الرئيسية | مساهمات | لـماذا يرفــــع ماسنيســــا دون ســــــواه…؟

لـماذا يرفــــع ماسنيســــا دون ســــــواه…؟

أ. عادل بن جغلولي

لا شك أن للتاريخ أهمية قصوى في حياة الأمم إذ يعتبر بمثابة الدليل الذي تهتدي به الشعوب وتستمد منه قيمها ونضالها، لذلك لما كتب الشيخ مبارك الميلى كتابه الرصين الموسوم باسم تاريخ الجزائر في القديم والحديث قدم له العلامة ابن باديس ومن جملة ما علق به على هذا الكتاب الفذ قوله: وقفت على الجزء الأول من كتابك تاريخ الجزائر في القديم والحديث فقلت لو سميته «حياة الجزائر» لكان بذلك خليقا.. إلى أن يقول: أخي المبارك إذا كان من أحيا نفسا واحدة فكأنما أحيا الناس جميعا، فكيف من أحيا أمة كاملة؟

أحيا ماضيها وحاضرها وحياتها عند أبنائها حياة مستقبلها…أي نعم فقد أدرك الشيخ العلامة ابن باديس إن تاريخ الأمة هو حياتها ..حياة حاضرها ومنهج مستقبلها…
ولما كان للتاريخ هذه المكانة الهامة أولى أعداؤنا له جانبا مهما من دراساتهم المعمقة ليس لمعرفة حقائقه وإنما من باب قلبها وطمسها وتلبيسها، وقد شيدوا في سبيل ذلك معاهد وجامعات وأقاموا دراسات وأبحاث وهي ما يطلق عليها بالدراسات الاستشراقيه لجعلنا أمة بلا تاريخ، ولا هوية، ولا انتماء، فيسهل عليهم اقتيادنا أنى شاؤوا لنصبح كمثل تلك الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار…وقد نجحوا إلى حد ما في ما خططوا له في ظل غياب النخبة من جهة وجهل الناس بسبب سياسة الاستعمار من جهة ثانية، وقد استهدفوا الجزائر بصفة خاصة لما أرادوا أن ينزعوا جذورها التاريخية الضاربة في أعماق التاريخ الإنساني حتى خرج أحد تلاميذ هذه المدارس -الذي تراجع فيما بعد – ليصرخ بأعلى صوته: بحثتُ في التاريخ، وسألت الأحياء والأموات، وزرت القبور، فلم يحدثني أحد عن هذا الوطن»….
إن عملية تزوير التاريخ أسهل بكثير من إعادة تصحيحه خاصة إذا طال الزمان وانطبعت تلك المفاهيم الخاطئة وأصبحت من المسلمات في ظل سكوت النخبة وجهل العامة، ومن بين ما أثير ويثار مثلا مسألة تحويل التحالف الجزائري العثماني الإسلامي لطرد الغزو الإسباني الصليبي كما ذكر الأستاذ الهادي الحسني !!!! .. رواد هذه المدرسة هم رفعوا ماسينيسا وحولوا تحالفه مع روما وترسيخ بناء الدولة النوميديه على أساس هذا التحالف الذي تم بموجبه القضاء على دولة قرطاجنه وتدميرها عن بكرة أبيها حولوه إلى إنجاز يفتخر به وتنصب لهذا الزعيم النصب المخلدة، فيما لا نجد ذلك الاهتمام لمن قاوموا الغزو الروماني كيوغرطا وتكفاريناس وغيرهم ..، يقول صاحب كتاب فتح العرب للمغرب محمود شيت خطاب…: وعند مقارنة حكم القرطاجنيين بحكم الرومان نجد أن القرطاجنيين كانوا يعتبرون المغاربة إخوانا لهم، لأنهم أبناء عمهم، وقد استفاد المغاربة من القرطاجنيين ومن الفنيقيين من قبلهم، فلما انتهى عصر قرطاجنة كان المغاربة متقدمين في القوة والحضارة، وورثوا عن قرطاجنة كثيرا من المدن، وتعلموا عنهم أنواعا كثيرة من العلوم، وفي عصر الرومان، خسر المغاربة ما قد اكتسبوه من حضارة في عصر القرطاجنيين، لأن الرومان كانوا يعتبرون المغاربة عبيدا لهم: لا يحترمونهم، ولا يريدونهم أن يتعلموا من الحضارة شيئا، لهذا كان احتلال الرومان للمغرب خسارة عظمى أصابت المغاربة…-انتهى كلامه-
