مقالات

التعلم مدى الحياة مبدأ في التربية المعاصرة وتعليم التعلم شعار التربية الحديثة

د.خالد شنون *


لقد شكل البحث في التربية والعملية التعليمية التعلمية ومواقف التعلم الفعال اهتماما كبيرا لدى الخبراء والمربين، حيث لا تزال المخابر تعمل على الوصول إلى تعلم وتعليم بعيد الأثر لا يزول في زمن قصير، تعليم يقوم على مراعاة كل المتغيرات المحيطة بالمدرسة والمتعلم، تعلم يسعى لفهم وضبط وتحبيب التعلم لدى النشء، وفي ظل ذلك كله ظهرت اتجاهات معاصرة ومفاهيم عززت هذا التحول، ومنها التربية المستمرة وتعليم التعلم، حيث يذكر أن التعلم مدى الحياة يرتبط بتحصيل العلم مدى الحياة وبدافع ذاتي لأسباب شخصية أو مهنية، حيث لا يرتبط التعلم بمراحل معينة وينتهي في زمن محدد أو في غرف الدراسة فقط، بل يتجاوز أسوار المدرسة ليكون للتعلم اسقاطات في كامل مجالات الحياة، ومن ثم يتكون شعور اجتماعي واع بتحدي التربية الحديثة القائمة على مشاركة كل الأزمنة في تحصيل الكفاءات لدى النشء.
وعليه فالمراد من التربية المستمرة هو التأسيس لفكر تربوي تحرري لا يقيد بما يتلقاه المتعلم بالمدرسة بل يتعداه إلى عدم التوقف عن التعلم وأخذ الخبرات والتجارب حتى خارج المدرسة، ومن ثم جعل المتعلم لا يؤمن بالتوقف عن التعلم، خاصة وأن ديننا ينص على أن التعلم وطلب العلم لا يتوقف حيث يتوجب طلب العلم من المهد إلى اللحد حيث تنتهي حياة الإنسان.
ويذكر أن التعلم مدى الحياة ارتبط بالتربية المستمرة والتربية الدائمة والتعلم المستمر حيث يذكر أن العالم جون ديوي، تطرق إلى هذا النوع من التعلم باعتباره التعلم الحقيقي الذي يأتي بعد الخروج من المدرسة، حيث لا يوجد مبرر لتوقفه.
ويذكر أن فكرة التربية المستمرة نوقشت فلسفيا باتجاهين حيث هناك من يرى بأن المدرسة والمناهج لابد أن تكون شاملة للحياة كلها باعتبار التربية مدى الحياة تعبر عن هذا الاتجاه، وهناك جهة أخرى رأت بأنه من الضروري توفير مدارس ومؤسسات تعليمية تمكن من التعلم مدى الحياة وحتى في مراحل متقدمة من العمر حتى يستطيع المجتمع إدارة شأن التربية المستمرة وقياس مدى فاعليتها في تربية النشء بمعايير محكمة.
ويبقى أن التربية المستمرة مدخل كبير لبناء فرد الغد، حيث لا يمكن للمدرسة أن تستوعب كل مستجدات الحياة من المعرفة والاختراعات، مما يجعل من التربية والتعلم المستمر خارج أسوار المدارس مكملا وضرورة لتحقيق كفاءات عالية وبعيدة الأثر ومن ثم تربية معاصرة ترفع التحدي.
لعل الحديث على التعلم مدى الحياة والمستمر كأساس في بناء المناهج التعليمية بل ومشروع اجتماعي وتربوي واعد يقودنا إلى الحديث عن التعلم خارج أسوار المدارس، حيث يشار إلى ما يسمى بتعليم التعلم وهذه الأخيرة تعبر على صقل مواهب المتعلمين وقدراتهم بعمليات التعلم الناجحة من أنماط واستراتيجيات تجعل الفرد يتمكن من التعلم ويبنيه بسهولة، حيث يعبر تعليم التعلم على تمكين الأفراد من طرائق تسهل عليهم تحصيل المعرفة وتحليل المواقف التعلمية ومع التجربة يصبح المتعلم مستقلا قادرا على التعلم بمفرده.
وتعليم التعلم ينطلق من كيفية التعلم، طرائقه واستراتيجياته وسبل تيسيره على المتعلم، هو إحدى الإجراءات الميسرة للفعل التربوي بشكل كبير حيث تجعل من المتعلمين قادرين على خوض تجارب التعلم واكتساب الخبرات بمفردهم، وبفاعليه حيث ليس كل متعلم يمتلك نمطا تعليميا يجعله قادرا على التحرر التعلمي، وهنا يجدر الإشارة إلى التوجيه والإرشاد الضروري في مثل هذه المواقف، حيث أضحى التعلم يحمل مسؤولية كبيرة لصاحبه، وليس طبيعيا أن نتحصل على شهادات عليا أحيانا في تخصصات علمية ومعرفية ولا نتحمل مسؤولية تعلماتنا في التخصص.
لا شك اليوم أن الكثير من المتعلمين في المدرسة، وفي التعلم يعانون في مجال التحصيل والانتباه من خلق فرص التعلم الفعال، والسبب يعود إلى أنهم لم يتمكنوا من اكتساب أنماط تعلمية فعالة لتوظيفها في العملية التعليمية التعلمية، ومن ثم يكون تعليم التعلم ضرورة لمساعدة المتعلمين الذين يختلفون حسب قدراتهم وبيئاتهم وظروفهم النفسية والصحية عامة.
وعليه فالتربية المستمرة أو التعلم المستمر وتعليم التعلم هما إحدى مدخلات التربية المعاصرة القادرة على بناء جيل الغد، جيل قادر على مواكبة أي تغير في المستقبل والتكيف مع أي مستجدات بل قد يسهم في ميلاد نشء مبتكر ومبدع في المجتمع.
وعليه فطبيعي أن يكون للتربية إصلاحات متواترة، تراعى فيها التصورات الحديثة للمناهج والكفاءات ذات الطابع العلمي والعملي، كما أنه من الطبيعي جدا أن تنشا خلايا البحث العلمي التي تؤصل لعلمية المناهج ومتابعة تطبيقاتها، والتدخل لتذليل صعوبات تطبيقاتها لتحقيق أهداف التربية في بناء المجتمع ..
* أستاذ علم النفس التربوي والقياس النفسي بجامعة الجزائر 2

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com