اتجاهات

عن العلمانية والديمقراطية والدعوة

عبد العزيز كحيل/

حُكمت الجزائر منذ الاستقلال بنظام علماني لم يترك لدين الأمة سوى عبارة «الإسلام دين الدولة»، أمّم بمقتضاها المساجد واستحوذ على الخطاب الديني واستثمر فيه لتمرير أطروحاته وإضفاء الصبغة الشرعية عليها كلما احتاج إلى ذلك في مواجهة العاطفة الدينية لدى الشعب، ثم جاءت سنوات المطالبة بتطبيق الشريعة لكن وقعت بعدها الانتكاسة وأصبح مطلب العقلاء هو بناء النظام الديمقراطي كأحسن حل متاح في الواقع، فأين نحن الآن من هذا التطور؟
1.حقيقة المشروع العلماني في الحزائر
العلمانيون مواطنون مثلنا لكنهم لا يحملون أي مشروع نهضوي خلافا لادعاءاتهم، فقد حكموا الجزائر بلا منازع منذ الاستقلال ولم يحققوا أي نهضة، بل يتلخص مشروعهم في ظل طغيان العولمة – كما يصرحون هم كأحزاب وشخصيات وفعاليات اجتماعية – في المدنية الفاسقة والجمهورية الفاجرة المؤسسة على نوع واحد من الحرية هو حرية الإلحاد والحرية الجنسية، إلى جانب الاستهزاء بالدين وإنكار الثوابت والقيم، ولذلك لو تسلموا الحُكم بصفة رسمية فإنهم ينقلوننا ليس من مجتمع محافظ متخلف إلى مجتمع متقدم بل إلى مجتمع إباحي متخلف… مناقشات المثقفين عندهم تدور حول حرية المرأة في جسدها وكذلك حرية الرجل في جسده، أي التخنث وأنواع الخروج عن الفطرة، وقد حققوا الكثير من مآربهم – أو على الأقل وضعوا أرضية لذلك – من خلال الاستحواذ على المنظومة التربية والمجال الإعلامي وزارة الثقافة.
هذا هو مشروعهم، ويريدون إقامته رغم أنف الأغلبية لأنهم ألِفوا وضع الأقلية الساحقة المتحكمة في أغلبية مسحوقة، أقلية تسمي نفسها ديمقراطية وهي تكفر بآليات الديمقراطية لأنها تخذلها كلما تمّ الاحتكام إلى الصندوق الشفاف والاختيار الشعبي الحر.
وفي هذا الصدد زاد من مأساتنا ذلك الخطاب الديني الجامد المتخلف الذي يجعل الإنسان ينسحب من معركة التدافع، يكره الكلام عن الحرية والعدل والكرامة، ويرى أن الأحادية والتمكين للاستبداد والخضوع له بدون تحفظ فروض دينية بنص القرآن والسنة!!!
نحن نرفض هذه العلمانية اللادينية التغريبية المتوحشة، ونؤمن بالمشروع الإسلامي الذي يجمع بين العبادة والمواطنة والرقي والتعايش السلمي وحكم الأغلبية وحقوق الأقلية، ولكن إكراهات الواقع تجعلنا ننحاز مرحليا إلى خيار النظام الديمقراطي ونستثمر فيه من غير أن ننسى مشروعنا الأصيل فضلا عن أن نتنكر له.
2. من المطالبة بتحكيم الشريعة إلى المطالبة بالديمقراطية
مهما تكن عيوب النظام الديمقراطي فهو أفضل ألف مرة من الدكتاتورية والحكم الفردي وحكم العسكر، وقد تميزت فترة السبعينيات والثمانينيات بمطالبة الجماهير المسلمة بأنظمة سياسية تطبق الشريعة، وشيئا فشيئا وبتخطيط رهيب من أعداء الإسلام وغباء بعض طوائف الإسلاميين نسينا هذا المطلب وأصبح أكبر همّنا العيش في نظام ديمقراطي، وهذا مطلب مرحلي مشروع، لكننا نريد النظام الديمقراطي لا نظام الواجهة الديمقراطية، نريد الديمقراطية الصحيحة التي فيها التعددية الحقيقية والفصل بين السلطات والانتخابات النزيهة والتداول على السلطة وتوفير الحريات الفردية والعامة واحترام حقوق الإنسان وخاصة خضوع الأقلية للأغلبية وليس العكس، هذه الآليات الديمقراطية كفيلة بإتاحة الفرصة لتنافس المشاريع والبرامج