وراء الأحداث

فرنسا بين الجريمة والتستر على آثار الجريمة!

أ. عبد الحميد عبدوس/

بعد أكثر من61 سنة على إجراء فرنسا لأول تجربة نووية على أرض الجزائر (13 فيفري 1960) وبعد59 سنة على اعتراف فرنسا الرسمي باستقلال الجزائر (5 جويلية 1962) مازالت فرنسا ترفض تسليم الجزائر الخرائط التي تحتوي على آثار التجارب النووية التي قامت بها فرنسا بين 1960 و1966، ذلك ما أكده وزير المجاهدين الطيب زيتوني، في حديث خص به وكالة الأنباء الجزائرية يوم الأحد 5 جويلية 2021 بمناسبة الذكرى التاسعة والخمسين لعيد استرجاع السيادة الوطنية للجزائر، وقال الطيب زيتوني: «إن الطرف الفرنسي يرفض تسليم الخرائط الطبوغرافية التي قد تسمح بتحديد مناطق دفن النفايات الملوثة، المشعة أو الكيماوية، غير المكتشفة لحد اليوم. كما أنه لم يقم بأية مبادرة لتطهير المواقع الملوثة من الناحية التقنية ولم تقم فرنسا بأدنى عمل إنساني لتعويض المتضررين». وأن «التفجيرات النووية الاستعمارية بالصحراء الكبرى تعد من الأدلة الدامغة على الجرائم المقترفة التي لا تزال إشعاعاتها تؤثر على الإنسان والبيئة والمحيط».
يمكن القول أن فرنسا لم تترك طوال قرن وثلث القرن من مدة استعمارها للجزائر جريمة من الجرائم الوحشية إلا وقامت باقترافها: من الإبادة والتقتيل، والإحراق والتدمير، والتعذيب والتنكيل، والتجهيل والتفقير، إلى الاجتثاث والتهجير … وكلما مرت الأيام، تكشف الوثائق والأخبار أدلة جديدة على بشاعة الاستعمار الفرنسي، وتعزز قناعة الجزائريين بضرورة مواصلة السعي لاستصدار قانون تجريم الاستعمار ومطالبة السلطات الفرنسية بواجب الاعتراف بجرائمها خلال حقبة الاحتلال لمدة 132 سنة (1830 – 1962) وتقديم التعويضات العادلة لضحايا هذا الاحتلال على مدى تعاقب الأجيال، غير أن الطرف الفرنسي ما زال يرفض الاعتراف بجرائمه ودفع التعويضات اللازمة لضحاياه، بل أسوأ من ذلك أنه مازال هناك ساسة ومثقفون وإعلاميون ونخب متعصبون فرنسيون لا يتورعون عن التفاخر بما اقترفته فرنسا والإشادة بمزايا الاستعمار الفرنسي للجزائر.
من بين ملفات الذاكرة يعتبر ملف التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر التي بلغ عددها نحو 17 تجربة بين 1960 و1967، من أكثر الملفات حساسية، ورغم انقضاء عام كامل على تعيين الرئيس عبد المجيد تبون، مدير الأرشيف الوطني والمستشار بالرئاسة عبد المجيد شيخي للإشراف على ملف الذاكرة من الجانب الجزائري، وتعيين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المؤرخ بنجامين ستورا للإشراف على ملف الذاكرة من الجانب الفرنسي، كما أنه في جانفي الماضي( 2021 ) اتصل الرئيس ماكرون هاتفيا بالرئيس تبون وأكد له رغبته في استئناف التنسيق في القضايا المشتركة بين البلدين ومنها ملف الذاكرة، ولكن الأمور لم تتقدم بالشكل المرغوب نتيجة الإصرار الفرنسي على تجاهل المطالب الجزائرية، خصوصا في ملف التفجيرات النووية الفرنسية بالصحراء الجزائرية رغم أن اللجنة الفرنسية التابعة للحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية قدرت النفايات المشعَّة الناتجة عن مخلفات التجارب النووية الفرنسية بالجزائر بما يعادل 3 آلاف طن لا تزال مدفونة في الرمال الجزائرية، ولا تزال الإشعاعات التي تتسرب منها تشكل خطراً على البيئة والسكان والمحاصيل والماشية.
في 14 فيفري 2014 نشرت صحيفة ‘’لو باريزيان’’ وثيقة للجيش الفرنسي كانت مشمولة بالسر العسكري تثبت ضخامة حجم التلوث البيئي الذي تسبب فيه تفجير قنبلة ‘’اليربوع الأزرق’’ بمنطقة رقان في الجنوب الجزائري ذلك التلوث الذي امتدت آثاره إلى جنوب إسبانيا وإيطاليا بالضفة الشمالية للبحر الأبيض المتوسط، وإلى التشاد وإفريقيا الوسطى ودول إفريقيا الشمالية والغربية جنوب المتوسط .
