الرئيسية | أعلام | مقالات | أجيال الجزائر وأقلام نخبتها “مع فلسطين من المهد إلى اللحد”

أجيال الجزائر وأقلام نخبتها “مع فلسطين من المهد إلى اللحد”

أ. محمد مصطفى حابس: جنيف / سويسرا/

نشرنا في عدد سابق من البصائر الغراء، مقالنا تحت عنوان “مسرى محمد ومنطلق معراجه.. قضية الأرض المقدسة بين الأمس واليوم”، وهو عنوان متشعب، يتطلب صفحات وصفحات، إذ ليس بالإمكان في هذه العجالة وهذا الحيز الضيق من الجريدة أن نعدد النواحي الكثيرة التي أسهم فيها الكتاب العرب والمسلمون في نجدة فلسطين والذود عن حماها ولا نملك إلا أن نذكر بإيجاز بعض المحطات المهمة التي ندين بها لعبقرية أقلام أسلافنا رغم شراسة العدوان وجبن الخلان وأن نذكر ببعض جهود العلماء والكتاب الذين اجتهدوا أيام المستعمر وسنوات المحن والصعاب، رغم ذلك كان لهم أثر ساحق ماحق على العدو وأزلامه على قلة العدة والعتاد للشعب الفلسطيني وأنصاره..
وقد كنت قد كتبت فيما مضى وحاضرت في بعض المناسبات حول “الدور الرسالي للمثقف العربي والقضية الفلسطينية” من وجهة نظر أقلام مغاربية عموما، وفي كتابات جمعية العلماء خصوصا يتقدمهم الإمام العلامة البشير الإبراهيمي وشعراء كثر وباقي النخب الجزائرية عبر الأجيال.. كما شرحت ذلك في مقال مطول عام 2014 إثر خبر وفاة شاعر فلسطين سميح القاسم، فكتبت مقالا بعنوان “القضية الفلسطينية بين الإمام البشير الإبراهيمي والشاعر سميح القاسم”، وقلت يومها ” إن كان موت سميح القاسم (المسيحي) يعتبر فجيعة كبرى لفلسطين والعرب وهو الرجل الذي دافع بأسلوبه الشعري الثائر وأدواته المتاحة عن أرضه وعرضه في تناغم قريب مع ما كتبه العلامة الرسالي البشير الابراهيمي عن فلسطين قبل عقود رغم اختلاف الأزمان والأديان والأوطان، فإن ما كتبه هذا الأخير خاصة في افتتاحيات البصائر في أعدادها الأولى، حينها كانت فعلا – ولا فخر- كلمات من نار ونور، نار تحرق العدو ونور تضيء الطريق للأجيال وتحملها المسؤولية أمام الله والتاريخ والأمة، وقد كُتبت جلها في بداية الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين من أعوام 1946/ 1948، منها ما كتبه تحت عنوان: “إن فلسطين وديعة محمد عندنا”
وقد وصف الإمام العلامة الإبراهيمي الاحتلال الصهيوني لفلسطين حينها بـ”الفجيعة” والجزائر حينها لازالت بدورها تئن تحت نير الاستعمار الفرنسي البغيض، وقد كتب رحمة الله عليه في العدد الخامس من جريدة البصائر، تحت عنوان “تصوير الفجيعة”، هذه الكلمات البليغة الصادقة الواعدة، مناجيا فلسطين بقوله :« يا فلسطين! إن في قلب كل مسلم جزائري من قصيدتك جرحا داميا، و في جفن كل مسلم جزائري من محنتك عبرات هامية، وعلى لسان كل مسلم جزائري في حقك كلمة مترددة هي: فلسطين قطعة من وطني الاسلامي الكبير قبل أن تكون قطعة من وطني العربي الصغير، وفي عنق كل مسلم جزائري لك ـ يا فلسطين ـ حق واجب الأداء، و ذمام متأكد الرعاية، فإن فرُط في جنبك، أو ضاع بعض حقك، فما الذنب ذنبه، وإنما ذنب الاستعمار الذي يحول بين المرء وأخيه، والمرء وداره، والمسلم وقلبه».. ثم كتب يقول : « يا فلسطين! ملكك الإسلام بالسيف ولكنه ما ساسك ولا ساس بنيك بالحيف»، كناية عن عدل الإسلام وتعايشه السلمي مع الآخر مهما كان دين هذا الآخر.. كما كتب أيضا في خاتمة افتتاحية البصائر عدد 22 مناديا ومنذرا ومحفزا العرب والمسلمين بقوله: «أيها العرب، أيها المسلمون! إن فلسطين وديعة محمد عندنا، وأمانة عمر في ذمتنا، وعهد الإسلام في أعناقنا، فلئن أخذها اليهود منا ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون».
الشيخ الابراهيمي، قمة التضحية والعطاء والفداء:
لاحظ أنه رغم الاستعمار الفرنسي لبلده الجزائر ورغم الفاقة وقلة ذات اليد التي يتخبط فيها الشعب الجزائري، فقد آل العلامة الإبراهيمي على نفسه أن يهب أعز ما يملك بل أغلى ما يملك لنصرة فلسطين، وهي كتبه، كما وضح ذلك في افتتاحية البصائر عدد 30 بقوله: «.. أما أنا .. فو الذي روحي بيده لو كنت أملك ما يملكه العمودي من سخل، أو ما يملكه البسكري من نخل،… أو ما يملكه الفلاح من أرض أو ما يملكه الكانز من ورق وورق- لخرجت من ذلك كله في سبيل عروبة فلسطين، ولكني أملك مكتبة متواضعة أضعها بخزائنها تحت تصرف اللجنة التي تشكل لإمداد فلسطين». وهنا يسمو الإمام الإبراهيمي محلقا في علياء زهده وسخاءه وعطائه المعهود، مصداقا لقوله تعالى: {لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}!