السياسية ليفسح المجال لمن يختاره الناخبون بحرية، ثم يجددون فيه الثقة أو ينزعونها منه، سواء كان حزبا أو شخصا…والبديل الديمقراطي لا يمكن أن يقوم على الترقيع بل يحتاج إلى الانطلاق من قواعد سليمة ببرامج وشخصيات ذات مصداقية تقترح البدائل لا الأوهام …لم ننس المشروع الإسلامي ولن ننساه لكن التوازنات الداخلية والدولية تقتضي الاحتكام إلى أقرب الآليات إلى تجنّب المواجهة العنيفة والفوضى، وإلى حسن تسيير المجتمع وما يميزه من اختلافات وتجاذبات أيديولوجية وسياسية، وهذه الآليات هي الديمقراطية، وإذا لم نستطع اليوم إقامة دولة الشرع فلا أقل من إقامة دولة العقل لتوفير أجواء الحرية والتدافع السلمي وإرساء آليات الحياة السياسية الطبيعية كالتي تنعم بها الدول المتقدمة…فهل يتحقق لنا ذلك؟
3. فشلت السياسة فلْنعدْ إلى الدعوة
توفير البديل الديمقراطي يقتضي الاستثمار في السياسة وممارستها على جميع الأصعدة، ضمن منظومة الحكم وفي المعارضة وبالممارسة الانتخابية، لكن لابد من التسليم بهذه الحقيقة المرة: فشلت الممارسة السياسية عندنا فشلا ذريعا…حتى النظام الديمقراطي صعب المنال في فضائنا العربي، وقد أعلنت العملية السياسية فشلها الذريع لافتقارها أساسا إلى المصداقية بسبب الترقيع وعدم توفر آليات النزاهة بل حتى نية التغيير ذاتها كما تؤكد القرائن، وكما فهمت الشعوب بعد عقود من التجارب الميدانية.
لقد قالت الصناديق كلمتها بوضوح: الشعب لا يؤمن بهذه السياسة ولا ينخرط فيها ولا يعيرها اهتماما، فما العمل؟ التمادي في تجاهل الواقع؟ العيش مع الأوهام باسْم التفاؤل؟ البديل بالنسبة لكل محبّ لدينه وبلده وأمّته– سواء الأفراد أوالتنظيمات – هو إحياء الدعوة إلى الله لإصلاح الفرد والأسرة والمجتمع، هو تغيير حال القلوب والعقول والسلوك، وذلك بإحياء معاني الربانية وأخلاق الإخلاص والرحمة والمحبة والتعاون، من خلال إعادة الروح لحلقات الذكر ودروس التفسير والحديث والسيرة والرقائق، والتركيز على إنقاذ الشباب من الضياع الممنهج ليعود الذكور إلى الرجولة والإناث إلى الأنوثة، وتتوضّح الرؤى، هكذا يصلح الإنسان وبصلاحه يستقيم كل شيء.
أجل، هذه خطة طويلة شاقة تحتاج إلى صبر وثبات ووقت طويل لكنها أفضل من تضييع مزيد من الجهود والأوقات في أساليب أثبتت فشلها…أنا هنا لا أفكر بمنطق السياسي لكن بمنطق المصلح، والاشتغال بالدعوة لا يعني إلغاء العمل السياسي أو الحزبي لكنها مسألة أولويات، وها نحن نرى ماذا جنينا من الانغماس في السياسة وترك الدعوة، بينما كانت الصحوة تبشر بثمرات تربوية واجتماعية يأتي معها صلاح المجتمع… فلْيعد العلماء والأساتذة والطلبة الملتزمون إلى حياض الدعوة، ولْيستثمروا المساجد والمنتديات وفيسبوك ويوتيوب في الدعوة إلى الله، ولتقم جمعيات دعوية بتكثيف الدروس والمحاضرات والمخيمات الصيفية والمهرجانات الدعوية وأنواع الأنشطة المماثلة لاستقطاب الأطفال والشباب من الجنسين بالدرجة الأولى، واستنهاض الأمة التي لا يزول منها الخير أبدا، فإذا نجحنا في هذه المهمة استقامت السياسة واستقامت أحوال المجتمع…فمن يبدأ؟ كالعادة سينطق المثبّطون، لكني أنتظر أن ينطق أصحاب الهمم العالية المتحرقون على دينهم وبلدهم وأمّتهم، وأن يبادروا.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com