مساهمات

ما لا تعرفــــون عن الدكتور محمد دراج

د. الصالح بن سالم/

 

الباحث المقتدر الدكتور محمد دراج الذي عاش في دولة تركيا مدة 13 سنة حاز خلالها على شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث من جامعة مرمرة حيث درس طبيعة الوجود العثماني بالجزائر مع مطلع القرن 16م، كما نال تجربة بحثية معتبرة في أرقى الجامعات ومراكز البحث التركية، ووظفها في أعماله المتميزة بداية بترجمته لمذكرات خير الدين بربروس من التركية إلى العربية، وكتابه «الدخول العثماني للجزائر»، كتابه «الجزائر في المصادر العثمانية… ويشتغل حاليا أستاذ للتاريخ واللغة التركية بجامعة الجزائر 2.

لك تجربة ثرية وطويلة بدولة تركيا. ما الذي أضافته هذه التجربة لرصيدك العلمي والإنساني؟
-أقمت في تركيا فترة طويلة دامت 13 سنة. منها سنتين في تعلم اللغة التركية بقسم اللغات الأجنبية بجامعة استانبول، وكذلك في مركز تعليم اللغة التركية للأجانب بفرع جامعة أنقرة باستانبول، ثم طالبا في مرحلة الدكتوراه بجامعة مرمرة. وكذلك أستاذا للغة العربية في مركز اللغات والدراسات الشرقية التابع لوقف الحضارة الإسلامية خلال مرحلة الدراسة في الدكتوراه. ثم بمركز اللغات الشرقية الذي يديره صديقنا التركي عاشق اللغة العربية الأستاذ محمد فاتسا. وبعدها أستاذا للأدب العربي في المرحلة الثانوية بالمدرسة السعودية باستانبول، وأخيرا أستاذا في التاريخ الإسلامي، وعضوا في مجلس إدارة كلية العلوم الإسلامية بجامعة السلطان محمد الفاتح الوقفية باستانبول أيضا.
تركيا بالنسبة لي تجربة علمية وثقافية وحياتية في غاية الأهمية، ولا أنفي أنها صنعت أسس ثقافتي وتكويني التاريخي. ففيها تعلمت اللغة التركية الحديثة والقديمة (اللغة العثمانية). وفيها احتككت بعدد كبير من الأساتذة، سواء في ذلك أساتذتي أو زملاء الدراسة من الأتراك وغيرهم من الوافدين عليها. وفيها أيضا تعرّفت على التنوع الثقافي الذي تزخر به تركيا بحكم وجود عدد كبير من الطلاب الأجانب، وخلال إقامتي هذه أدركت أن تركيا فعلا تنطوي على موروث ثقافي عثماني هائل، لا يخص الأتراك فحسب؛ بل يخص أيضا العالم الإسلامي والعربي الذي كان تابعا للدولة العلية العثمانية، أو الذي كان على صلة بها ممن لم يكن خاضعا لسلطتها السياسية.
هل من كواليس يسردها لنا محمد دراج حول ترجمته لمذكرات خير الدين بربروس؟ وماهي أبرز مشاريعه المستقبلية؟
-حقيقة تعرُّفي على مذكرات بربروس كان محض صدفة. فقد كنت طالبا في السنة الأولى من مرحلة الدكتوراه، حينما سلمني أستاذي في المصادر العثمانية، البروفيسور خلوصي ياووز نسخة من كتاب عنوانه، مذكرات خير الدين بربروس، التي نشرها الأستاذ أرتوغرول دوزداغ وطلب مني قراءته وإعداد تقرير بشأنه. أخذت الكتاب فقرأته في أيام قليلة واندمجت مع أحداثه فلم أشعر بمرور الوقت. وسلمت التقرير للأستاذ. ثم مضت أيام لا أدري طالت أم قصرت، لتقع بين يدي في مكتبة إيصام نسخة أخرى من مذكرات خير الدين بربروس، لكنها من تهذيب المؤرخ التركي يلماز أوزتونا فقرأت مقدمة الكتاب التي ذكر فيها بأنه قام بتهذيب النسخة المخطوطة، والمحفوظة في مكتبة جامعة استانبول…. في تلك الفترة لم أكن متمكنا من اللغة التركية بالقدر الذي يسمح لي أن أشرع في الترجمة. لكنني كنت عازما على تحقيق تلك الأمنية. وأعتقد أنه لم تمض فترة طويلة حتى شرعت في الترجمة مستعينا بعدد من الزملاء والطلاب الأتراك الذين كانوا يساعدونني على حل فكّ المفردات الغامضة والتعابير التركية التي لم تعد مستعملة اليوم. إلا أن انشغالي برسالة الدكتوراه جعلني لا أقوم بالترجمة إلا في أوقات فراغي على فترات متباعدة. هذه الظروف وهذا الانقطاع هما اللذان جعلا الترجمة تطول كثيرا وتستمر لسنوات، ليس لصعوبة الترجمة أو كبر حجم المذكرات وإنما كثرة الصوارف التي لم تكن تتوقف قط عن إعاقتنا.