وقد كتب إمامنا الإبراهيمي العديد والعديد من مقالات غاية في الأهمية بأسلوب راق قوي متين عن جرح فلسطين الغائر وسرطانات القضية الفلسطينية الممتدة وقرارات التقسيم الأممية المجحفة، جمعت كلها في العدد الثاني من آثاره “عيون البصائر”، يمكن للقارئ الكريم الرجوع إليها للاستزادة خاصة في الصفحات 490/526، تحت فصل : جمعية العلماء وفلسطين، منها القطوف التي ذكرناها أعلاه، وأخرى تحت عناوين مثل: تصوير الفاجعة – وقف قرار تقسيمها- العرب واليهود في الميزان عند الأقوياء- ماذا نريد لها وماذا يريدون؟- الإنكليز حلقة الشر المفرغة- واجبات فلسطين والعرب-أما عرب الشمال الإفريقي- قيمة عواطف المسلمين في فرنسا.
” لا عيد، حتى تنفذوا في صهيون الوعيد، وتنجزوا لفلسطين المواعيد”:
ونحن مقبلون بعد أسابيع على عيد الأضحى المبارك، حري بنا أن نتوقف، عند هذا الكلام المجلجل والمزلزل، حيث كتب باكيا يقول في مثل أيامنا هذه متحسرا على حال فلسطين، تحت عنوان : “عيد الأضحى وفلسطين” :
النفوس حزينة، واليوم يوم الزينة، فماذا نصنع؟
إخواننا مشرّدون، فهل نحن من الرحمة والعطف مجرّدون؟
تتقاضانا العادة أن نفرح في العيد ونبتهج، وأن نتبادل التهاني، وأن نطرح الهموم، وأن نتهادى البشائر.
وتتقاضانا فلسطين أن نحزن لمحنتها ونغتمّ، ونُعنى بقضيتنا ونهتم.
ويتقاضانا إخواننا المشردون في الفيافي، أبدانهم للسوافي، وأشلاؤهم للعوافي، وأن لا ننعم حتى ينعموا، وأن لا نطعم حتى يطعموا.
ليت شعري! … هل أتى عبّاد الفلس والطين، ما حل ببني أبيهم في فلسطين؟
أيها العرب، لا عيد، حتى تنفذوا في صهيون الوعيد، وتنجزوا لفلسطين المواعيد، ولا نحر، حتى تقذفوا بصهيون في البحر. ولا أضحى، حتى يظمأ صهيون في أرض فلسطين ويضحى.
أيها العرب: حرام أن تنعموا وإخوانكم بؤساء، وحرام أن تطعموا وإخوانكم جياع، وحرام أن تطمئنّ بكم المضاجع وإخوانكم يفترشون الغبراء.
أيها المسلمون: افهموا ما في هذا العيد من رموز الفداء والتضحية والمعاناة، لا ما فيه من معاني الزينة والدعة والمطاعم، ذاك حق الله على الروح، وهذا حق الجسد عليكم.
إن بين جنبي ألما يتنزّى، وإن بين جوانحي نارا تتلظّى، وإن بين أناملي قلما سُمته أن يجري فجمح، وأن يسمح فما سمح، وإن في ذهني معاني أنحى عليها الهم فتهافتت، وإن على لساني كلمات حبسها الغم فتخافتت.
ولو أن قومي أنطقتني رماحهم  نطقت ولكن الرماح أجرتِ
كما عاش العلامة الإبراهيمي -إضافة لذلك- مرارة الاعتقال والسجون، وحتى الإقامة الجبرية لمواقفه الوطنية إبان استقلال الجزائر المنقوص، ومات هذا القلم ولم يجف روح مداده، ورحل متحسرا على حال الجزائر كما مات متحسرا بغصة ضياع فلسطين وبيت مقدسها ..
بنفس نبض روح الابراهيمي وفورة دمه
واكب شعراء الجزائر وأقلامها محنة فلسطين:
وقد رافق الشعر العربي والأمازيغي الجزائري قضية فلسطين منذ ظهورها على المسرح العالمي في العشرينيات من القرن الماضي، وكان الشعراء يستغلون كل مناسبة لتأييدها، وتابعوها في جميع مراحلها وأطوارها المختلفة منذ إعلان ” وعد بلفور” المشؤوم سنة 1917م، مرورًا بانتفاضات الشعب الفلسطيني في الثلاثينيات، ثم رفضه لقرار التقسيم، وقد وقف شعراء الجزائر إلى جانب فلسطين والعرب أثناء حرب 1948م، ونكسة 1967م، ثم تجاوبوا مع انتصارات الثوار الفلسطينيين، وأبطال المقاومة، وأطفال الحجارة بعد ذلك حتى اليوم.
وقد كتبَ شاعرٌ جزائريٌّ ناشِئٌ – من شباب جمعية العلماء- لم يذكر اسمه خوفا من رقابة الاستعمار الفرنسي البغيض المتصهين، قصيدة شعرية عن فلسطين في سنة 1930 م، حيث نشرها آنذاك بمجلة “الشهاب” الجزائرية التي كان يديرها العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، يصوّر فيها مشاعره النابضة نحو القدس وساكنيها، ويعبر فيها عن تعاطف الشعب الجزائري كله مع الشعب الفلسطيني الشقيق انطلاقا من إحساسه بخطر الاحتلال الصهيوني على قدس العروبة والإسلام، فقال:

