على بصيرة

في ذكــــرى إشراقــــــة النـــور

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/

أشرِق على قلوبنا، بأشعة أنوارك الدافئة – يا هلال يوليو- عساك تبدد بضيائك جراثيم الأحقاد، وتزيل من النفوس بعض ما زرعه المستعمرون الأوغاد.
وكما أشرقت في الخامس من يوليو عام 1962، فكنت الشعاع الذي اخترق الحجب والأوهام، وأزال من الحقول والعقول ما دفن من أسقام وألغام، نريدك اليوم – يا أيها العيد- الذي سجل الخروج من الظلام إلى النور، ومن الاستبداد إلى حكم الجمهور، نريدك أن تبقى ينبوع الضوء، ومنبع النور.

ها أنت تعود في ذكراك، يا يوم ولدت الجزائر من جديد، يوم إعلان الاستقلال الوطني، الذي سجل يقظة الحياة في وعي الأمة، تعود بعد عشرات السنين، لتختلف لديك المناظر، وتتبدل على عينيك أحداث الجزائر.
فعهدنا بالاستقلال أنه الإشراق الوطني على الشعوب، يدفعها إلى التحرر من عقدة التقليد للغالب من المغلوب، والانتظام على أساس النِّدية، ضمن نظام الكون العالمي المرغوب.
وعهدنا بالاستقلال الوطني أنه منهج يدفع إلى الارتفاع بالأضعف نحو الأقوى، وبالمدقع نحو الاكتفاء، وبالأمّي نحو اكتساب أنوار العلم والضياء.
فإذا أخضعنا تجربة نور الاستقلال الوطني في الجزائر للتحليل، تبين لنا أن هذا النور الكوني العظيم، لم يأت صدفة أو منة من أحد، وإنما هو ضريبة لم تقتصر على حامل السلاح في الجبل، ولا على الفدائي العابر للأحياء والسبل، وإنما الضريبة كانت ممزوجة بالأتراح والجراح، تحملها أيضا الذي آوى، والذي نصر، والذي قدم العون، وجسد الصون، تحمل الجميع الأذى، حتى بلغ الوعي المنتهى، فآذن ربك بتحقيق المبتغى.
هكذا يجب أن نقرأ التجربة الجهادية في الجزائر، لتحقيق الاستقلال الأسمى، وهكذا يجب أن يقرأ تاريخ الحصول على الاستقلال، جهادا وصبرا، واستشهادا ونذرا، وظلما وظلامية أعقبهما فجــرا.
لم يكن استقلال الجزائر منة من أحد، ولا هبة من أية جهة كما قلت، وإنما جاء الاستقلال تتويجا لسلسلة الجهاد الذهبية المتعاقبة، فالاستقلال مدين في إنجازه للثورة الشمولية التي كانت بمثابة البسملة بالدماء من سلسلة الجهاد الممتدة، الطويلة والعريضة، تميزت بآيات البطولة التي خلدت الجزائريين طيلة أحقاب من الزمن، فمن الله بتلك البطولات على الجزائريين بأن خصهم بأعظم أنواع الثورات في العالم، وميزهم بتأصيل الثورة، بأن كانت جهادا شموليا، شمل كل أنواع وأساليب التغيير النفسية، والعسكرية.
فإذا عدنا إلى إحصاء العوامل التي ساهمت في تحقيق نصرنا، وجدنا أن الاستعمار، وهو رجس من عمل الشيطان، قد ساهم بظلمه، وقمعه، وتعسفه، ومصائبه في جمع المظلومين، وإن المصائب يجمعن المصابين كما يقال:
جاء الاستقلال –إذن- بعد أحقاب من العناء والمعاناة، ليكون ابتلاء من الله للجزائريين، يميز به الخبيث من الطيب، والمفسد من المصلح، والثابت على الثوابت من المذبذب في المواقف، والحرباوي المتخذ من الاستقلال سلما لتحقيق المآرب، وخذلانا للمحارب، والمتأصل في حب الوطن، المؤمن حقا بمعنى استقلاله، لا مداهن ولا موارب.