ما هو رأيك في الأشخاص الذين يعتبرون المنحة التي تقدمها الدولة التركية للطلبة الجزائريين سنويا محاولة لإعادة العثمنة بأسلوب جديد؟
-العثمنة والدولة العثمانية، مثلها مثل غيرها من دول الإسلام، مضت وانتهت وأصبحت تاريخا بخيرها وشرها. أما ما تقوم به تركيا من فتح جامعاتها لاستقبال آلاف الطلاب سنويا. فهي سياسة تتبعها الدول التي تبحث لنفسها عن مكان في السوق والاقتصاد العالميين. في تقديري لا علاقة لهذه السياسة بالعثمنة إلا في وسائل الإعلام. ومن يرى ذلك فهو لا يعرف طبيعة السياسة الاقتصادية التركية التي اتخذت لنفسها سياسة جديدة تقوم على الانفتاح عن العالم العربي والإسلامي في القارتين الأفريقية والآسيوية. وربما لا يعرف الكثير من القراء الأفاضل بأن اليابان هي أكبر بلد في العالم من حيث استقباله للطلاب الأجانب تليها تركيا. وما تفعله اليابان تفعله تركيا أيضا .. ببساطة انه البحث عن موضع قدم في السوق العالمية إلى جانب الكبار.
عايشت عن قرب إنتاج الجامعة الجزائرية في التاريخ العثماني. بصراحة: هل يبشر خيرا بمستقبل هذا التخصص؟
– مقارنة بالسابق، أعتقد أن توجه الزملاء والطلاب إلى خوض غمار البحث والتأليف والنشر بادرة جيدة، تستحق التشجيع والتنويه. فنحن نأسف كثيرا على وفاة علمائنا ومفكرينا ومثقفينا دون أن يخلّفوا وراءهم مصنفات تتناسب مع قيمتهم العلمية. ونأسف أيضا أن علماء الجزائر ومفكريها ومثقفيها ليس لهم حضور قوي في سوق الكتاب العربي والعالمي بسبب الانطوائية المفرطة لدى الكثير منهم وتخوّف بعضهم من النشر، وانعدام ثقة البعض الآخر في أنفسهم وخوفهم من أن تكون مؤلفاتهم عُرضة للنقد والتمحيص. والحقيقة أن من ألّف فقد اُسْتُهدِف وعرض عقله على الناس. هذا صحيح. لكن لا قيمة لأي فكرة إذا لم تخضع للنقد والمراجعة والتعقيب. فعود الثقاب لا يمكن أن يتّقد ما لم نقم بحكّه على مِحَكِّه الذي يجعله يشتعل نارا ونورا. أتمنى أن تتجاوز الأجيال القادمة من الباحثين الشباب هذه العقد ويقتحموا باب الكتابة والتأليف. وأن لا يخافوا من النقد. بل يعتبرون ذلك حافزا إلى مزيد من التدقيق والتحقيق للارتقاء بمستوى الكتابة التاريخية في بلادنا.
يحاول محمد دراج أن يجعل من صفحته على الفايسبوك مجلة علمية. فما هو رأيه في بعض أساتذة الجامعة الذين جعلوا من صفحاتهم بازارا لعرض يومياتهم الروتينية؟
-بالتأكيد من الضروري احترام خصوصيات الناس وما يختارونه لأنفسهم في كيفية التواصل مع الرأي العام ضمن وسائل التواصل الاجتماعي. لكنني أتمنى لو يخصص الطلاب والزملاء والباحثون جزءًا من هذه الوسائل لمناقشة القضايا العلمية أو الفكرية أو السياسية أو الفنية أو الدينية، لكي يساهموا في الارتقاء بالمستوى الفكري والثقافي العام، بدلا من ملء صفحاتنا بأخبار الوفيات والأمراض والتباهي بصورنا التي نلتقطها بمناسبة وغير مناسبة …
بينما يحلم الباحثون والطلبة في الهجرة من الجزائر نحو تركيا للدراسة والاستقرار بها نهائيا قام محمد دراج بعملية عكسية. هل هي وطنية زائدة منه أم ظروف خاصة دفعته لاتخاذ هذا القرار؟
– عودتي إلى بلادي بعد انتهاء دراستي ليس وطنية زائدة ولا تضحية أدّعيها. إنما ارتبطت بظروف خاصة أجبرتني على العودة والاستقرار ببلدي. وأما الإفادة العلمية فلا أعتقد أنها قيمة وطنية، بل قيمة إنسانية. فالمسلم كالغيث حيثما حلّ نفع.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com