مساهمات

قـــراءة فـــي فهـــم الواقــع والوعــــي بالتحديـــات بيـــن طلبـــة الأمـس وطلبـــة اليــــوم / دور الفكـــرة والوعــي بهـــا فــي صنــاعــة التــاريـــخ

محمود حرشاش */

يقول الشيخ عبد الحميد بن باديس :
يا نشئ أنت رجاؤنا وبك الصباح قد اقترب
خذ للحياة سلاحها وخض الخطوب ولاتهب
قد نختلف في كيفية تحقيق روح هذه الأبيات لكن لن نختلف أن المقصود في طياتها رسالة للطالب الذي صنع الثورة والمجد بالأمس، والذي يجب أن يؤمن بأنه صانع الحاضر والمستقبل اليوم، ولعل معركة وعي الطالب بواقعه وهموم أمته والتحديات التي يجب أن يخوضها من أجل ذلك هو أكبر تحد يواجهه اليوم أكثر من الأمس فإن كان الأجداد بذلوا الغالي والنفيس لتحرير الوطن فعلى جيل اليوم إكمال مسيرة تحرير الوعي والإرادة نحو صناعة مستقبل أفضل ولعل إدراك الراهن واللحظة التاريخية في الماضي تحتاج منا اليوم إلى إعادة النظر وفهم أفضل للحظة التاريخية التي نعيشها الآن بمختلف متغيراتها واستيعاب أفضل لحاضرها وإدراك ثاقب لمستقبلها وأمام هذا الإرث التاريخي الحافل بالأمجاد والتضحيات يجعلنا نقف أمام إشكالية تفعيله وإعادة إحياء قيمه وفعاليته في واقعنا الاجتماعي والتاريخي الراهن ويطرح أمامنا جملة من التساؤلات على رأسها ما المطلوب من طالب اليوم أمام طالب الأمس ؟ وما هي التحديات التي يجب أن يخوضها طالب اليوم من أجل تغيير واقعه وصناعة مستقبل مشرق لوطنه وأمته؟
طالب الأمس وتحديات التحرر
إن صناعة الوعي يحتاج إلى إرادة وتفعيل طاقات الشباب في تغيير الواقع وصناعة التاريخ لذلك يتضح التفكير الاستراتيجي والمحوري الذي قدمه الكثير من علماء وشيوخ هذا الوطن أمثال ابن باديس والبشير الابراهيمي وغيرهم من الذين وضعوا نصب أعينهم ضرورة الحفاظ على الانتماء التاريخي والحضاري لهذا الوطن ولهذه الأمة وغيرهم ممن اشتغل على ضرورة التحرر من التبعية الفكرية والسياسية والجغرافية للمستعمر، مما جعل دعوتهم إلى تحرير الفكر واضحة للعيان باعتباره مقدمة ضرورية لكل حركة تحررية منشودة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو عسكرية، وما تلبية الطلاب لنداء الثورة المجيدة إلا نتيجة لذلك الفكر والوعي القائم بالإيمان بهذه المبادئ وقناعاتهم بهذا الانتماء الروحي والحضاري والجغرافي، لهذا الوطن مستوعبين ومتجاوزين بذلك انتمائهم الحزبي أو الايديولوجي، مرتقين بوعيهم إلى مستوى إدراك القضية الحقيقية التي يعانونها وأن المشكلة ليست هي مشكلة سياسية أو اقتصادية إنما هي مشكلة وجود أصبح مسلوب الحرية والكرامة والإنسانية وأن هذا الوجود المهدد سببه الوحيد المستعمر الأجنبي، فلم يعد جدلهم قائم على القضايا الهامشية بل ارتقى وعيهم إلى مستوى الفكرة التي تحتاج إلى التحرر الذي أسس لوعي الثورة وصناعة التاريخ وأن ارهاصاته لم تكن وليدة لحظة أو محض صدفة بل كانت له إرهاصات تاريخية وحضارية منذ دعوات جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا الإسلامية مرورا بابن باديس والبشير الإبراهيمي وغيرهم ممن سعوا إلى تحرير العقل من التبعية إلى هذا المستعمر وأن وجودهم يختلف عن وجوده، فكان من الذين انتقلوا إلى الجبال هم طلبة الثانويات والجامعات متخليين بذلك عن المصالح الآنية والأنانية وعن طموحاتهم وآمالهم الشخصية أمام آمال وطنهم واسترداد كرامتهم، ولعل استشهاد الطالب عمارة رشيد وإحراق جثته واستشهاد الكثير منهم تحت آهات وبشاعة التعذيب للمستعمر الغاشم لتجل واضح لذلك الوعي والإيمان بتلك الرسالة المنوطة بهم والتي كانت من أجمل ثمارها استقلال وطنهم.
