مساهمات

ما لا تعرفــــون عن الدكتور خليفة حماش

البحاثة المتميز الدكتور خليفة حماش (1958) استغرق أكثر من 20 سنة من البحث في مختلف مراكز الأرشيف داخل وخارج الجزائر. درس التاريخ الحديث: في عدة جامعات (قسنطينة، الإسكندرية، أسطنبول). صدر له لحد الآن 57 بحثا بين مؤلفات ومقالات في تاريخ الجزائر الحديث. ويشتغل حاليا أستاذا بجامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة.

أمام شهرة خليفة حماش يعتقد البعض بأنه يعيش في منزل فخم بقسنطينة؟
-أنا لا أعتبر نفسي مشهورا، وإن كنت مشهورا فعلا فأنا لا أستحق ذلك، لأن هناك من هم أعلى مني مقاما وأرفع مني مستوى. وما أنا إلا أستاذ عادي رسمت منذ البداية طريقي في الحياة، وحددت واجبي العلمي وأجتهد من أجل القيام به. وبخصوص منزلي فهو ليس فيلاّ، وليس حتى مسكنا مصنوعا من الحجارة أو الطوب، وإنما هو عبارة عن شالي مصنوعة جدرانه وسقفه من الخشب ومادة (التيرنيت) المشبعة بالأميونت والمضر صحيا، والمهدد بالحريق في كل اللحظات، وهذا ثمن طبيعي دفعته وسط منظومة لا تقدر العلم وأهله، مقابل تضحياتي في سبيل البحث العلمي والقيام بواجبي تجاه الجامعة والدولة والمجتمع، شأني شأن أساتذة آخرين ساروا في الاتجاه نفسه مثلي، أو سيسيرون في المستقبل إذا بقي الوضع كما هو دون تغيّر.
ذكريات خليفة حماش مع المكتبة الوطنية الجزائرية؟
-ذكرياتي في دور الأرشيف والمكتبات ومنها المكتبة الوطنية الجزائرية كثيرة، لأنني أمضيت فيها سنوات طويلة، منذ أن بدأت البحث الجامعي العالي في عام 1984م، وأنا في مرحلة الماجستير، ولا أزال إلى اليوم كذلك. وقضيت من تلك السنوات سنتين في فهرسة وثائق المكتبة الوطنية المحفوظة في قسم المخطوطات (1992-1994م)، ومن تلك الذكريات الأساتذة الذين كنت ألتقي بهم هناك، وعددهم قليل جدا لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة (عائشة غطاس رحمها الله، ومختار حساني، والطاهر بونابي)، مما يكشف ضعف البحث العلمي في جامعاتنا. وبعد أن أنهيت عملي في فهرسة تلك الوثائق، … وبعد ذلك قدمتها في مؤتمر دولي بتونس من تنظيم مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات، وتم نشره ضمن أعمال المؤتمر في عام 1996م. وبعد أن تم نشره في تونس، اتصل بي مدير المكتبة الوطنية بواسطة برقية، ولما توجهت إلى الجزائر والتقيت به عرض علي نشر العمل على حساب المكتبة الوطنية، فوافقت وقدمت له العمل كما نشره الأستاذ التميمي لإعادة كتابته، وبعد أن تمت كتابته وتصحيحه، أدخلني في إجراءات إدارية أتعبتني كثيرا ماديا ومعنويا لمدة سنتين، وخرج هو للتقاعد ولم يتم نشر العمل. والمقام هنا لا يسمح بذكر تفاصيل تلك المتاعب. ولكن العمل كتب له أن ينشر بعد ذلك مرتين، الأولى عبر كلية الآداب بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية (2010م)، والثانية على حسابي الخاص (2012م)، ووزعته من غير مقابل. وهو اليوم يُعتبر أداة بحث أساسية في تاريخ الجزائر في العهد العثماني، ولا يمكن لأي باحث الاستغناء عنه…


