الرئيسية | على بصيرة | خطــــاب مفــتـــوح إلى نـــواب الأمــــة

خطــــاب مفــتـــوح إلى نـــواب الأمــــة

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/

أهنئ من سما به الانتخاب –بكل استحقاق- فحاز على ثقة الجماهير، وهو اليوم يتربع، بفخر واعتزاز على الكرسي الوثير.
وأرثي لمن وصل إلى هذه المرتبة، بالتزوير، وأموال التبذير، وبيع الضمير، ومآل سوء المصير.
كما أرثي لمن كبا به الجواد، وحيل بينه وبين الميعاد، فنصبت له الشِباك، ومنع من خوض العِراك، فوقع المسكين في الشراك مع أنه الأحق بالحراك.

وأيا كانت النتائج، وما ستفرزه من مساوئ ومناهج، فإن الذي يعنينا، هو الفائز بجدارة، الناجي من الخسارة، والمتأهل للنيابة، دون أية إثارة.
نأمل أن تخرج الانتخابات التشريعية لنا نوابا يرعون العهود، ويحققون للأمة الوعود. ولئن كنا نسلم، بأن مسألة النيابة، هي من أشد مسائل الجزائر تعقيدا، وذلك بسبب غرس الشوك في حقلها من العصابة، وتلويثها بمختلف أنواع المفسدات وعوامل الإصابة، لئن كنا نسلم بكل هذا، فإن الفئة الناجية اليوم من المكائد والمفاسد، مدعوة إلى أن تنطلق في رسالتها الجديدة، من ماضي الجزائر المجيد، وتاريخها التليد، فتكون من هذا المجد معتبرة، وللواقع المعيش لوطننا محللة ومختبرة، فتضع في ضوء ذلك كله أسس بناء مستقبل الجزائر بمنهجية مستبصرة.
نحن نسلم، بوجود أشواك في طريق النواب الملتزمين بقضايا الوطن والأمة، وندرك اختلاط الناصح بالغاش، ولكننا على يقين من أن هذه النخبة المتميزة، القوية بتزكية الشعب لها، عن استحقاق وجدارة، سوف تخوض معركة البناء والتشييد، والإصلاح والتجديد.
وإذا كان لنا من تذكير نذكركم به، يا حضرات النواب وأنتم في بداية المشوار النيابي، فهو أن ترتفعوا عن الغثائية السياسية في الشعارات والأقوال، وأن تتجنبوا الضبابية الشعبوية في الأفعال، وأن تتحرروا من الاتباعية الأجنبية، لتحقيق الآمال، واختيار المنال، وحذار! حذار من العصبية بجميع معانيها، في التصويت على الأحكام وفي اختيار معايير الكفاءة والإخلاص من النساء والرجال.
إننا، نفتح أعينكم وعقولكم، وضمائركم على أنكم تقدمون على الاضطلاع برسالة النيابة، وقد ظلم بعض النواب قبلكم مفهوم النيابة، فتسفل مدلولها إلى حد الإبتذال، وضاع مضمونها إلى حد الانتحال فصار معناها عند الشعب –مرادفا لبيع الذمم وتحقيقها مرادفا لفقد القيم، والوصول إليها عنوانا لذبح الهمم.
إن النيابة يا إخوتي، في قواميس الأمم الناهضة هي ممارسة القوانين، وحامية حقوق المستضعفين، والقائمة على توعية الحاكمين.
لذلك نشفق على من سيخوضون غمار معركة النيابة، في عهد الحراك، لأنهم ورثوا نيابة أفرغت من مضمونها الصحيح في مجتمعنا، فكانت رمزا للسفاسف، وعلامة على السخائف، تباح للوصول إليها كل المحرمات، وتنفق من أجل تحقيقها ما تأباه الرجولة والأنفة، وما هو عال من الأخلاق والسلوكات.
فعلى أنقاض هذا الإرث الثقيل الذي خلفه العهد البائد، من تشويه وتقبيح يجب أن يعمل النواب القادمون المؤمنون على إعادة تأصيل معنى النيابة، ذلك أن النيابة في تعريفها الصحيح، هي وكالة عن الشعب وإن الشرط المطلوب في الموكل هو أن يكون حر الإرادة، كاسبا لمؤهلات القيادة ومتحليا بمقومات السيادة، فإن لم ينجح النواب الحقيقيون في تحقيق هذه المقومات فإنهم سيتحولون إلى نوائب والفرق بين النواب والنوائب واضح.
فيا حضرات النواب، بالقوة أو بالفعل! اعلموا أن حق أبوة الوطن عليكم ثابتة، وإن أمومة الأمة عليكم ثابت لا يغيره أي مغيّر، وحق لا يبطله أي باطل، ومن هنا يبدأ الفرز بين النائب الذي يدوس على الثوابت من أجل تحقيق مصالحه الخاصة، والنائب الذي ينشأ، ويثبت على الثوابت، فيضحي ببعض مصالحه لإعلاء قيم الأمة والوطن.
سوف تفتح الانتخابات التشريعية هذه، صفحة جديدة، على ضوئها، يمكن تأكيد أو إبطال شعار الجزائر الجديدة المرفوع.
ذلك أن مستقبل الأمة لا يبنيه إلا نواب الأمة، الذين لا يدينون بالولاء، إلا لله وللأمة.
ولكي «تتجسد الجزائر الجريدة لابد من عملية هدم وبناء، وعملية ملإ بعد إخلاء».
إن جذورا فاسدة، يجب البدء بهدمها وبناء أسس جديدة مضادة للزلازل على أنقاضها.
كما أن أفكارا فاسدة، نخرة، لا تزال تعيث فسادا في الوطن، يجب القضاء عليها، وإحلال دماء جديدة، محلها.
فكم يحتاج وطننا اليوم، إلى الاستنجاد بالقدرات، والكفاءات الجزائرية، التي أثبتت داخل الوطن وخارجه، كفاءتها على الجميع، إن هذه الطاقات، طالما بعثت برسائل، تعبر فيها عن استعدادها، لخدمة الوطن، ووضع قدراتها في خدمة النهوض به، ولكن الليل الذي كان مخيما على وطننا، كان يخاف الشمس، فيحول دون تسرب أشعتها إلى الدهاليز المظلمة.
فهل يثبت النواب الملتزمون –اليوم- أحقيتهم بالانتخاب، فيخوضوا –في ظل القانون والسلمية- معركة البناء والتشييد والنهوض؟
إن هذا هو التحدي الكبير، الذي يواجهه نواب الأمة المنتخبون، فهل سيرفعون التحدي؟ وهل سيثبتون للجميع، أن عهد الرشوة، والفساد المالي قد ولى، وأن ساعة الحسم والعزم قد دقت؟ إننا نأمل ذلك وويل لمن لم يعانقه شوق الحياة، فإنه سيتبخر في جوفها وسيندثر.
فحذار إذن، من سجل التاريخ الجديد!

عن المحرر

شاهد أيضاً

الدولـــة فــي ســن الستيــن..

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/ هناك حقيقة فلسفية، يكاد يجمع عليها …