كانت القوة التفجيرية لقنبلتها النووية الأولى ‘’اليربوع الأزرق’’ تصل إلى 60 (ستين) كيلوطن أي ما يعادل سبع مرات قوة القنبلة النووية التي ألقيت على مدينة هيروشيما اليابانية في 6 أوت 1945 وتسببت في قتل أكثر من 80 ألف شخص وتدمير 90 بالمائة من مباني المدينة وكانت سببا حاسما في استسلام الإمبراطورية اليابانية لعدوتها الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب العالمية الثانية.
تجدر الإشارة إلى أن رفع السر عن الوثيقة التي نشرتها جريدة ‘’لو باريزيان’’ الفرنسية جاء في إطار تحقيق قضائي بعد شكوى رفعتها جمعية قدماء المحاربين المناهضين للتجارب النووية، ورغم أهمية دور هذه اللجنة إلا أن ملف التفجيرات أصبح وكأنه قضية داخلية فرنسية. وإذا كانت فرنسا قد نجحت في دخول النادي النووي في 13 فيفري 1960 فإنها تسببت في تسميم الماء والأرض والهواء وكل أشكال الحياة والبيئة لمدة قد تمتد على مئات القرون.
في جانفي 2010 أصدر البرلمان الفرنسي قانونا عرف باسم قانون موران (نسبة إلى وزير الدفاع الأسبق هنري موران) خاص بتعويض ضحايا التفجيرات النووية الفرنسية، ورغم أن هذا القانون لم ير النور إلا بعد مرور نصف قرن كامل على بداية التفجيرات النووية في صحراء الجزائر، فقد استثنى موضوع تطهير بيئة التفجيرات، ووضع شروطا في غاية الإجحاف في وجه المطالبين بالتعويضات ومن بين هذه الشروط إلزام المطالبين بالتعويضات إثبات وجودهم أو سكنهم في منطقة التجارب النووية ما بين 17 فيفري إلى 31 ديسمبر 1967 أو بين 7 نوفمبر 1961 إلى 31 ديسمبر 1967 بالنسبة للمناطق المحيطة بمراكز التجريب النووي. بسبب هذه الشروط لم يقدم سوى أربعين ملفا أمام اللجنة المختصة منذ صدور قانون موران، وكل الملفات التي أودعها الضحايا الجزائريون رفضت في ديسمبر 2012. فلجنة التعويضات المشرفة على تطبيق قانون موران هي لجنة فرنسية تابعة لوزارة الدفاع الفرنسية وهذا ما جعل ضحايا التفجيرات الفرنسية من الجزائريين الذين توفي معظمهم بعد صدور القانون يرحلون بلا تعويضات بشقائهم وأمراضهم القاتلة إلى قبورهم، أما الأحياء منهم فإنهم يبدون اليوم كالأيتام في مأدبة اللئام بسبب الشروط المجحفة التي وضعت لإقصائهم من مجال تحصيل حقوقهم، وقد كشفت المحامية الجزائرية فاطمة الزهراء بن براهم أن قانون التعويضات الفرنسي استثنى من التعويض أمراض ما بعد التجارب النووية التي مازال يتعرض لها سكان المناطق الصحراوية الجزائرية مثل أمراض سرطان الثدي وسرطان الرحم التي يلاحظ ارتفاع نسبتها بسبعة أضعاف في مناطق التفجيرات.
رغم التماطل الفرنسي والإنكار القانوني لحقوق الضحايا الجزائريين وتوفير آليات تطهير بيئة التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر، ما زالت الجزائر مصرة على اعتبار ملف التجارب النووية مازال مفتوحا ولم يغلق بعد، وأنه غير قابل للتقادم والتجاهل، لأن القضية تظل ملزمة لفرنسا للبحث عن آليات تطهير البيئة في المناطق التي لوثتها بتفجيراتها النووية ومازالت تشهد تلوثا بالإشعاع النووي الضار للبيئة والإنسان ..
وقد ألح الرئيس عبد المجيد تبون عشية الاحتفال بالذكرى 59 لاسترجاع السيادة الوطنية على أن : «المتابعة تبقى مستمرة لاستجلاء مصير المفقودين أثناء حربنا التحريرية، وتعويض ضحايا التجارب النووية»، مؤكدا أن : «الأحداث والوقائع لا تسقط من تاريخ الأمة بالتقادم، بل إن النزاهة تقتضي تغلب الإرادة والصدق على ما سواها من اعتبارات ضاغطة».

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com