الرئيسية | الحـــق الـمر | معادلة الحق والواجب

معادلة الحق والواجب

يكتبه د. محمّد قماري/

يخرج الإنسان إلى الدنيا وهو ضعيف لا يستطيع أن يقوم على شأن نفسه، يخرج من بطن أمه وهو محتاج لمن يؤمن له غذاءه ويذود عنه أخطارا تتربص به، ومن حكمة الخالق أن غرس حب القيام بهذا الواجب في الوالدين، فالأم تحمل وليدها جنينا وتتحمل ذلك العنت في حب ورجاء، ويوم وضعه تكابد الآلام وقلبها يخفق في انتظار تلك الصيحة، وتنطلق معاناة رعاية الوليد وتستغرق زمنا ليس باليسير، ومقابل ذلك الواجب (الفطري) جاءت التوصية بالوالدين: «وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ» (لقمان/14)…
والإنسان يعيش في الدنيا بين حدي هذه المعادلة، إما قائما بواجب يؤديه أو مترقبًا لحق يناله، والغريب في هذه المعادلة أن مجموع الواجبات تتقابل فيها مع مجموع الحقوق، ومنه يمكن تصنيف المجتمعات البشرية أو الشعوب إلى اصناف ثلاثة، شعوب لديها (فائض) في الواجبات أي أن الأفراد فيها يقومون بواجباتهم وزيادة، بمعنى أن الأفراد وهم يقومون بالواجبات لا يكتفون بالعدل وحده بل يقدموا معها الإحسان «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ»(النحل/90)؛ وهناك شعوب (مقتصدة) بمعنى أن الأفراد فيها يقومون بواجباتهم دون نقص أو إحسان؛ وشعوب أخرى (مفلسة) حيث يكثر فيها المطالبون بالحقوق ويقل القائمون بالواجبات…
إن ترجمة هذه المعادلة على سلم الحضارات، يجعلنا نقف عند أمم فائقة (التحضّر)، وأمم (متحضرة)، وأمم أو شعوب (متخلفة)، فالشعوب فائقة التحضر يعيش الأفراد فيها والحقوق تنزل عليهم عطاء غير مجذوذ، يكون الفرد في بيت ضيق، فيأتيه من يجبره على الخروج منه إلى بيت أوسع، يكون طالبا للعمل فيأتيه من يعرض عليه بدل منصب العمل مناصب كثيرة، وفي المجتمعات المقتصدة يأخذ كل من يطلب حقا حقه دون عناء ولا وساطة، أما في المجمعات المتخلفة فكل أمة تلعن أختها، فالإداري يشكو من تقصير الطبيب، والطبيب يشكو من تقصير عامل البريد، وعامل البريد يشكو من مدرس أبنائه، ولو عادوا إلى رشدهم لعلموا أنهم يجنون ما يزرعون، وكلهم مقصرون…
ويمكن على هذا الأساس أن نتلمس موضع أقدامنا، نتلمس ذلك الموضع فرادى، هل أنا ممن يؤدون واجباتهم؟ وهذه الواجبات هي حق لغيري عليَّ، فمجموع الواجبات هو الذي يراكم مجموع الحقوق، وكل خلل يجعل المعادلة مختلة…
إن خروج فرد عن الصف في الصلاة يجعل الصف أعوج، ولذلك جاء في الحديث: (أَقِيمُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ وَسُدُّوا الْخَلَلَ)، إنه تدريب عملي على (سد الخلل) في الحياة كلها، ومنها القدرة على الانضباط في تحقيق منجز جماعي، لكن واقع المسلمين وهم يتفننون في إقامة صفوف الصلاة، يقابله اعوجاج في إقامة صفوف الحياة…
إن صف الصلاة المستقيم لا يغني المجتمع شيئا، إذا كان الطالب فيه الذي يسعى لنيل شهادته دون تحصيل، والموظف الذي يتقاضى راتبه دون جهد، وتتسع فيه رقعة الخلل أو بتعبير آخر ينزل دركات سحيقة في تخلفه، كما أن الوعظ البليد والصياح العبثي من قبيل (نرمالموا) أي يجب، لن يخرج المجتمع من محنته…
ذلك هو حال المجتمع (الثرثار)، حيث يلوم كل فرد فيه بقية الأفراد، وقد قص علينا القرآن مشهدا من مشاهد التلاوم بين أصحاب المزرعة، بعد أن شاهدوها تحترق، بسبب تقصيرهم، فما أغنى عنهم تنصل بعضهم من المسؤولية ورميها على الآخرين، فالجنة احترقت وغدت كالصريم: «فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ؛ قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ» (القلم/30).
والطغيان هو كل تجاوز للحد، فإذا كان الحد الأدنى أن يقوم كل فرد بواجبه، فمن الطغيان الذي يدمر المجتمع أن يقصّر أفراده في النهوض بما عليهم وينتظرون (حقوقا) تأتيهم من غيرهم، وكم من غبي يظن أنه إذا خرج من مجتمعه إلى المجتمعات (فائقة التحضر) ينعم بخيراتها، ويبقى هو على حال خموله وكسله، وينسى أن القائمين بالواجب لا يرضون بالخلل في صفوفهم، بل يبادرون إلى تقويمه فإن لم يستقم رفضوه…
إنه طريق واحد لا ثاني له للتحضر، هو طريق القيام بالواجب، وإتقان ذلك الواجب، فهل يرضى أحدنا ان تقدم له خدمة مشوهة أو غير مكتملة؟ فبادر أنت وأحرص على تقديم خدمتك لغيرك على الوجه الذي يرضيك لو كنت طالبا لتلك الخدمة، وذلك هو معنى (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، ولا تغني العاطفة الحارة عن الإنجاز المتقن، فالإيمان في شعائر العبادات، يجب أن يجد أثره في المعاملات.

عن المحرر

شاهد أيضاً

عباقــــرة البشـــر…

يكتبه د. محمّد قماري/ كتب الأديب الكبير عباس محمود العقاد سلسلة من الكتب، اختار لها …