الرئيسية | مساهمات | مـــن دفـتـر الــذاكـــــــرة التـــاريــخــيـــــة الجـــزائـــريــــــة/قراءة في مذكـــرات الفدائي والـمجاهــد عمار قرفـــي الـمدعـــو “حميد”

مـــن دفـتـر الــذاكـــــــرة التـــاريــخــيـــــة الجـــزائـــريــــــة/قراءة في مذكـــرات الفدائي والـمجاهــد عمار قرفـــي الـمدعـــو “حميد”

من المقاومة المسلحة إلى جبال الولاية الأولى مسار الفداءي المجاهد

 

قراءة وتقديم: سعدي بزيان/

 

كان لي الحظ أن أقرأ عدة مذكرات تاريخية لشخصيات تاريخية أوراسية، فقد قرأت مذكرات الحاج لخضر قائد الولاية الأولى ورفيق الشهيد مصطفى بن بولعيد أسد الأوراس، كما قرأت مذكرات مصطفى بن النوي أحد قادة الثورة في الأوراس، ومذكرات محمد الصغير هلالية: “شاهد على الثورة في الأوراس وكان الكاتب الخاص لأحد أبطال الثورة في الأوراس عاجل عجول، ومذكرات الدكتور ماداسي: “مغربلو الرمال” صدرت بالفرنسية وترجمت إلى العربية و3 مجلدات من مذكرات الرائد عمار ملاح، التي أرخت للثورة في الأوراس بالتفصيل مصحوبة بشهادات لضباط كانوا ممن ساهموا في المشاركة في الثورة بقوة، ولا ننس مذكرات الجنرال خالد نزار في طبعته الطبعة العربية وفي المدة الأخيرة وصلتني الترجمة العربية لمذكرات عمار قرفي المدعو حميد وهو بعنوان: “من المقاومة المسلحة إلى جبال الولاية الأولى”.

 

مسار الفدائي الماجد، وقد سبق لي أن قدمت شهادة مكتوبة عن والده سي المسعود قرفي أحد قادة الإصلاح في باتنة وعضو فعال في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكتبت هذه الشهادة بطلب من صديقي ورفيقي في معهد ابن باديس محمد الشريف عباس وزير المجاهدين سابقا ليضعها في كتابه عن والده وهو بعنوان: سيرة ومسيرة العلامة الشيخ الجليل سيدي عمار عباس بن الحسين الزراري، ذلك أن سي المسعود القرفي كان صديق الشيخ عمار في مسيرة الإصلاح في الأوراس وها هو ابن سي المسعود القرفي وهو عمار القرفي المدعو حميد يدشن خريف عمره بمذكرات تاريخية يروي فيها مسيرة نضاله في سبيل ثورة التحرير بدأها كفدائي، وأبلى في ذلك بلاء حسنا وتوج ذلك بالالتحاق بالجبل في رحاب قيادة العقيد الحاج لخضر الذي تحمل جامعة باتنة اسمه تخليدا لنضاله في سبيل تحرير الوطن ومذكرات حميد قرفي ترجمها الدكتور محمد ساري وصدرت عن دار الشهاب بالجزائر العاصمة وأهدى مذكراته إلى عائلته وأبنائه وأحفاده ورفقائه في النضال وكل شهداء ثورة التحرير الجزائرية.
وقد تحدث مطولا عن والده سي المسعود عن إخلاصه ونزاهته، وحبه للعلم والعلماء والمصلحين.
وكان في ذلك صادقا كل الصدق فقد عرفت منه ذلك عندما كنت أزوره من حين لآخر فما من مرة زرته في محله التجاري “تجارة التمور” إلا وجدت معه شخصيات من رجال جمعية العلماء وخاصة الشيخان عبد الله قرفي والمبارك قرفي وهما أخوان درسا في معهد ابن باديس وقد حصل أكثر من مرة أن أدينا صلاتي الظهر أو العصر في محله، بحيث غدا محله التجاري ناديا للإصلاح وملتقى المصلحين وكان ابنه حميد قائد الثورة في الأوراس قبيل اندلاع الثورة، لطالما حضر العديد من المناقشات التي كانت تجري في محله التجاري.
ومن هو عمار المدعو حميد صاحب هذه المذكرات


