أعلام

في الذكـــرى الثانيـــة لرحيــــل الـمفكـــر الجزائــري محمد بن بريكـــــة/ هل قدر على هذه الأمة أن تنسى فضل علمائها؟

أ‌. عبد الحميد مرزوقي/

 

يصادف يوم العشرين من شهر جوان لسنة واحد وعشرين وألفين الذكرى الثانية لرحيل عالم من علماء الجزائر الذين أثروا المكتبة الاسلامية عموما والمكتبة الجزائرية تحديدا بعدة مؤلفات اهتمت بقضايا الفكر الاسلامي المعاصر وكذا بالتصوف والعرفان، إنه الدكتور محمد بن بريكة البوزيدي الحسني.

ولد العلامة سنة 1958 بمدينة الدوسن ببسكرة وبها حفظ القرآن الكريم والمتون بطريقة جزائرية أصيلة، وفيها أنهى تعليمه الابتدائي والأساسي لينتقل الى العاصمة وتحديدا الى قسم الفلسفة متخصصا في المجال الذي عشقه منذ صغره وهو مجال التربية والسلوك أي مجال التصوف فكانت ثمرة هذا العشق أن كانت كل رسائله الاكاديمية في التصوف الاسلامي وفيها أبدع وتفوق بشهادة جميع من درسه.
عيّن أصغر أستاذ جامعي في تاريخ الجامعة الجزائرية بقسم الفلسفة بجامعة الجزائر وعمره قارب الثاني والعشرين ربيعا، ليلج عالم الـتأليف من بابه الواسع فكتب موسوعة الطرق الصوفية في ستة عشر مجلدا وهي الموسوعة التي قد لا يحتمل كتابتها جملة من المؤلفين فضلا على انسان واحد، فان دل هذا على أمر إنما يدل على صبره وتفانيه في التدوين، كما كتب كتبا أخرى ولعل أهمها ”الكتاب الكبير في الثناء على النبيء البشير” وكذا موسوعة الحبيب، وجمهرة الأعمال الصوفية (7 أجزاء مطبوعة)، وكتاب ” سلسلة الاتحاف بمنازل الأشراف” في ثلاث أجزاء وغيرها من الكتب الاكاديمية القيمة التي يعود اليها كل باحث يشتغل على مجال التصوف في العالم الاسلامي قاطبة.
في هذا السياق كثيرا ما لاحظ طلبة العلامة بن بريكة حضوره المبكر الى قسم الفلسفة يوم تقديمه محاضرته الاسبوعية بل وأحيانا قد يأتي قبل البواب الذي يفتح بناية القسم، فلما سئل عن ذلك أقسم بأنه لم ينم طوال الليل يقرأ ويكتب ويؤلف، فلما أذن لصلاة الفجر صلى ثم استقل سيارته الى القسم مباشرة للتدريس في صورة تبرز جهد الرجل في الكتابة والتأليف ومحاولة افادة الاجيال المتعاقبة بدراسات معرفية دقيقة .
لاشك أن المؤلفات الغزيرة للبروفيسور بن بريكة حتمت عليه التواجد في الكثير من الملتقيات الوطنية والدولية محاضرا ومناقشا بعدة لغات باعتبار أن الرجل يجيد العربية والانجليزية والفرنسية كتابة ونطقا، فكان داعية الى الله بأسلوبه خاصة في البلدان الاوربية، هذا النشاط الدؤوب في العلم والمعرفة ألزمه كذلك بتقلد جملة من المناصب العلمية في العالم الاسلامي، فكان المرحوم عضو الاكاديمية العالمية للتصوف بالقاهرة، وعضوا مؤسسا للرابطة العالمية للتصوف بأندونيسيا، وكذا عضوا مؤسسا للمركز العالمي لحوار الاديان بالدوحة سنة2007، فضلا عن العديد من المناصب العلمية على المستوى المحلي والدولي والتي من خلالها رفع راية الجزائر تشريف.
نال المرحوم بن بريكة اعتراف من احاط به لجهده العلمي ولتفانيه في نشر المعرفة، حيث نال جائزة رئيس الجمهورية الجزائرية للبحث العلمي سنة 2012، كما تم تكريمه من طرف الرئيس التونسي الراحل مؤخرا القايد السبسي سنة 2016، كما نال الراحل جائزة شخصية العام التي تمنحها جامعة كولومبيا الأمريكية سنة 2017، وغيرها من الجوائز المحلية والدولية والتي من خلالها تم الاقرار بشيء من فضل الرجل وبمكانته المعرفية وابداعه العلمي.
إن المرافق للعلامة بن بريكة يدرك صدقا حجم الخسارة التي عرفتها الجزائر بفقدانه، كيف لا وهو العالم الذي كان ينافح دفاعا عن السلم والمؤاخاة ابان العشرية السوداء من خلال برامجه التلفزيونية محافظا على تعاليم الاسلام الوسطي المعتدل القابل للاخر والمحاور له، عالم حافظ على المرجعية الدينية للجزائر من خلال تفعيله لدور الزوايا الحقيقي ومحاربته للبدع التي التصقت بها، وكذا تجديده لعلم التصوف أكاديميا من خلال بعث أسس معرفية جديدة بدأت تدرس في الجامعات الجزائرية وكذا العربية الاسلامية .
غير أن اشكالات محورية ينبغي أن يطرحها كل أصيل مهتم بقضايا الفكر الجزائري قوامها: هل قدر على هذه الأمة أن تنسى فضل علمائها عليها؟ هل ملزم علينا أن نتجاهل تراث الأمير عبد القادر بحمله السياسي الجهادي/التراحمي المستوحى من الدين الاسلامي ونستورد لأبنائنا انجازات أعلام غيرنا ونقدمهم على أساس أنهم الفطاحل والاعلام؟ وهل يعتبر مشروع عبد الحميد بن باديس الاصلاحي غير كاف لبناء انسان متكامل الجوانب حتى نعجب بمشاريع فلسفية أنشئت في بيئة غير بيئتنا وفي ظروف غير ظروفنا؟ وهل مفروض علينا أن نتجاهل الميلي والابراهيمي وطالبي وقسوم وغيرهم من فطاحل الجزائر؟
للأسف لقد كان هذا هو القدر المحتوم للدكتور بن بريكة، فمنذ سنتين لم تحظ انجازاته المعرفية المهتمة بقضايا الفكر الديني المعاصر بأي اهتمام رسمي رغم أن الرجل ألف من التآليف مالا يستطيع جملة من الباحثين تأليفه مجتمعين، كما لم تقدم دراسات أكاديمية تليق بمقامه العلمي سوي اطروحتي ماستر واحدة بجامعة وادي سوف والأخرى بالمدرسة العليا للاساتذة بقسنطينة.
إن الرجل يعتبر رجل اصلاح وتزكية وفق منهج عرفاني محافظ على المرجعية الفكرية والدينية لوطننا الجزائرداعيا الى وجوب توظيف آليات تماسك المجتمع معززا لأواصل الترابط فيه، لذلك فمن واجب كل جزائري أصيل محافظ على أصالته وخصوصيته الجزائرية تفعيل واعادة بعث جهود علماء الجزائر الفكرية كل حسب مجاله من اجل استفادة تشمل جميع الجوانب الانسانية للفرد الجزائري.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com