ماذا تمثل جامعة الأمير عبد القادر بالنسبة لخليفة حماش، ولماذا لم يغيرها منذ 1988م؟
-جامعة الأمير عبد القادر هي حاضنتي الوظيفية والعلمية. فوظيفيا هي مصدر لقوتي وقوت أُسرتي، وعلميا هي من أسهمت في توفير كثير من الظروف المادية والمعنوية لي لإنجاز مشاريعي العلمية. وأنا فخور جدا أن أنتمي إليها، وأن أقرن اسمها باسمي في أعمالي العلمية. ومهما قدمتُ لها، فلن أستطيع أن أؤدي واجبي الكامل نحوها. ومنذ أن التحقت بها في عام 1988م لم أنظر إليها أبدا كمصدر للغنائم وتحقيق المصالح الشخصية كما فعل كثير غيري، وإنما نظرت إليها ولا أزال كمؤسسة علمية وطنية محترمة، عليّ أن أسهم في بنائها وتطويرها بما أنتجه من أبحاث وما أقدمه لطلبتها من خدمات تربوية وعلمية. وأنا من خلالها أسهم في بناء وتطوير مجتمعي ودولتي وأمتي. وهذا واجب علي ولا أمنّ به على أحد.
ماذا يحتفظ خليفة حماش عن تجربته البحثية بجامعة الاسكندرية المصرية؟
-الجامعة المصرية، وبالتحديد جامعة الإسكندرية، هي الجامعة التي حصلت فيها على رسالة الماجستير. وكانت السنوات التي قضيتها فيها أحسن سنوات حياتي العلمية، وبفضل الجو العلمي الذي عشته فيها، ومنها دروس المنهجية التي تلقيتها إبان السنة التمهيدية بشكل خاص، على يد الأستاذ الدكتور فاروق عثمان أباظة الذي كان يقدم لنا مادة الحلقة العلمية، تَشكّل حبي الحقيقي للبحث العلمي، وتفتقت ثقافتي بخصوصه، وتعمق تكويني. فكنا نلتقي معه كل أسبوع مساء، من الساعة الرابعة إلى ما بعد صلاة العشاء، في ندوات نناقش فيها موضوعات معينة، يلقيها أمامنا أساتذة متخصصون وأصحاب تجارب في البحث العلمي، يستدعيهم هو خصيصا لذلك، ويقدمون لنا من خلالها تجاربهم في البحث، وكان منها تجربته هو نفسه، وهي ثرية جدا، واستفدت منها كثيرا، وجعلتني أنظر إلى الأستاذ فاروق كأنه الأستاذ النموذجي الذي كان مخفيا في أعماقي، وكنت أبحث عنه دون شعور مني.
ولذلك كانت تلك التجارب العلمية المتعددة التي سمعتها في تلك الندوات هي التي دفعتني إلى البحث بشغف كبير، وجعلتني أتوجه إلى استانبول حيث درست اللغة التركية، وإلى فرنسا حيث بحثت في أرشيفاتها: أرشيف وزارة الخارجية، والأرشيف الوطني، وأرشيف وزارة الحربية، ثم توجهت إلى لندن وبحثت في دار المحفوظات البريطانية التي كان يكلمنا عنها الأستاذ كثيرا، زيادة على الأرشيف الوطني التونسي، والأرشيف الوطني الجزائري، وأرشيف طوب قابي سرايي باستانبول. ومع ذلك كله المكتبات الوطنية في تلك البلدان جميعا. وجعلتني الرحلات التي قمت بها من أجل ذلك، أعيش أزهي أيام حياتي العلمية، وأكتشف عالم البحث العلمي في أوضح تجلياته.
تجربة خليفة حماش مع الأرشيف العثماني بتركيا؟
-كما هو معلوم أن الأرشيف العثماني في تركيا موزع على مركزين رئيسيين، أحدهما هو المعروف بأرشيف رئاسة الوزراء، والثاني هو المعروف بأرشيف طوپ قاپي سرايي، (قصر السلطان العثماني)، وكلاهما باستانبول. فالأوّل لم أبحث فيه، أما الثاني فبحثت فيه، ولكنني لم أوظفه بعد في أي عمل من أعمالي. علما بأن الدخول إلى الأرشيف العثماني والمكتبات التركية بصورة عامة، كان في السابق لا يُسمح به إلا بعد الحصول على رخصة من وزارة الداخلية التركية، وكان ذلك يتم وفقا لإجراءات إدارية معقدة عكس دور الأرشيف والمكتبات الأوروبية التي لا تخضع إلى أي إجراء.
ماذا يمثل عبد الجليل التميمي لخليفة حماش؟
-الأستاذ المتميز عبد الجليل التميمي، حفظه الله ورعاه، هو بالنسبة إلي، الأستاذ القُدوة الذي تعلمت منه دون أن يُعلمني، وأقصد دون أن يكون معلما لي في أقسام الجامعة. تعلمت منه قيما علمية كثيرة، تعد أساسية في تشكيل شخصية الباحث، أهمها الاعتماد على النفس في البحث، كما أوصاني هو نفسه في أول لقاء معه في مكتبه بتونس في عام 1984م، والثانية أهمية الوثيقة في البحث التاريخي، والثالثة أهمية البحث العلمي في تقدُّم وازدهار الشعوب. ويجب هنا ألا أخفي أن الكشافات التي أنجزتها حول وثائق تاريخ الجزائر، هي تقليد لعمله الذي فهرس فيها سجلات الإدارة الجزائرية في العهد العثماني، والمعروف بعنوان: «موجز الدفاتر العربية والتركية بالجزائر».

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com