طالب اليوم ورسالة النهوض بالوطن
لعل هذه التضحيات تجعل طالب اليوم يتساءل ما هو دوره وما هي التضحيات التي يجب أن يقدمها أمام تضحيات زملائه بالأمس؟ ما هي التحديات التي يواجهها في لحظته التاريخية أمام اللحظة التاريخية لإخوته بالأمس؟
إذا كان طالب الأمس كانت غايته الأولى هو تحرير واستقلال وطنه فإن استكمال مسيرته بتحرير الوعي والإرادة منوطة بطالب اليوم وما تقتضيه مقتضيات الراهن من الخروج من الفهم والتنظير إلى الممارسة والعمل الواقعي ولعل للعمل الجماعي والتنافس العلمي والمعرفي والعملي وتشجيع بعضهم لبعض على التعاون وإتقان العمل وتنمية القدرة على الانسجام الاجتماعي وشعور الفرد بانتمائه واندماجه في الجماعة والانخراط في العمل المشترك لترقية مجتمعه باعتباره نخبته وقدوته الحقيقية من أهم الرسائل المنوطة به .
كما على الطالب اليوم أن يقوم بالعمل واستخراج أقصى ما يمكن من الفائدة من الوسائل المتاحة أمامه ومهما كانت قليلة أو متواضعة أو بسيطة، لأن هذه الواجبات الخاصة بكل يوم كما يقول أحد المفكرين الجزائريين الخاصة بكل ساعة وبكل دقيقة هي القادرة على بعث وصناعة التاريخ دون النظر إلى تلك الكلمات الجوفاء والمثبطة للنفس والعزيمة مع مراعاة الضابط الذي يربط هذه الأفكار بواقعها العملي ومحيطها الثقافي وإمكانية تحقيقها على أرض الواقع بعيدا عن انتظار الشعارات والساعات الخطيرة والمعجزات الكبيرة.
كما على طلبتنا التحلي بروح المسؤولية والتخلص من عقد جلد الذات والإحساس والشعور بالحاجة إلى الوصاية الدائمة للمنظومات العالمية، والميل إلى التقليد، فالتاريخ لا ينطلق إلا في اللحظة التي تستقر فيه هذه القيم في نفس الفرد وفي محيطه الاجتماعي
كما أن واجب طالب اليوم أن يحمل هم أمته في التطور العلمي والتقدم التقني والتكنولوجي والمعرفي بالإضافة إلى الانفتاح على الثقافة واللسان العالمي دون الانسلاخ من قيمه الروحية والتاريخية باعتبارها الحصن الذي يؤكد انتمائه الاجتماعي والحضاري إلى هذا الوطن.
رسالة إلى طلبتنا
كما ندعو في نهاية هذه الورقة جميع طلبتنا إلى الأخذ بمبادئ النجاح بمختلف وسائله وأدواته مع التشبث بقيمهم الروحية والدينية والوطنية وأن يؤمنوا بأن معركتهم هي معركة الوعي وأن التحدي الذي يواجهونه اليوم لا يقل عن تحدي إخوانهم في الثورة بالأمس إذا أدركوا أن ثورة الفكرة لا تقل أهمية عن فكرة الثورة وأن معركة العلم لا تقل أهمية عن معركة السلاح ولعل مقولة الأستاذ مالك بن نبي خير خاتمة لذلك فأمة تقرأ أمة لا تجوع ولا تستعبد وصلى الله على سيدنا محمد.

* باحث في طور الدكتوراه جامعة الجزائر2

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com