آفة الآفات

الشيخ نــور الدين رزيق /

من أخطر الآفات، وأكثرِها ضررًا على الفرد والجماعات والمجتمعات اتباع الهوى
إنه سبب من اسباب فساد الرأي والفكر والوقوع في التناقض، ولهذا حذرنا – سبحانه وتعالى – من طاعة صاحب الهوى لأنه يتكلم بغير هدى ويقع في الغفلة والعمى، قال تعالى: «وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا»[الكهف: 28] ولأنه لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما وافق هواه ولهذا ورد في الحديث الذي رواه حذيفة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والأخر أسود مُربادًّا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أُشرب من هواه» (رواه مسلم).
ولقد حذر الله تعالى الرسل والأنبياء من اتباع الهوى أو اتباع أهواء الذين ظلموا:
قال الله عز وجل: {يَٰدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيد بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ}(ص/26).
كان الشيخ أحمد سحنون عليه رحمة الله يقول:
«ولا تتبع الهوى وأحذر من مفارقة الهواء».
وقال الشاطبي: «أن اتباع الهوى من أسباب الاختلاف ووقوع الفرقة في الأمة ولذلك سمي أهل البدع» أهل الأهواء «لأنهم اتبعوا أهواءهم» (الاعتصام447).
كما انه يورث الكبر والعجب فيزري بصاحبه أمام الآخرين، لا سيما أهل الصدق والعدل، ويكون مستثقلاً عندهم ممقوتًا في نفوسهم لما يرونه فيه من المخالفة للحق والتكبر عن اتباعه وإعجاب صاحبه برأيه وهواه.
أنه مُهلِكٌ من المُهلِكات؛ لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «ثَلاثٌ مُهْلِكاتٌ: شُحٌ مُطاعٌ، وَهَوًى مُتَّبَعٌ، وإِعْجابُ المَرْءِ بِنَفْسِهِ»رواه البيهقي.
وقال ابنُ تيمية – رحمه الله -: (وَمَا أَكْثَرَ مَا تَفْعَلُ النُّفُوسُ مَا تَهْوَاهُ؛ ظَانَّةً أَنَّهَا تَفْعَلُهُ طَاعَةً لِلَّهِ).
ويبعد صاحبه عن الحق، ويجعله سببا فى تضليل الأخرين، وهذا جرم عظيم أن يكون المرء بهواه ضالًا عن الحق مُضلًا بالباطل: قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (المائدة: 77).
وهذا هو سبب الدمار والفساد، وعامل الضلال والشقاء الذي يعانيه المسلمون اليوم.. قال ابن القيم -رحمه الله-: «وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل.. وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلبٍ إلا استحكم هلاكه ولا في أمة إلا وفسد أمرها أتم الفساد»
ومن صور الأهواء المنتشرة في المجتمعات المسلمة.. والتي ولَّدت شراً كبيرا وفساداً عريضا – تغليبُ الأهواء في مجالات كثيرة؛ ومنها المجال الاقتصادي؛ فإن انقياد كثير من الناس وراء الشهوة دعاهم إلى اكتساب الأموال من أقبح وجوهها..الربا والرشوة والمحسوبية.
ورسولنا -صلى الله عليه وسلم- يقول في الحديث الذي أخرجه الشيخان: «فوالله ما الفقرَ أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسط الدنيا عليكم كما بُسطتْ على مَنْ كان قبلكم؛ فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم».
اللهم إنا نعوذ بك من الأهواء والأدواء، ومن سوء الاخلاق ومن مضلات الفتن.

عن المحرر

شاهد أيضاً

عندما تختل البوصـــلة

الشيخ نــور الدين رزيق * إن هجوم بعض الإخوة على إخوانهم لكونهم اتخذوا مواقف تخالفهم …