ناشـَدْتُكَ اللهَ ياقُـدْسَ العُروبَةِ لا تُقمْ حِسابًا، لِمَنْ قَـدْ رَامَ تَمْوِيَها
فَمَا طُموحُ يَهُـودِ الشَّرْقِ يَنْفَعُهُم وَلاَ يَنَالُـونَ إلاَّ الْمَقْتَ تَشْوِيهَا
يا أُمّةَ الْقُدْسِ، لا يُحْزِنْكَ مَطْمَحُهُم فَإنَّ لِلْقـُدْسِ رَبًّـا، هُوَ يَحْمِيهَا
أمَّا الْجَـزائِرُ، فَهي مِنْ مُصـابِكُم في حَر نارِ الأسَى، تَشْكُو لِبَارِيهَا
آهٍ عَلَى أُمَّـةِ الْقُدْسِ التي بَسَطَتْ لِلْجارِ إحْسَانَها، وأسأَلْ مُجِيِريهَا
آهٍ، عَلَى كـَأْسِ ذُلٍّ، وَهيَ تَرْشُفُها وعَنْ صِغَارِ كـآباتٍ تُقـاسِيهَا
وباستثناء الوزن المختل في بعض الأبيـات، فـإنَّ المقطَّعة تزخر بالمشـاعر الفيّاضَةِ، والإيحـاءات القومية النافذة.
ومن جهة أخرى وبنفس نبض الروح وفورة الدم واكب شعراء الجزائر محنة فلسطين، أمثال شاعر الجزائر محمد العيد آل الخليفة، إذ لم يكتف بِمجـرد التعبير عن تضـامنه مع القضية الفلسطينية، وتأييده لقضـايا الأمـة العربية كلها سـواء في فلسطين أوفي شمـال إفريقيا، بل غيّر لهجته من التضـامن إلى التهـديد والوعيد، ووصف أخـلاق اليهـود وطبـاعهم الشـريرة التي عرفـوا بِها كالخـداع والجبن والغـرور وسـواها، يقـول محمد العيد في قصيدته ” فلسطين العـزيزة ” التي نظـمها سنة 1367 هـ :
فَلَسْطينُ العـزيزةُ لاَ تُراعِي  فَعَينُ اللهِ رَاصدِةٌ تُـراعِي
وحَوْلَكِ مِنْ بَنِي عَدْنانَ جُنْدٌ كَثِيرُ الْعَـدِّ يَزْأرُ كَالسِّباعِ
إذا اسْتَصْرَخْتِهِ لِلْحَـرْبِ لَبَّى وخَفَّ إلَيْكِ مِنْ كُلِّ الْبِقاعِ
يَجودُ بِكُلِّ مُرْتَخَصٍ وغـَال  لِيَدْفَعَ عَنْكَ غَاراتِ الضّباعِ
بُليتِ بِهِمْ صَهـايَنَةً جياعًـا  فَسُحْقًا للصَّهايِنَةِ الْجِيـاعِ
سَتَكْشِفُ عَنْهُمُ الهَيْجاءُ سِتْرًا وتَرمِيهِمُ بِكُلِّ فَتَّى شُجـاعِ
ثم يدخل في وصف أخلاق اليهود، وطباعهم التي عرفوا بِها عبر العصور، فيقول:
وكَيْفَ يُصادِفُ العِبْريُّ نُجْحًـا  وَمَا أَخْـلاَقُـهُ غَيْرَ الْخِـدَاعِ
قد اشْتَهَر اليَهُـودُ بِكُلِّ قُطْرٍ  بِأَنَّ طِبَـاعَهُم شَـرُّ الطّبَـاعِ
قَدِ اغْتَرَّ الْيَهُـودُ بِمَا أَصَابُـوا بِأَرْضِ الْقُدْسِ مِنْ بَعْضِ الْقِلاَعِ
مَتَى كَانَ الْيَهُـودُ جنُودَ حَربٍ وَكُفُؤًا لِلأعـارِبِ في الصّراعِ
ويختم القصيدة بِهذا الصوت المتحمس الذي يأتي من الشاعر الثائر مُتوجها إلى فلسطين العزيزة :
فَلَسْطينُ الْعَـزِيزَةُ لا تَخَـافِي فَإنَّ العُرْبَ هَبُّـوا لِلدِّفَـاعِ
بِجَيْشٍ مُظِلمٍ كَاللَّيْلِ غَـطَّى حِيالَكِ كُلَّ سَهْلٍ أوْ يَفـَاعِ
ومـا أسْيَافُـهُ إلاَّ نُجـومٌ رُجـومٌ لِلْيَهـوُدِ بِلا نِزَاعِ
يُرابِطُ في ثُغُـورِكِ مُسْتَعِـدًّا عَلَى الأهْباتِ لِلأمْرِ المُطـاعِ
سَيَهْجُمُ مِنْ مَراكِـزِهِ عَلَيْهمْ هُجومَ الآكِلينَ عَلى القصاعي
ونَحْنُ بَنِي العُـروبَةِ قد خُلِقْنا نُلَبّي لِلْمَعـارِكِ كُلَّ دَاعِـي
لَنَا في الحَرْبِ غـاراتٌ كِبارٌ وأيَّـامٌ مُخـلَّدَةُ الْمَسَـاعِي
وكَيْفَ نَذِلُّ أوْ نَرْضَى انْخِفَاضًا  ونَجْمُ جُـدُودِنَا نَجْمُ ارْتِفَاعِ