وهاهو الأستاذ الشيخ عبد الرحمن الجيلالي يذكر ما لحق بدولة قرطاج فيقول :…وحاصروها لمدة سنة ..وتكرر الهجوم من الرومان والبربر على المدن والعواصم فخربت البلاد وهدمت الأسوار وسبيت النساء والذراري وتمزق القوم شر ممزق…إلى أن يقول وجاءت أمة روما بعدهم فقضت بدافع الحقد والضغينة على جميع هذه المدينة الزاهرة وأتعبت نفسها في ذلك فأضاعت جميع الآثار التي كانت تدل ببهجتها على ما للقرطاجنيين من الرقي والتقدم في الحضارة… ص 29-30…وبعدما ذكر خصال ماسنيسا من القوة والشجاعة إلا أنه لم ينف عنه تبعيته المطلقة لروما فيقول: وكان ماسنيسا هذا حريصا على ربط صلته بالرومان واليونان ابتغاء وصوله إلى الغاية التي يرمي إليها من القضاء على نير قرطاجنة فكان له ما أراد..-ص 84- من كتاب تاريخ الجزائر العام- ..
** لماذا تحالف ماسينيسا مع روما …؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال لابد أن نشير إلى طبيعة حكم قرطاجنة وعلاقتها مع سكان شمال إفريقيا، يقول الشيخ مبارك الميلي: ليس لقرطاجنة مطامع استعمارية -بالمعنى العصري- في بربر الجزائر لم تكن تخدعهم بالوعود الكاذبة أو تمنيهم الأماني الباطلة فتتظاهر بأنها جاءت لخيرهم، وإنما تحكمهم ريثما يصيرون قادرين على إدارة شؤونهم رشداء في تصرفهم، ثم تقلع عنهم، وتنفض يدها في التحكم فيهم ريثما بلغوا تلك الغاية، وقد عاب على هذا الخلق السامي -ستيفان اغسال- ونقل كلامه بيروني وهاك ترجمته : روما ملكت أوطانا شاسعة ومع ذلك عرفت كيف تحفظ سيادتها فالمكان الذي تنتصر فيه تحصنه بالجنود …وقرطاجه عكس ذلك متى ملكت ناحية لا تحصن مركزها فيه،.. إلى أن قال: فلو شاءت قرطاجنه أن تكون من إفريقيه دولة ثابتة لسهل الأمر عليها ولكنها فرطت في الاستثمار والاستغلال (مبارك الميلي،كتاب تاريخ الجزائر في القديم والحديث ج1 ص 162)
-طبعا هذا المؤرخ الأوربي ينظر بنظرة استعمارية- ليعلق عليه الميلي: وأن يعيب على قرطاجنة تفريطها في استغلال البربر فإنما يعيب عليها أصحاب المطامع الاستعمارية، أما من لم تدنس عقولهم بتلك المطامع فإنهم لا يرونه عيبا بل يعترفون بفضل أعمالها العمرانية وما أحسنت به إلى بربر الجزائر من جلب البضائع لوطنهم وتعليمهم الحرف والصنائع . .( مبارك الميلي،كتاب تاريخ الجزائر في القديم والحديث ج1ص 162)
أما عن تحالف ماسينسا مع روما ولكي اختصر وأختزل فقد كان ماسينيسا وأبوه غولة حليفا لقرطاجنة ضد صيفاقس وبعدما انتصر غولة على سيفاقص لم تهدأ الأمور بين ملوك البربر خاصة بعدما توفي غولة أعقبته ثورة مزوطيل لم تتدخل فيها قرطاجنة غضب ماسينيسا وخالف قرطاجنة وحالف رومة (المرجع السابق بتصرف)
في الحقيقة لا أريد الخوض في أسباب تحالف ماسنيسا مع الرومان وهدمه لقرطاحنة وتدمير لحضارة علمت البشرية معنى التمدن والتقدم والرقي فهو ليس محور حديثنا ولربما هي سياسة رأى فيها إضعاف قرطاجنة ليتسع ملكه ويسيطر على جميع الشمال الإفريقي لكن هيهات أن يستقر له الأمر بعد هدم قرطاجنة فروما لم تكن حليفا وديعا يترك لماسينسا يفعل ما يريد حتى قال بعض المؤرخين لو قدر له أن يعيش خمسين أخرى لحارب الرومان أيضا مثل ما حاربها يوغرطة ….
