عبد الحميد بن باديس، تنهض الأمم بشيئين اثنين، هما قوة العلم، أو قوة الظلم، ويضيف الإمام: أما العلم فنحن فيه فقراء، وأما الظلم فنحن فيه أغنياء، فاللهم إن كنت تريد بهذا الظلم إنهاضنا فزدنا من الظلم.
ويقول أمير شعراء الجزائر محمد العيد آل خليفة:
أراك بلا جدوى تئن من الظلمِ
إلى العلم إن رمت النجاة! إلى العلم
لذلك ارتبطت جمعية العلماء بالعلم، مقصدا، ومنهجا، وسلوكا، للنهوض بالأمة، وهكذا كان ديدنها منذ نشأتها إلى اليوم، بناء المدارس والمعاهد، ونشر العلم الصحيح الملتزم بأصالة الأمة ووطنية المواطن.
فإذا أمعنا النظر فيما تحقق من وعي ومن نهوض في الوطن الجزائري، أدركنا أن جمعية العلماء، هي المهندسة الحقيقية لهذا النهوض.
ولم تشذّ جمعية العلماء – اليوم- عن هذه القاعدة، وهي بناء المدارس، ونشر العلم، وإقبال الأمة على توفير الهبات للجمعية، بعد أن أيقنت الأمة صدق وإخلاص علماء الجمعية.
ويكفي أن يلتفت الإنسان شرقا أو غربا، شمالا أو جنوبا، في أنحاء الوطن، ليكتشف، إنجازات تتم في صمت في تلمسان، ووهران، وفي الشلف وغليزان، وفي البرج وسطيف، والعلمة، وقسنطينة، وعين مليلة، والواد، وعنابة والذرعان، وغيرها من سائر الأقاليم في الصحراء وسواحل الشطآن.
ولقد هال هذا الإنجاز العظيم، بعض مرضى النفوس، ممن في قلوبهم أمراض، كمرض المصلحة الذاتية، ومرض العصبية الحزبية، ومرض الطائفية الإقليمية، ومرض انعدام الثقافة التنظيمية الانضباطية، ومرض حب الزعامة الذاتية، وغير ذلك، إن هذه الأمراض قد تجمعت كلها في شكل عُقد، واجتمع عليها مَرْضَى النفوس على اختلاف دوافعهم، وراحوا يزرعون الفتنة، ويكيدون كيدا للجمعية.
كم تطلبون لنا عيبا فيعجزكم * ويكره الله، ما تأتون، والكرم
فعندما تريد الجمعية أن تبني مدرسة نموذجية، أصلية، ذات طراز هندسي عظيم، وطاقم علمي قويم، تتهم بأنها تضع العراقيل في طريق نشر العلم.
وعندما، تحرص الجمعية على هيكلة الشُّعَب وفق التنظيم الإداري الجمعوي السلس والملتزم بخط الجمعية، ينبري لها دعاة الفوضى، وذوو المصالح الخاصة، متهمين إياها، بأنها تزرع البيروقراطية.
وحتى عندما، تنفتح الجمعية على كفاءات النساء والشباب، لتسلم مقالييد الجمعية لهم تتهم بأنها تفسح المجال للرداءة وعدم الكفاءة العلمية.
بل الأنكى من كل هذا، أن يتم التشويش على مواقف الجمعية السياسية، فتتهم بأنها أصدرت فتوى ضد الدستور قالت فيها كل من صوّت على الدستور فهو آثم «وإنها لكبيرة حقا، أن يصل الأمر إلى هذا المستوى من التشييع على الجمعية».
إن موقف الجمعية من الدستور واضح وضوح بياناتها، إذ حذرت من أن الدستور فيه جوانب ضعف، ينبغي الانتباه إليها ومعالجتها، قبل أن تتحول إلى ألغام قد تنفجر ذات يوم في الوطن، ولقد أثبتت نسبة المشاركة في الانتخابات على الدستور، ونسبة المصوتين بنعم، صحة ما ذهبت إليه جمعية العلماء من مخاوف.
ويعلم الله، كم كنا من الناصحين لأولي الأمر، والمخلصين في تقديم النصح، حفاظا على المصلحة الوطنية العليا.
هكذا نلاحظ أن السهام قد تكاثرت على جمعية العلماء من الأباعد والأقارب معا، ولكن ظلم ذوي القربى أشد مرارة.
وما نؤكده، ونشهد الله عليه، أنه ليس لدينا حساب مع أي أحد أو أية جهة، إلا مع من يعادي الوطن، أو الجمعية وينصب لهما الفخاخ، رائدنا في كل هذا قول الشاعر القديم:
وإن الذي بيني، وبين بني أخي وبين بني قومي لمختلف جدا
فإن أكلوا لحمي حفظت لحومهموإن هدموا مجدي، بنيت لهم مجدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس عظيم القوم، من يحمل الحقدا
إن أفضل ما نجيب به، أعداء الجمعية والحاقدين عليها، والكائدين ضدها، هو العمل بصمت، والسلوك بحكمة، والإنجاز بنظام وفن، وسيحمد القوم السُّرَى،
﴿ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾
[ سورة غافر، الآية: 44].
وعندها تفهمون قول الإمام أبي حامد الغزالي:
غزلت لهم غزلا رقيقا فلم أجد
لغزلي نسّاجا، فكسّرت مغزلي
فالله الله في جمعية العلماء، فهي المصباح الذي ظل مضيئا، لهداية العقول، وهي المصحة التي قدمت ولا تزال تقدم أنواع الدعم لعلاج البدن، وإيقاظ الفطن.
فلتصححوا أحكامكم، ومفاهيمكم حول جمعية العلماء، صونوا حماها، ودافعوا عنها
﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [ سورة المائدة، الآية: 57].

عن المحرر

شاهد أيضاً

ما لا يجــــوز فــي حــق الــرمــــوز!

أ.د. عبد الرزاق قسوم/ رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ رموز أمة ما، هم كنوزها، وهم …