انتصار فلسطين انتصار للجزائر وللعروبة جميعا:
غير أنَّ بعض الشعراء الجـزائريين كانوا يقرنون قضية فلسطين بالثـورة التحريرية بالجـزائر، لأنَّ انتصار الجـزائر هو انتصار لفلسطين وللعروبة جميعا، وهزيمَة المستعمر في هذا القطر تحمل له الهزيْمة في كل مكان، والنصر المتوقع في الجزائر سيتبعه نصرٌ آخر في فلسطين، لأنَّ ابن الجزائر بعد النصر في بلاده سيولي وجهه شطر فلسطين ليلبي نـداء (حيفا ويافا) وهو المعنى الذي عبّر عنه، شاعر الثورة مفدي زكريا، والشاعر الشيخ أحمد سحنون، وصـالح خرفي، و محمد جريدي وأحمد الطيب معـاش، وعبد الكريم العقـون، ومحمد الأخضر السـائحي، ومحمد أبو القاسم خمار، وعمر البرناوي، وغيرهم من المعاصرين..
لا أريد أن أطيل اكثر من هذا في عرض هذه النماذج الشعرية (غير المستقصاة)، من الشعر الذي تجاوب فيه الجزائريون مع إخوانِهم الفلسطينيين، وقد اجتهد غيرنا من أصحاب الاختصاص في التنقيب عنه في جملة من المظان، آثرنا تجميع بعضه في هذه السطور، واكتفينا ببعض المقطعات والقصائد دفعا للسآمة والملل. وهناك مجالات أخرى لم أَشَأْ أن أتحدث عنها، فهناك نثر، ومقالات، وأبحاث عن فلسطين، والنضّال الفلسطيني نخصص لها بحول الله حلقة خاصة، والله ناصر المستضعفين في فلسطين وغيرها ولو بعد حين..وما ذلك على الله بعزيز.

عن المحرر

شاهد أيضاً

التعلم مدى الحياة مبدأ في التربية المعاصرة وتعليم التعلم شعار التربية الحديثة

د.خالد شنون * لقد شكل البحث في التربية والعملية التعليمية التعلمية ومواقف التعلم الفعال اهتماما …