الرئيسية | في رحاب الشريعة | فتاوى | دُيُونُ الفقيــــر تُســـدد من بيــــت مال الـمسلميــــــن

دُيُونُ الفقيــــر تُســـدد من بيــــت مال الـمسلميــــــن

الشيخ محمد مكركب أبران
Oulamas.fetwa@gmail.com/

قالت السائلة: توفي والدي وعليه دُيُون، ولم يترك مالا، وأنا ليس لي ما أسدد به تلك الديون، وما وجدت من ذوي الأرحام من يستطيع ذلك، فسألت إمام المسجد، فقال لي لا شيء عليه ولا عليكم، قالت السائلة: ولكني لم أطمئن على أبي، فما هو الحكم؟ جزاكم الله خيرا.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله.
أولا: الإنسان مهما كان يحاسب على الديون، ثم هنا فرق بين من استدان عن تهاون وإسراف، ومن استدان عن اضطرار وحاجة، ولكن الدين هو الدين يلام عنه المدين ويحاسب عنه يوم القيامة. وسمعتم في الخبر أن الشهيد يغفر الله لهم كل الذنوب إلا الدين. وفي الموطأ. كتاب الجهاد. باب الشهداء في سبيل الله. عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، صَابِراً مُحْتَسِباً، مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرٍ، أَيُكَفِّرُ اللهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: [نَعَمْ]، فَلَمَّا أَدْبَرَ الرَّجُلُ، نَادَاهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ لَهُ: [كَيْفَ قُلْتَ؟]. فَأَعَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: [نَعَمْ، إِلاَّ الدَّيْنَ. كَذَاكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ] (رقم: 1676) والله تعالى أعلم وهو العليم الحكيم.
ثانيا: من مات ولم يترك تركة وكان عليه ديون لمدينين هم في حاجة إلى حقوقهم وجب على ولي أمر المسلمين أن يدفع الديون من بيت مال المسلمين، بحكم واجب الأخوة الإيمانية والتكافل الاجتماعي، وبموجب الولاء العام بين المؤمنين. ففي الحديث عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَأُتِيَ بِمَيِّتٍ، فَقَالَ: «أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟» قَالُوا: نَعَمْ، دِينَارَانِ، قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:[ أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ] أبو داود.كتاب البيوع. بَابٌ فِي التَّشْدِيدِ فِي الدَّيْنِ. رقم: 3343) والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.
ثالثا: ينصح كل مسلم بأن لا يتساهل في الاستدانة أبدا، لا ينبغي للمسلم أن يكون متساهلا كلما احتاج شيئا ليوسع عن نفسه اقترض، ثم اقترض، ولم يفكر في العاقبة. فتدبر حتى الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدَّيْن، فالدَّيْن هَمٌّ بالليل مذلة بالنهار، وسبب في الشقاء. وفي الحديث عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: [نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه](الترمذي:1078) ومدلول هذا الحديث والتحذير من الاستدانة، يُفْهَمُ مع هذا الحديث الآتي: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله] (البخراري: كتاب الاستقراض:2387) والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.
رابعا: وجوب كتابة الدَّيْن. عملا بقول الله تعالى ﴿إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾(البقرة:282) قال القرطبي:{قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي السَّلَمِ خَاصَّةً. مَعْنَاهُ أَنَّ سَلَمَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ كَانَ سَبَبَ الْآيَةِ، ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعا. وقال القرطبي:{وَحَقِيقَةُ الدَّيْنِ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ مُعَامَلَةٍ كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فِيهَا نَقْدًا وَالْآخَرُ فِي الذِّمَّةِ نَسِيئَةً، فَإِنَّ الْعَيْنَ عِنْدَ الْعَرَبِ مَا كَانَ حَاضِرًا، وَالدَّيْنَ مَا كَانَ غَائِبًا}(3/377) والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

عن المحرر

شاهد أيضاً

معايير اللباس الشرعي للمرأة، وما اصطلح عليه بالحجاب

الشيخ محمد مكركب أبران Oulamas.fetwa@gmail.com السؤال قال السائل: (ك. ط.) من شرق الجزائر. أمَرْتُ الزوجة …