كما لا أريد الخوض في جدلية هل هو خائن عميل أم حليف يريد العز لمملكته وقومه لكن الأكيد أنه كان حليفا قويا جدا لروما فكان يعينها في حروبها خلف البحار بالرجال والأفيال والحبوب، يرسلها مع أبنائه ليتعرفوا إلى الرومان ويقفوا على طبائعهم في وطنهم وسياستهم في عاصمتعم.(مبارك الميلي، كتاب تاريخ الجزائر في القديم والحديث ج1ص 180 -بتصرف-) .
وإنما أردت أن أدلل على أن هناك تيار ما يدفع بالأمة إلى النظر للتاريخ من زاوية أن الجزائر وشمال إفريقيا بصفة عامة لها وجهة غربية أكثر منها مشرقية ولتعرفنه في لحن قول القوم، وغير بعيد ما صرح به وزير الخارجية الجزائري في عهد نظام بوتفليقة مراد مدلسي حينما قال: «لو كان للتاريخ منحى آخر لكانت الجزائر عضوا كاملا في الإتحاد الأوروبي»
هذا التيار ذو البوصلة الغربية وهو في الأصل مسمار جحا فرنسا كما وصفهم الأستاذ الهادي الحسني في قوله: ولكن فرنسا لا تصبر على المكر الخسيس والكيد الرخيص، ولذا عندما أجبرها الشعب الجزائري على أن تولي الأدبار، فكرت في ترك «مسمار جحا»، لاستعماله في وقت الحاجة…كان هذا «المسمار» هم من سماهم الإمام الإبراهيمي «أولاد أحباب فرنسا». ( الآثار. ج5. ص 122 )، ومن سماهم الدكتور أحمد بن نعمان «حزب البعث الفرنسي في الجزائر»..-مقال الفرنسة ..داء الجزائر الشروق اليومي 16/مارس/ -2020 .
هذا التيار هو من لا يريد التكلم أو إظهار من عادى الإستعمار الروماني وقاومهم وقهر جبروتهم، لماذا لم يبن ليوغرطا أو تاكفريناس أو بيداس مايخلدهم وبني لماسينيا؟ يقول الأستاذ الشيخ عبد الرحمن الجيلالي: وقد تبوأ يوغرطا عرش سيرتا سنة 112 ق.م وأعلن استقلال الجزائر التام بعدما هزم الرومان في معركة سوتول المشهورة قرب قالمة.. (عبد الرحمن الجيلالي ، تاريخ الجزائر العام)
أما ثورة القائد طاكفاريناس فقد عمت هذه الثورة السهل والجبل وأتت بذلك على الأخضر واليابس فانتصر فيها أولا هذا القائد عدة انتصارات وقضى على القوات الرومانية في عدة مواقف وحاربهم في مختلف الجهات…
وأما القائد بيداس فهو من أشهر ملوك الجزائر وزعمائها المستقلين بجبل بالأوراس، قاوم الاستعمار البيزنطي بكل جهوده وأذاقهم بأسه وبلغ من الدهاء والسياسة أن وحد كلمة البربر وجمع شملهم وخاض بهم المعارك ضد الروم…- (عبد الرحمن الجيلالي ، تاريخ الجزائر العام)
في النهاية نقول للذي يريد للتاريخ أن ينحى منحى آخر على غير حقيقته كمن يريد تغيير مجرى النيل والفرات أو كباسط كفيه إلى الماء ليبلغه وما هو ببالغه، وعلى درجة وعي المجتمع وثقافته ينتكس دعاة التزوير وقلب الحقائق، بل نقذف الحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ..

عن المحرر

شاهد أيضاً

أثر التربية والتعليم في النهوض الحضاري (الدولة الزنكية نموذجاً)

د. علي محمد الصلابي/ أدرك المشرفون على عملية التغيير، وفقه النهوض: أنَّ عزَّ هذه الأمة، …