ولد عمار قرفي المدعو حميد في 8 أكتوبر 1935 بمدينة باتنة درس في المدرسة الابتدائية الوحيدة الخاصة بالأهالي، وهبه الله موهبة في التسيير وإدارة الأعمال بطريقة يحسد عليها، من زملائه بحيث استطاع في فترة وجيزة أن يقيم تجارة وأن يكسب زبائن كبار من الأهالي وحتى من الأوروبيين ذلك أنه كان يتعاطى “اللويس” ومع الأسف الشديد خسر هذه التجارة بسبب انضمامه للأعمال الفدائية مما جعل تجارته تتعرض للاتلاف من طرف الإدارة الاستعمارية انتقاما منه لمواقفه الثورية وكان في مطلع شبابه شابا متفردا ومتمردا وإذا كان في المدرسة لا يعتبر طفلا نجيبا في دراسته فهذا لا يعني أنه كان بليدا بل كان رافضا لسياسة معلمي القرآن التي تقوم على العقاب الجسدي وكانت حياته في البداية “طفولة متمردة” ويقدم لنا حميد قرفي في ص 34 من مذكراته أين ولد وأين كان يسكن؟ فقد سكن في الحي المسمى الكان أي المحتشد تملكه عائلة برغوث وكان والده رحمه الله يسكن في هذا الحي بلا كهرباء ولا ماء في الحنفية فالطفل حميد لم يعش في رفاهية ولا يعد يومئذ من العائلات البورجوازية وقد تحدث هنا عن والده سي المسعود وقال عنه “كان رجلا عظيما ولكن للأسف الشديد لم يسمح طبعي المشاكس الصعب بالتواصل معه واكتشاف شخصيته وأبوه سي المسعود قرفي ولد في غوفي بلدية غسيرة- آريس 1908ن في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي غادر مسقط رأسه غوفي –غسيرة ليستقر في تابقيت وليس تاباليت كما ترجمها المترجم وهي فعلا قرب غوفي وقد عرف سي المسعود قرفي بالنزاهة والثقة مما جعل الكثير من أبناء غسيرة في فرنسا يبعثون إلى عنوانه وباسمه الخاص ليتولى هو شخصيا تسليم الأمانات إلى أهلها دون أن ينقص منها سنتيم وكنت أنا شخصيا في طريقي إلى معهد ابن باديس بقسنطينة أو عائدا من المعهد فلا بد من زيارته والاستماع إلى نصائحه.
وكان آخر لقاء بيني وبينه تم في سنة 1956، وعندما توفي في سنة 1958 كنت في المشرق العربي وبعد الاستقلال تجددت الصلة بيني وبين أبنائه ولطالما زرت صاحب هذه المذكرات في مؤسسته للطباعة والنشر في مقرها الأساسي في المنطقة الصناعية بباتنة، ولطالما كان يروي لي ذكرياته كفدائي ومجاهد في جيش التحرير، وقد فاجأني بنشر مذكراته، وحسنا فعل وقد مهد في مذكراته عن الحديث عن الأوراس كقلعة للثورة والثوار أليس الأوراس هو من التجأ إليه قادة الثورة عندما اكتشف التنظيم السري للحزب ومن هؤلاء الذين التجأوا بالأوراس وتعهد بن بولعيد بحماتهم والحفاظ على أمنهم وسلامتهم، وهؤلاء هم بيطاطا وزيغود يوسف، وبوصوف وبن طوبال وبن عودة.
كيف عاش عمار قرفي المدعو حميد ثورة نوفمبر 1954؟
كان حميد يومئذ في التاسعة عشر من عمره، وقد أحدث انفجار ثورة نوفمبر 1954 انقلابا في حياته وكأنه كان على موعد معها، وتابع أصداءها قبيل وقوعها، وانخرط فيها عمليا وكان جنديا من جنودها.
تأسيس أول خلايا للفدائيين في باتنة حسب شهادة محمد الفدائي
