أعلام

الــمربـــي الشاعــــر مفتـــاح بشيــــر صفحـــــات من حياتــــه ونضالــــه الثقافــي

عبد الكريم قذيفة/

ولد الشاعر والمربي الفاضل مفتاح لخضر المدعو بشير بمدينة بوسعادة سنة 1950م.
التحق في صباه بالكتّاب، حيث حفظ كتاب الله كاملا على يد شيخه (شميسة بلقاسم)، كما حفظ بعض المتون منها (متن بن عاشر، الأجرومية، جوهرة التوحيد).
التحق بالمدرسة الابتدائية، في مدرسة سيدي ثامر حاليا (شالون سابقا) حيث تعرف على اللغة الفرنسية التي أحبها، لكن ذلك لم يسلبه حبّه للغة العربية التي تعلق بها في الكتاب، وقرض الشعر بها في سن مبكرة.
فقد والديه وسنه لم يتجاوز 15 سنة، فكفلته أخته الكبرى التي حرصت على توفير كل الظروف الممكنة لأخيها حتى يواصل تعليمه.
أكمل دراسته إلى غاية المرحلة الثانوية، حيث التحق بدار المعلمين ((École normale التي تخرج منها معلما للغة الفرنسية، وفي تلك المرحلة بدأ كتابة الشعر باللغة الفرنسية.
عاد إلى مدينته بوسعادة، التي درّس بها اللّغة الفرنسية، وبعد حصوله على شهادة الباكالوريا التحق بالمدرسة العليا للأساتذة ببوزريعة، وتخرج منها أستاذا في الأدب سنة 1973م .
إلى جانب الشعر والمسرح، كانت له هواية الرسم والنحت التي كان يلجأ إليها بين الحين والآخر، وأعماله فيهما موزعة بين أهله وأصدقائه.
ولعل من اللافت في سيرة الشاعر مفتاح بشير أنه جمع في شخصيته بين حبّه للأدب وكتابة الشعر، وبين الرياضة التي كانت بالنسبة له هواية ونمط حياة، فقد كان أحد الرياضيين المعروفين محليا في رياضتي كمال الأجسام والجيدو، كما كان ممارسا لرياضة اليوغا، ولاعبا بارعا في كرة اليد، وقد مارسها لاعبا لفترة في فريق أولمبي المدية لكرة اليد.
عين أستاذا للأدب العربي في الجزائر العاصمة لفترة، ثم انتدب ضمن بعثة للتدريس في فرنسا، حيث أمضى بها خمس سنوات أستاذا بمدينة مرسيليا.
تزوج سنة 1974م بإحدى بنات بلدته، وقد رزق منها بأربعة بنات وولدين.
قضى سنوات عمره في سلك التربية والتعليم، أستاذا ثم مديرا لمتوسطة إلى غاية حصوله على التقاعد سنة 2002م.
بعد تقاعده، بقي قريبا من المحيط الذي قضى سنوات شبابه وكهولته فيه، ورغم المرض والإرهاق، إلا أنه ظل حاضرا في مختلف التظاهرات التربوية والثقافية، شاعرا ومحاضرا ومساهما بأوجه عديدة في إثراء تلك الأنشطة.
انتمى إلى العديد من الهيئات الثقافية، كاتحاد الكتاب الجزائريين الذي أصبح عضوا فيه منذ عام 1981م، ثم نال عضوية الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، وعضوية الإتحاد الوطني للفنون الثقافية.
حظي بفرصة تمثيل الجزائر سنة 2002م في قافلة ثقافية للسلام جابت كلا من سوريا والعراق ومصر.
أما محليا، فقد وجد ضالته في جمعية بسكر لثقافة الطفل ببوسعادة، والتي تقاطعت أهدافها مع ما نذر حياته لأجله، المساهمة في التربية والتكوين وتهذيب سلوك الفرد والمجتمع.
برع في كتابة الشعر الوطني والتربوي، فتغنى بأمجاد الجزائر، وكتب للطفولة والطبيعة، وتعددت في ذلك لغات كتاباته، فإلى جانب اللغتين العربية والفرنسية كما ذكرنا آنفا، كتب الشعر الشعبي أيضا وأجاد فيه.
وقد تلقف أساتذة الموسيقى كلماته، فلحنوها وأدوها رفقة التلاميذ في كل المناسبات الدينية والوطنية، سواء داخل المؤسسات التربوية أو خارجها، كما اعتمدت بعض نصوصه ضمن مناهج وزارة التربية.
ساهم بمبادرة منه في تأليف العديد من الأناشيد الهادفة، وتعاون في تلحينها مع نخبة الفنانين المحليين من أمثال الفنان مصطفى زميرلي الذي شكل معه ثنائيا فنيا ناجحا، والفنان محمد لعراف وغيرهم.
كما ألف العديد من الأوبيرات الغنائية والنصوص المسرحية والسكاتشات، قدم معظمها في النشاطات والمسابقات المدرسية التي كانت تقام محليا وولائيا، وقد حظيت معظم أعماله بإشادات من المسؤولين عامة وأهل التربية بصفة خاصة.
ألف في الشعر العمودي عدة مجموعات من بينها: “إشارات”، “غلال من أرض النضال”، “ظـواهر وطباع”.
وله في الشعر الشعبي مجموعتان شعريتان، سجلت بعض قصائدهما كأغاني في الإذاعة الوطنية.
وألف باللغة الفرنسية مجموعتين شعريتين نشرتا بفرنسا، الأولى بعنوان: «Sentiments versifiés»، والثانية حملت عنوان: Mélodies».
كما قام بترجمة وتعريب 24 نصا شعريا أجنبيا لكبار كتاب العالم من أمثال: (لافونتين- فكتور هوجو، سولي بريدوم، والشاعر الإنجليزي كيبلينغ..) ضمنها مجموعة شعرية موجهة للأطفال.
ومما قاله فيه أصدقاؤه وتلاميذه:


