الرئيسية | اتجاهات | كيف تبطش العواصم العربية بالمدافعين عن الأقصى؟

كيف تبطش العواصم العربية بالمدافعين عن الأقصى؟

كنت قد أخترت الكلمة الأولى لعنوان المقال لتكون: «لماذا»، ثم عدلت عن ذلك لأسباب أقل ما يقال عنها أنها بديهية، ورأيت أن يطلّع القارئ على جملة حقائق، فربما تدرك الأنظمة أن الناس يعرفون، وربما تستحى، فتخفف من ضغوطها وملاحقاتها، أو إن شئت فقل: بطشها..!
فما يعانيه الواقفون على ثغر الأقصى ( من خارج الأرض المحتلة ) فى القاهـرة وتونس وبيروت وصنعاء وغيرها، يذكرنا بملحمة الشاعر العربى «عبدالله بن عمر بن أمية العرجى»، وهو من أدباء مكة وفرسانها المعدودين، صحب مسلمة بن عبد الملك في وقائعه بأرض الروم، وأبلى معه بلاء حسنا، إلى أن سجنه والي مكة محمد بن هشام، ولم يزل محبوسا حتى مات سنة 120هـ , وهو القائل في سجنه:
أضَاعُوني وأيَّ فتًى أضاعوالـيومٍ كـريهة وسِدَادِ ثَغْرِ
وصـبرٍ عند مُعْتَرَكِ المَنَايَاوقد شُرِعَتْ أسِنَّتُها بنَحْرِي
أجَـرَّرُ في قيودى كلَّ يومٍفـيا لـلهِ مظْلِمِتَي وصَبْري
لله درّ المدافعين عن مسرى محمد بن عبدالله ( عن غير المقدسيين أتحدث ) .. فتحركاتهم مرصودة، وهواتفهم مراقبة، والأنفاس تعد عليهم فى كل مؤتمر وكل محاضرة، يُحتجزون فى المطارات والموانئ، ويُمنعون من إجتياز الحدود ويُضّيق عليهم فى أرزاقهم ومصالحهم، ويُسلّط عليهم السفهاء من صبيان الإعلام يأكلون لحومهم ويخوّفون الناس منهم، غير مسموح لهم بتكوين جمعيات أو مؤسسات، أو إصدار نشرات، وهى ضغوط نفسية وعصبية لا تتحملها الجبال، ثم يبقى التلويح بتهمة «التخابر» هو الأمر المفضل لتهديدهم، إذا ما شرعوا فى التواصل مع أطراف دولية رغم أنه حق يكفله الدستور .
صدقوا أو لا تصدقوا .. كيان الإحتلال نفسه لا يعامل المقدسيين بمثل الوحشية التى تعامل بها الأنظمة العربية مواطنيها الذين يحملون هّم الأقصى، ويكأنهم يأمرون بمنكر أو ينهون عن معروف.
صدقوا أو لا تصدقوا .. سفراء الدول الأوربية الذين نلتقى بهم، يستمعون لنا ويتفهمون موقفنا ويتبسطّون معنا، فى حين يقف الحُجّاب دوننا ودون أبواب معالى وفخامة المسئولين من بنى جلدتنا.
صدقوا أو لاتصدقوا .. كل رسالة نرسلها إلى مسئول أممى يصلنا عليها رد ؛ إما بعلم الوصول، وإما بتعاطف مغلف بدبلوماسية رقيقة، فى حين تذهب رسائلنا إلى مكاتب المسئولين العرب ـ والله أعلم ـ إلى النفايات.
السطور التى بين أيديكم الآن هى بلاغ عاجل، وصرخة فى وجه الأنظمة الحارسة لأمن الكيان، التى تبطش بمواطنيها المدافعين عن الأقصى والذين تُلصق بهم تهم غريبة، ويلحقهم حيف شديد، وتصوير كذوب لأقوالهم وأفعالهم، فى حين كان من الأولى أن يأتى الدفاع من قبل هذه الأنظمة، فتكسب مجدا وذكرا، ويعرف عنها صدق الإعتقاد وشرف الغاية.
لقد أفلح المغتصب فى أن يفرقنّا ويضرب بعضنا ببعض، وتحقق له فوق ما أمّل ويأمل، ورغم ذلك نقول: لا مجال للعزلة أو الخصومة بين الشعوب وبين الحكام فى مثل هذه ظروف، ولا فكاك من وأد الفتنة الداخلية، ولامناص من الصبر والمصابرة والرباط، فما يسمى بالأجهزة «السيادية»، تمارس «سيادتها» فقط على أهل ثغر الأقصى فيما يبدون مقاومة أو يظهرون ثباتا، ونحن إذ نقرر هذه المقاومة، لا نريد إنتصارا لأنفسنا، ولا غمطا لغيرنا، وإنما نريد تبيان حق وإرسال إستغاثة، فالأنظمة الحاكمة بكل ما يشوب سمعتها ـ مجرد سمعتها ـ من رعب ورهبة، وبدعوى علمها ببواطن الأمور، وحرصها على الأمن القومى تقوم بسحقنا ومنعنا من التعاطف مع قضيتنا الأولى، ودائما ما تكون الحجة هى نيتها فى ضبط الأمور وفرض النظام، غير أن النتيجة غالبا ما تكون مزيجا من القهر والبطش والملاحقة .!
