الرئيسية | قضايا و آراء | مسائل التصرف السياسي

مسائل التصرف السياسي

أ. مرزوق خنشالي */

ومن هنا فإن ما يقوله العلماء بالإسلام ويدعون إليه هو أن التشريع الإسلامي في التصرف السياسي يواجه ثلاثة أوجه هي:
• وجه تضمنته نصوص لا نزاع في صحة نسبتها إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزاع في المقصود بها.
• وجه تضمنته نصوص لا نزاع في صحة نسبتها إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم، لكن ألفاظها تحتمل التأويل الذي يجوز معه الاختلاف في مراد الله ورسوله منها.
• وجه ترك تمامًا للاجتهاد البشري الذي أرشد القرآن إلى طرقه، وأكدت السنة النبوية كيفية سلوك هذه الطرق. وهذا الوجه هو الأغلب الأعم فيما يعرفه الناس بالتشريع الإسلامي، وتعددت الاجتهادات فيه وتغيرت بتغير المصالح والأعراف ومراعاة ظروف الزمان والمكان والإنسان.
1. أحدها: جاءت فيه نصوص شرعية، قطعية الثبوت قطعية الدلالة [سبق الكلام عنها في الجزء الأول] 2. وثانيها:جاءت فيه نصوص شرعية، قطعية الثبوت ظنية الثبوت، والتشريع في هذا النوع يكون عن طريق:
اـ فهم النصوص الشرعية فهمًا صحيحا، ومعرفة دلالاتها الشرعية، والتنبه للشروط الواجب توافرها في تطبيق الحكم والموانع التي تمنع تنفيذه، ثم يلي ذلك تطبيق الحكم وتنفيذه.
ب ـ التمييز بين النصوص التي جاءت تشريعًا عامًا يشمل الزمان كله، والمكان كله ـ وهذا هو الأصل في مجيء النصوص، وبين النصوص التي جاءت الأحكام فيها معللة بعلة، أو مقيدة بصفة، أو التي راعت عرفًا موجودًا زمن التشريع، أو نحو ذلك.
والأول يسميه ابن القيم: ‘’الشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة’’.
بينما يسمي الثاني: ‘’السياسات الجزئية التابعة للمصالح فتتقيد بها زمانًا ومكانًا’.’
ومن مسائل هذه السياسات منع عمر بن الخطاب رضي الله عنه سهم المؤلفة قلوبهم في الزكاة عن قوم كان يعطيهم إياه–رغم أن سهمهم ثابت بنص قطعي الثبوت قطعي الدلالة- وذلك لزوال الصفة عنهم، فإنما كانوا يعطونه لاتصافهم بتلك الصفة لا لأعيانهم، فلما زالت الصفة منع السهم عنهم، وليس في هذا تغيير للحكم وإنما هو إعمال له، وهو من باب السياسة الشرعية، وكذلك أمر عثمان رضي الله عنه بإمساك ضوال الإبل مع أن المنع من إمساكها مستفاد من سؤال أحد الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن إمساك الإبل فقال: «ما لك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها ـ ترد الماء وتأكل من الشجر ـ حتى يلقاها ربها»، ومع النظرة الثاقبة في الحديث يتبين دقة فهم عثمان رضي الله عنه، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ظهر من كلامه أنه يفتي عن حالة آمنة تأكل فيها الإبل من الشجر وتشرب من الماء، من غير أن يلحقها ضرر حتى يجدها صاحبها، فأما إذا تغير حال الناس ووجد منهم من يأخذ الضالة، صار هذا الحال غير متحقق، فإنها إذا تركت في هذه الحالة لن يجدها صاحبها، ومن هنا أمر بإمساكها وكذلك نقول: لو أن حالة الناس من حيث الأمانة لم تتغير، وإنما كان الناس يعيشون بجوار أرض مسبعة، وكان في تركها هلاك لها حتى يأكلها السبع؛ لكان الأمر بإمساكها هو المتعين حفظًا لأموال المسلمين، وهذا من السياسة الشرعية، والأمثلة في ذلك كثيرة.
3. وثالثها: ما لم تأت نصوص شرعية بخصوصه.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الكلمة بين الهدم و البناء قال أمير البيان البشير الابراهيمي

مداني حديبي/ إذا لزم النقد فلا يكون الباعث عليه الحقد..و لكن موجها إلى الآراء بالتمحيص …