سعيد حبيشي (مرب ومهتم بالثقافة):
عشت معه الطفولة بنفس الحي، كان منذ صغره شغوفا بالشعر وباللغة العربية، حافظا لكل نص باللغتين خاصة في المسرح، كان مرحا يحب اللعب والتمثيل أثناء اللعب، كان مثقفا موسوعة، منكرا لذاته، ولمصالحه الخاصة، ولعل من أجمل وأثمن ما تركه لنا كتابه باللغة العربية (ترجمة قصائد لافونتان) الموجه للأطفال. رحمه الله.
إبراهيم صالحي (شاعر وأستاذ جامعي):
تتلمذت على يديه سنة 1981/1980م، كان من أحبّ الأساتذة إلى قلبي، طيّب القلب، يبثّ في تلاميذه حيويّة غريبة وحماسا في التعامل مع المعلومة، وكان ذا مَلَكَة فريدة في قول الشعر، يجري على لسانه عذبا سلسا، و قد عرفتُ أول ما عرفتُ معنى الارتجال في الشعر لديه…أذكر مرّة أنّ فتاة غنّت بصوت عذب جميل على رأس فرقة في قاعة الشيخ النعيمي القديمة، وبمجرد انتهائها، أمسك الميكروفون وخاطبها مرتجلا:
صبيّة مثلها ما كان في نظريصوت أحنّ على سمعي من الوتر
سلوا قلوبكم هل هزّها نغـمأم هل تبقّى لها بالصدر من أثــر
فإنّ لحنا كذا قد هزّ سامعه تهتزّ أفئدة أقسى من الحــــجر
كان من حفظة كتاب الله، يؤم الناس في صلاة التراويح، كما كان رياضيا ماهرا يحمل الحزام الأسود في رياضة الجيدو، وقد عرفت لاحقا أنه يجيد كتابة الشعر بالفرنسية، فكتب بذلك قصائد لحّنها الملحّنون وغنّاها من غنّاها.
محمد بن حوحو (إطار متقاعد وناشط ثقافي):
كان مربيا متميزا ومثقفا ناشطا وشاعرا ملتزما، من طينة المُلهَمين، حارب الجهل ببسالة وزرع البسمة عند الصغار والكبار، كما صارع المرض بصمت وثبات، هو أول من ترجم “حكايات لافونتان” الفرنسي إلى اللغة العربية، فقدنا فيه قامة معطاءة في الاجتهاد التعليمي والتثقيفي، خاصة في مجال ثقافة الطفل.
نور الدين العبادي (رئيس جمعية بسكر لثقافة الطفل):
عرفته منذ 1972 ، كان أستاذا متميزا مزدوج اللغة، يتمتع بكفاءة تربوية عالية، ملتزما ومثابرا يجهد نفسه في إيصال المعرفة لتلاميذه، متطوعا في كل النشاطات الثقافية و الترفيهية داخل و خارج المؤسسة، وبعد تقاعده أصبح مؤطرا لجمعية عيسى بسكر حيث نشط ورشة المسرح. وقد قدم عدة أعمال مسرحية للأطفال..كان عطوفا سخيا على أسرته يحب الخير للآخر، برحيله فقدت المدينة أحد أعمدتها، ورائدا من رواد الشعر فيها.
توفي رحمه الله بتاريخ 22 فيفري 2013م بعد معاناة ومقاومة طويلة مع المرض الذي لم يهزمه ولم يوقفه عن نشاطه إلا أياما قليلة قبل وفاته.
المصادر والمراجع:
ـ سيرة الشاعر، تضمنها ديوانه (نبض الصور).
ـ شهادات عائلته وزملائه.
ـ لقاء خاص معه في بيته سنة 2006م.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com