الرئيسية | قضايا و آراء | التصرف السياسي في الإسلام

التصرف السياسي في الإسلام

أ. مرزوق خنشالي /

ويكون التشريع فيه عن طريق الاجتهاد الذي تكون غايته تحقيق المصالح ودرء المفاسد، بعيداً عن كلّ وهم، منضبطا بضوابط الاجتهاد الصحيح، وذلك من خلال:
1- أن يجري ذلك الاجتهاد في تحقيق المصالح ودرء المفاسد في ضوء مقاصد الشريعة تحقيقًا لها وإبقاء عليها.
2-أن لا يعود الاجتهاد على المقاصد الشرعية أو بعضها بالإبطال فذلك اجتهاد فاسد مردود، وإن ظهر أنه يحقق مصلحة، أو يدرأ مفسدة.
3ـ عدم مخالفة الاجتهاد لدليل من أدلة الشرع القطعية التفصيلية، إذ لا مصلحة حقيقية في مخالفة الأدلة الشرعية ـوإن ظهر ذلك لبادي الرأي ـ. والاجتهاد في مسائل التصرف السياسي قد يؤدي إلى ‘استنباط أحكام اجتهادية جديدة تبعًا لتغير الزمان والمكان ومراعاة لمصالح الناس المتجددة وأعرافهم، أو إلغاء أحكام اجتهادية سابقة لا تحقق المصلحة القائمة أو تؤدي للضرر معتبر شرعاأو فساد حالي، أو كانت الأحكام الاجتهادية الجديدة أكثر تحقيقًا للمصالح أو دفعًا للمفاسد من سابقتها.
وهذا جزءٌ مرتبط بالجزء الثابت لا ينفك عنه ولا يتعارض معه في تطوره وتبدله بحال من الأحوال.
وفي كل ذلك فسحة وسعة لمن أراد الموازنة والترجيح وأخذ أقرب الآراء والمواقف إلى الصواب، وأولاها بتحقيق مقاصد الشرع، فقد يصلح رأي أو موقف لزمن ولا يصلح لغيره، وقد يصلح لبيئة ولا يصلح لأخرى، وقد يصلح لحال ولا يصلح لحال آخر.. .
وهكذا فإننا نجد في الشريعة الإسلامية ـ كما أسلفنا ـ مواضع إجماعيه ثابتة، لم ولن يختلف فيها اثنان من علماء الأمة وفقهائها.. وهي الأسس الثابتة والمرتكزات القائم عليها بناء النظام الإسلامي المتميز، كالأصول العقدية، وأحكام الميراث، وملكية الأرض للأفراد وجواز استغلالها وشرعية توارثها، فكل هذا ومثله، لم يخالف في ثبوته ومشروعيته أحد من علماء المسلمين.. ولكن إذا جئنا إلى بعض التفاصيل المتحركة في هذه المواضيع، كطريقة استغلال الأرض مثلاً، وجدنا الأمر يختلف؛ ففيه للفقهاء مذاهب وأقوال مختلفة يستند كل منها إلى أدلة شرعيَّة، قابلة للتضعيف والترجيح.. بحيث يمكننا الأخذ بالأرجح والأقوى والأدنى إلى تحقيق المصلحة بالنظر إلى ظروفنا الزمانية والمكانية، دون أن ينكر علينا فقيه واحد. لأن من المتفق عليه: أنه لا إنكار على مجتهدٍ في المسائل الاجتهادية.
يقول ابن قيم الجوزية ، في كتابه إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان: الأحكام نوعان:
الأول:نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة، ولا اجتهاد الأئمة، كوجوب الواجبات، وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك.. فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه.
والثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانًا وحالاً، كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها حسب المصلحة.
ثمّ قال بعد أن ضرب أمثلة لذلك من السنة النبوية الشريف وسيرة الخلفاء الراشدين: وهو باب واسع اشتبه فيه على كثير من الناس الأحكام الثابتة اللازمة التي لا تتغير بالتعزيزات التابعة للمصالح وجودًا وعدمًا.
وهذا الجزء يشكل الجزء الأكبر من الأحكام الشرعية التي تتناول التصرف السياسي في الإسلام، وهو محل الاجتهاد؛ ولذلك لا يمكن أن تكتمل صورته إلا بوجود النظام على ساحة المعترك السياسي وفي غمار التفاعل العملي الواقعي مع الأحداث والمستجدات.. فإنما يحدد سماته الميدان العملي الذي تتشكل فيه الظروف السياسية، وتتضح فيه المصلحة الإسلامية العامة، وهما الأساس الذي تتحدد من خلاله الملامح العامة لهذا الجزء، وتتشكل جزئياته في إطار الجزء الثابت.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الكلمة بين الهدم و البناء قال أمير البيان البشير الابراهيمي

مداني حديبي/ إذا لزم النقد فلا يكون الباعث عليه الحقد..و لكن موجها إلى الآراء بالتمحيص …