لا تحسـبوا أن رقصى بينكم فرحفالطير يرقص مذبوحا من الألم
يقول الشيخ الدكتور محمد الغزالى فى كتابه «علل وأدوية»: «إن الإستبداد السياسى هو قتّال الإسلام، ومغتال رجاله، والماكر الأخبث بقضاياه وآماله، والحكم الفردى أصابنا فى مقتل، ولولا أن الله كتب البقاء لهذا الدين لأمسى رفاتا تحت الثرى، والعالم كله يعرف عن حكامنا ما تسود له الوجوه، ويلحق الشين بتراثنا ووحينا ومكانتنا».. وعلى هذا تبقى الحقيقة المؤكدة، وهى أن الإحتلال لا يعتمد على آلته العسكرية الجبارة بقدر ما يتمترس خلف الأنظمة الحارسة لحدوده، التى تؤّمن له الأمن والأمان والسلامة وتبطش بمواطنيها ليل نهار، متناسية أن المهانة تلحق الجميع، ولا إستثناء لمن ينسق ويطبع ويهادن أو يشترى الغاز، وليت تلك العواصم تعلم أن عزّها فى إحترامها للنفس، وأن البطش بالشعوب يسقطها من أعين العالم كله.
إن الطرف الأول المعنى بملف الأقصى هو الجماهير وليست الأنظمة، وليس المجتمع الدولى، وليس لجان المفاوضات، فالجماهير هى صاحبة المسجد، وهى من تتعلق به قلوبها، وهى من ورثته عن صاحب الإسراء والمعراج، والمفتاح الأهم لإنقاذه هو إشراك الجماهير وإعلامها ومكاشفتها، وإدارة الملفات بشكل عام لاتقوم على مجرد حسن النية ولا حتى على النزاهة والمصداقية، ولابد أن يصحبها قوة تأثير ووسائل ضغط، وهو مايوفرّه الظهير الشعبى وحده، حتى الجيوش التى تقاتل فى الميادين، إنما تصمد وتنتصر معتمدة على كل أنواع الدعم الذى يأتيها من الداخل بداهة، وحين يقف أهل السياسة فى عزلة عن الجماهير، غير مدركين لتطلعاتها ورؤيتها، فذلك إنتحار مؤكد، وليت الأمر يقف عند حد العزلة، ففى مناسبات معروفة يصل الأمر إلى حد المخاصمة والتصادم، ومن هنا فلا يمكن النظر إلى الموقف الحالى للعواصم العربية إلا على أنه موقف مقصود ومعاكس لرغبات الناس وآمالهم، ولاغرو فاسلوب إدارتها لملف الأقصى وبيت المقدس حتى الآن يشتم منه رائحة التدليس، ولا شئ غير التدليس.
فيا جماعة الأجهزة السيادية .. نحن من بنى جلدتكم، ودفاعنا عن المقدسات حق أصيل وأمر مشروع عقدنا عليه عزمنا، نمارسه فى وضح النهار ولا نتخفى بليل، وكل ما نطلبه بيئة طبيعية خالية من التعنت والتضييق .. فانتهوا، حتى لا يقال لكم كما قيل لفرعون: «لن نؤثرك علىٰ ما جاءنا من البيّنات، والّذي فطرنا فاقض ما أنت قاضٍ، إنّما تقضي هذه الحياة الدّنيا».
يكفى إسترسالا مع داعى الفتنة، وإستجابة لإغراء الشيطان، تعالوا معا نلم فلولنا المبعثرة هنا وهناك تحت راية واحدة بعيدا عن نعرات الأرض وعصبيات الناس، فالهزائم العسكرية عرض يزول، أما الهزائم النفسية فجرح مميت، وسقوط قطر كامل فى براثن الإحتلال حدث شنيع، ولكنه مهما قبح، دون ضياع القدس وهدم مسجدنا الأقصى.
يافخامة الجنرالات والرؤساء والملوك والقادة .. هونوا عليكم، فوالله لو وضعوا الشمس فى يميننا، والقمر فى يسارنا، على أن نترك هذا الأمر، ما تركناه أو نهلك دونه .. فوالله ما للأقصى من مترك، والله ما للأقصى من مترك.

أيمن خليل العسقلانى
الأمين العام
ـ مركز بحوث المسجد الأقصى – القاهــرة

عن المحرر

شاهد أيضاً

فــــنّ حُســن عـــرض الإســـــلام

عبد العزيز كحيل/ كثيرا ما كان الشيخ محمد الغزالي رحمه الله يتضايق من سوء عرض …