ورد في ص 49 من مذكراته “أن عبد الحفيظ عيد الصمد هو من أسس أول خلية للفدائيين في باتنة، وفي بداية 1956 تشكلت مجموعة من الفدائيين في خلية وهذه المجموعة تضم عمار قرفي المدعو حميد، وأحمد بقة ومحمد الفداءي وحميد مناصرية، وابراهيم وعياش حمادي وآخرين، وسرعان ما حصلوا على أسلحة وفدت إليهم من قبل المجاهدين جاءوا بها من تونس وهنا لا يسع حميد قرفي إلا أن يتحدث عن مسيرة النضالي كفدائي وكجندي التحق بجيش التحرير وكسجين استضافه سجن تازولت، المعروف بالفرنسية بـ لامبيز وقد أفاض في الحديث عن هذا الموضوع وتحدث عن دكانه التجاري الذي طالما تحول إلى مخبأ ومكان آمن للفدائيين الذين يختبئون فيه بعد قيامهم بأعمال فدائية، وكان حميد قرفي صاحب هذه المذكرات ظاهرة حقيقية فقد تربى في وسط أوروبي وكانت تجارته معهم ولكنه كان يكره الاستعمار الفرنسي وحاربه بالسلاح رغم أنه درس في مدارسه وأتقن لغته ولكن كل هذا لم يحل دون كرهه للاستعمار الفرنسي وقد خصص في مذكراته فضاء كبيرا للعمليات الفدائية التي قام بها أو خطط لها وذكر لنا كيف كان يجمع السلاح من عند المواطنين لاستعمالها في حرب ضد الجيش الفرنسي ولطالما التجأوا إلى القوة والتخويف للحصول على هذه الأسلحة
عمار قرفي المدعو حميد في جبال الأوراس
كمجاهد بعد الأعمال الفدائية
كان السير مشيا مع زملائه في الطريق إلى الجبل للجهاد مع المجاهدين تحت قيادة العقيد الحاج قائد لخضر قائد الولاية الأولى في الأوراس وحضر المعارك المسلحة وأعطى لنا صورة عن حياته في الجبل مع جيش التحرير وكم كانت الحياة قاسية، البرد والجوع والخوف ولكن كل هذا يهون في سبيل حرية البلاد واستغلاله وحدثنا كيف ذهب مع عناصر إلى تونس لجلب السلاح وكان معهم شيخنا نعيم النعيمي الذي درست عليه عندما كنت طالبا في معهد ابن باديس وشاءت لنا الأقدار أن نلتقي في تونس لمرات عديدة، وأن ننزل ضيفا على تاجر من أصل جزائري يدعى رشيد كان مع الثورة قلبا وقالبا .
كيف تم اعتقال عمار قرفي المدعو حميد؟
قبل اعتقاله قد أصيب بشضايا قنبلة، وكان هو حافي القدمين في برد شديد، وقد وقع في حفرة قبل أن يتم اعتقاله وهو مصاب بجروح، وعندما اعتقلوه سادهم الاعتقاد بأنه قائد المجموعة وقد حملوه في طائرة هيلوكبتير إلى خنشلة لاستضافته في السجن، وهذا فصل آخر من فصول حياة عمار قرفي المدعو حميد، في وسط جيش التحرير وما لقيه من تعذيب وسجن ومرحلة السجن هي وحدها تحتاج إلى فصل كامل.
ملاحظة
يجد القارئ لمذكرات عمار قرفي معلومات قيمة عن مناضل كتب الله له أن يعيشها ويبقى حيا، ويشارك في معركة البناء وحين سألت أخاه عبد الكريم عن إغفال شقيقه حميد الحديث عن تأسيسه لأكبر دار نشر الشهاب ومطبعة ومكتبة تحمل اسم مكتبة النهضة كان جوابه: “أجل ذلك إلى الجزء الثاني من مذكراته، ولكن للقدر حكمه وما كل ما يتمنى المرء يدركه، فقد عاجله الموت ورحل بعد فترة وجيزة من نشر الجزء الأول من مذكراته وكنت آمل أن يطلع على ما كتبته شخصيا على مذكراته وأزور باتنة وأجد صاحب هذه المذكرات على فراش المرض ولم أتمكن من زياته بسبب وضعه الصحي الذي لا يسمح بزيارته وفوجئت بالهاتف صباحا وأنا أعد العدة لزيارته أنه ارتقى إلى رحمة الله، وحضرت جنازته وزرت أهاليه وأسرته معزيا كما كنت مع المئات في مقبرة بوزوران لحضور دفنه وتأبينه من طرف الأستاذ فلوسي مسعود عميد كلية الشريعة في جامعة الحاج لخضر بباتنة، فرحم الله الفدائي والمجاهد عبد الحميد قرفي وأسكنه فراديس جنانه مع المجاهدين في سبيل تحرير الوطن والمواطن، وهكذا لدينا لقاء وافتراق ساعة تحلو وأخرى لا تطاق.

عن المحرر

شاهد أيضاً

وداعــــا البــروفيســـور عمي صالح العلمـــي الجزائر تفقد رجل المنطق العملي وصديق الفقراء

أ. د. الطيب برغوث/ بلغني اليوم الأربعاء 09 جوان 2021 مساء، وفاة الأخ العزيز الدكتور …