الرئيسية | اتجاهات | الـمتشـــائمـــون

الـمتشـــائمـــون

عبد العزيز كحيل/

التفاؤل والتشاؤم من المكونات النفسية الملازمة للإنسان بدرجات متفاوتة، وفق قسمات الشخصية والظروف والأحوال، وهما ضروريان لإحداث التوازن العقلي والنفسي لدى الفرد وبالتالي لدى الجماعة الإنسانية، وككل الأحاسيس والمشاعر فإنهما ينقلبان إلى عناصر سلبية وربما هدامة إذا حدث فيهما غلوّ وتجاوز للحدود، فيصبح التفاؤل دروشة تلغي حقائق الواقع لتحلّق في الأحلام وتعيش في الأوهام، ويصير التشاؤم كابحا لأي حركة أو طموح أو عمل إيجابي.
فالتفاؤل عبارة عن ميل أو نزوع نحو النظر إلى الجانب الأفضل للأحداث والأحوال، وتوقع الأفضل والنظر إلى الجوانب الإيجابية من العالم والوجود، وهو نقيض التشاؤم…المتفائلون عموما يعتقدون بأن الناس والأحداث جيدة أصلا، أما المتشائمون فهم يركزون على السيء والصعب والقبيح والمستحيل، وحال الصنفيْن تصوره الحكمة المعروفة عن شخص أعطي قدح ماء، مملوء إلى النصف من سعته ويُطرح عليه السؤال: أي نصف ترى؟ النصف الكامل أو النصف الفارغ؟ تتوقع الحكمة التقليدية أن المتفائلين سيجيبون «النصف الكامل»، والمتشائمون يردون «بالنصف الفارغ».
وقد أوصى الحكماء بالتفاؤل فقالوا:
– لا تثقل يومك بهموم غدك فقد لا تأتي هموم غدك وتكون قد حُرمت سرور يومك.
– ليس الفخر أن لا تسقط ولكن الفخر أن تنهض كلما سقطت.
– يوجد دائماً من هو أشقى منك، فابتسم.
– لا يجرؤ بعض الناس أن يكونوا ملوكاً حتى في أحلامهم، وهذا هو الخطأ الجسيم.
– تفاءلوا بالخير تجدوه
– يرى المتشائم الصعوبة في كل فرصة، أما المتفائل فيرى الفرصة في كل صعوبة.
إن المتشائمين في دنيانا مصدر إزعاج على أكثر من مستوى، لا ينجو منهم لا الدولة ولا حزب من الأحزاب ولا جماعة دعوية ولا شخصية عامة ولا إمام ولا مستثمر ولا عربي ولا قبائلي …لا يبصرون إلا الشرّ والنقائص والسلبيات بل يفتعلونها افتعالا…لا ينال رضاهم لا مبادرة سياسية ولا خطوة دعوية ولا مشروع تنموي ولا عمل جمعوي ولا من تكلم ولا من سكت…هكذا هي منشوراتهم، وهكذا هو كلامهم… ثناؤهم على الأموات فقط أما الأحياء فهم هالكون جميعا، أهلكهم- كما يقولون – الكذب والنفاق وسوء النية وسوء العمل وسوء الاجتهاد، ونسي هؤلاء المتشائمون الحديث النبوي «من قال هلك الناس فهو أهلكهم»(رواه مسلم)…لا تأتي الخطورة من كونهم سوداويين لكن من نشرهم للسواد واليأس سواء كانوا محللين سياسيين أو معارضين للنظام، أو خطباء في المنابر، أو مستعملين لمواقع التواصل اجتماعي… لا يصدر منهم سوى النقد اللاذع ورفض كل شيء واتهام السلوكات والنيات، ونلاحظ ذلك بصفة خاصة عند المعارضين المقيمين في الخارج عندما يتكلمون في الفضائيات أو على يوتيوب، إذ يخيّل للمتابع أن الخير قد انعدم وأن الشر عمّ وطمّ، والوضع ينذر بمزيد من الضياع والشرور، ولا أمل في أي تغيير أو إصلاح، ولا مجال لأي بارقة أمل.
أنا كثير النقد للأوضاع، لا أجامل ولا أداهن سواء خطبت أو كتبت، لكني أستاء من السلبيات وأنوّه بالإيجابيات، أثمّن أي مبادرة جيدة سواء صدرت من الدولة أو الأحزاب أو الدعاة أو الداخل أو الخارج، أرى الجمال قبل القبح والمحاسن قبل المساوي…أحافظ على أي شعرة تربطني بجميع الأطراف وأبدي استعدادي للتعامل معهم في المساحات المشتركة، لا أسارع إلى تأويل أي تصريح أو موقف تأويلا سيئا، لا أحب الهدم بل البناء، الدنيا ليست كلها سوداء بل فيها جميع الألوان، وأنا – لأني نبذت التشاؤم- لا أرى الأسود فقط بل أبصر جميع الألوان وخاصة الزاهية منها.
لا يحدث إصلاح من طرف أصحاب المنظار الأسود، لأن النتيجة الأولى والكبرى الملازمة للمتشائم هي السلبية والقعود والانسحاب، وهذا يفسح المجال للفراغ، والفراغ يملؤه الهدم وملاحظة الأخطاء وتضخيمها، والنأي بالنفس عن أي بديل أو اقتراح للتصحيح.
إن الكلام في هذا السياق ليس أدبيا بل هو يلامس جوهر حياتنا السياسية والاجتماعية والأسرية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

فــــنّ حُســن عـــرض الإســـــلام

عبد العزيز كحيل/ كثيرا ما كان الشيخ محمد الغزالي رحمه الله يتضايق من سوء عرض …