واليوم إذ تدق طبول النصر إيذانا بذكرى عيد الاستقلال، وتلاوة الفاتحة على نصب الشهداء، عرفانا بتضحياتهم وانتصاراتهم، فإن من الدروس، والعبر التي يجب أن تستخلص، هي أن الاستقلال عقد للعزم، وتجديد للحزم، من أجل استئصال شأفة الاستعمار من العقول، بعد أن اقتلعت جذوره من الحقول، فما لنا لا نزال نرى مظاهر الاستعمار مرسومة على المحيط، والمخيط، وفي العبارة والإدارة؟ ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
[سورة البقرة، الآية: 85].
أليس من الوفاء للشهداء، أن نصون عهدهم، ونحفظ جهدهم، ونعمق في العقول مجدهم؟ أليس الشهداء هم السهام الرابحة في رأس مال الأمة؟ ﴿َمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾[سورة النساء، الآية: 78].
لقد أفتى إمامنا محمد البشير الإبراهيمي بأن الرضى بالاستعمار كفر، وموالاته أشد كفرا، فماذا نعتبر ما نقوم به اليوم من تفضيل ثقافة الاستعمار على ثقافتنا؟ وتفضيله في المعاملات الاقتصادية على مصلحتنا الوطنية؟
من هذه المعاناة، معاناة ما بعد الاستقلال يجب أن نمتحن الإرادة المميزة فينا، هل شملها الاستقلال، أم أنها لا تزال خاضعة للغزو، والإنسلاب، والاضطراب؟
وإذا كان من المأثور أن المدينة تنفي خبثها، فإنه بالقياس أيضا يمكن القول بأن الاستقلال هو الآخر «ينفي خبثه».
تلك هي رسالة كل مجاهد، وكل شهيد وكل مثقف ووطني مجيد، فالوطن لا يبنى بغير ترابه، وأسلابه، والاستقلال لا يحفظ بدون مساهمة من ساهموا في الكفاح لأجله والعمل على تحقيقه واستتبابه.
وإن أحوج ما تكون «الجزائر الجديدة» اليوم، التي نحن مدعوون إلى بنائها، هو أن تعيد النظر في قيم المنظومة التي إليها نسند مقاليد تسييرنا، والقوانين التي نطمئن فيها ضمان تحصيننا وتقويمنا..
فهناك تحديات كثيرة تواجهنا، وهناك ورشات عديدة، نحن مطالبون ببنائها وإعلائها؛ ولكن هذه التحديات وهذه الورشات، لا يمكن أن تبنى وتنجز إلا بالأيدي المتوضئة دينيا، والطاهرة وطنيا، والنظيفة اقتصاديا..
فإذا علمنا، أن «الجزائر الجديدة « قد قامت على أنقاض حقبة طويلة من الفساد والكساد، أدركنا أي إنسان مواطن يجب أن يستعان به للقضاء على آثار نهب العصابة، للتخلص من كل أنواع اللصوص والنهّابة.
في الجزائر اليوم، مواطن مريض في حاجة إلى العلاج، فإذا لم يضمن له الاستقلال الدواء، والغذاء، والغطاء، والشفاء، فإن الاستقلال سيبقى استقلالا منقوصا، وفي الجزائر أزمة اقتصادية من مظاهرها، البطالة، والعطالة، والعنف وكل أنواع الجرم والنذالة، فإذا لم نعالجها بالأنجع والأنجح من الأساليب، فإن احتفالنا سيبقى تمويها، وتمثيلا.
وفي الجزائر مدرسة لتكوين الأجيال لا تزال تبحث لها عن تحقيق الآمال، وضمان بناء الأجيال، وتقديم المنهج الأصلح في جدول الأعمال.
والجزائر بحكم موقعها ودورها، ومكانها، محاطة بالألغام على الحدود، وبجفاف الأودية والسدود، فمن يكفل للجزائر حمايتها من العدو اللدود، وإخصاب السهول، والبراري والنجود؟
إنها –إذن- جملة من التحديات الخطيرة تقف في وجه المنظومة السياسية، من النواب والحكومة الجديدة، التي نأمل أن تكون جديرة، وقديرة.
هكذا، ينبغي استقبال إشراقة النور في عيد يوليو المجيد، فنبدد به جحافل الظلم، والظلام، ونستعين به على اقتلاع العقبات والحواجز والألغام، كي نتمكن من التقدم إلى الأمام، وإلا فعلى الدنيا السلام.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com