وراء الأحداث

متى تلتحق فرنسا بقافلة المعتذرين عن جرائم الاستعمار؟

أ. عبد الحميد عبدوس/

على عكس ما ميز مسعى الجزائر على مدى عقود للوصول إلى اتفاق عادل مع فرنسا بخصوص ملف الذاكرة وإقناع المستعمر الفرنسي بتقديم اعتذار صريح على الحقبة الاستعمارية التي دامت قرنا وثلث القرن(1830ـ 1962)، استطاعت الجارة الأوروبية لفرنسا ألمانيا بعد 6سنوات من التفاوض أن تتوصل إلى اتفاق مع الحكومة الناميبية حول ملف الماضي الاستعماري، حيث اعترفت ألمانيا رسميا في أواخر الشهر الماضي (ماي 2021) بأن الجرائم التي ارتكبها الاحتلال الألماني بين أعوام 1904 و1908 بحق شعبي هيريرو وناما في ناميبيا هي جرائم إبادة جماعية، وقررت تقديم اعتذار ودفع أموال لدعم الأجيال اللاحقة من الضحايا وقال وزير الخارجية الألماني وفي بيانه إنه: «في ضوء المسؤولية التاريخية والأخلاقية لألمانيا، سنطلب الصفح من ناميبيا ومن أحفاد الضحايا عن الفظائع التي ارتكبت بحقهم».
للتذكير احتلت ألمانيا ناميبيا لقرابة ثلاثين سنة (1884 – 1915)، وبعد عشرين سنة من الاحتلال الألماني لناميبيا وبالتحديد بين عامي 1904 و1905 ثار أفراد من قبليتي هيريرو وناما ضد المستوطنين الألمان بعدما حرمهم هؤلاء من أراضيهم وماشيتهم، فأصدر الحاكم العسكري الألماني لناميبيا أمرا بإبادة الثائرين الناميبيين ، فقام المحتلون الألمان بمذابح بشعة ضد الثوار بين أعوام 1904 و1908 أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 60 ألفا من أبناء شعب هيريرو وحوالي 10 آلاف من أبناء شعب ناما، واستخدمت القوات الاستعمارية الألمانية لإخماد هذا التمرد تقنيات إبادة جماعية شملت ارتكاب مذابح جماعية والنفي إلى الصحراء حيث قضى آلاف الرجال والنساء والأطفال عطشا وإقامة معسكرات اعتقال، وأُجبرت قبائل هيريرو وناما على المغادرة إلى الصحراء، ومن عاد منهم إلى أراضيه إما قتل أو وضع في معسكرات الاعتقال، ولم يكتف المحتلون الألمان بإبادة الثوار بل تعمدوا سرقة عظام الضحايا وأرسلت إلى ألمانيا في بدايات القرن العشرين بغية إجراء دراسة تهدف إلى إثبات أن الأوروبيين البيض يتفوقون على باقي الأعراق.
وظلّ تاريخ الاحتلال الألماني لناميبيا مغيبا عن الأجيال الصاعدة يقول المؤرخ الألماني المتخصص في الحقبة الاستعمارية يورغن تسيمرر «الكثير من طلبتي لا يعلمون في بداية تعليمهم الجامعي أي شيء عن أفريقيا والاستعمار». ويضيف «في المناهج التعليمية يتم تناول ذلك في ساعة أو ساعتين».
وفي شهر نوفمبر من العام الماضي ( 2020) أكد وزير الدولة في وزارة الخارجية خلال جلسة للبرلمان الألماني بالقول «عشنا لفترة طويلة في ألمانيا على وهم أن حقبة الاستعمار الألماني مرت بأقل الأضرار وأنها لم تكن طويلة حتى تخلف أضرارا حقيقية» .
قبل اعتراف ألمانيا بجرائم ماضيها الاستعماري وتقديم الاعتذار والتعويضات عن ذلك للشعب الناميبي، كانت إيطاليا قد قدمت لليبيا اعتذارها عن حقبة الاستعمار على لسان رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق سيلفيو برلسكوني، ووقع نهاية أوت 2008، معاهدة صداقة بين البلدين وقال إن بلاده ستدفع لليبيا خمسة مليارات دولار كتعويضات في شكل استثمارات على مدى 25 عاما.. وأعاد إلى ليبيا تمثال «فينوس قورينا»، الذي يعود إلى القرن الثاني الميلادي، وهو تمثال سرقه جنود إيطاليون من ليبيا عام 1913. ووصف رئيس الحكومة الإيطالي الاتفاق بـأنّه: «اعتراف ملموس وأخلاقي للضرر الذي ألحقته إيطاليا بليبيا».
وللتذكير، فقد هيمن الاستعمار الإيطالي على ليبيا قرابة اثنين وثلاثين سنة (1911 ـ 1943)، وفي الحقبة الفاشستية كان رئيس الحكومة الفاشية بينيتو موسوليني يعتبر ليبيا بمثابة «الشاطئ الرابع» لإيطاليا وتقدر بعض المصادر ضحايا الاستعمار الإيطالي من الليبيين بقرابة ثلاثمائة ألف ليبي.
في نفس الفترة التي تم فيها الاعتذار الألماني، قام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بتقديم الاعتذارعن دور فرنسا في مجازر رواندا وقال خلال زيارته إلى رواندا يوم الخميس 27ماي المنصرم (2021) إنه جاء «للاعتراف بمسؤولية فرنسا» في المجازر التي ارتكبت في رواندا عام 1994، لكنه أضاف أن فرنسا «لم تكن متواطئة».
وفي شهر مارس الماضي(2021) ذكر تقرير صادر عن لجنة المؤرخين الفرنسيين حول الدور الذي لعبته فرنسا في الحرب الأهلية برواندا وسلم إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن فرنسا تتحمل «مسؤوليات جسيمة ومروعة» إزاء ما جرى في رواندا، ولكنها «غير متواطئة» في جريمة التطهير العرقي التي حصلت في رواندا، سنة 1994التي كانت حصيلتها 800 ألف قتيل واغتصاب حوالي250 ألف امرأة. يمثل الهوتو حوالي 80% من سكان رواندا، ويمثل التوتسي أقلية 20%من السكان، ويشكل المسيحيون في رواندا الأغلبية ( 93%)، ويمثل المسلمون أكبر أقلية دينية في (حوالي 5%) التقرير الذي أصدرته لجنة المؤرخين الفرنسيين أشار إلى أن «الدولة الفرنسية ظلت عمياء في مواجهة التحضير للمجزرة لأسباب إيديولوجية صرفة عمادها الدفاع عن الفرانكوفونية في مواجهة الثوار التوتسي المدعومين من أوغندا الأنجلوفونية».
رغم أن الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند عمل في سنة 2015على رفع السرية عن الملفات والوثائق الخاصة بالدور الفرنسي في مذابح رواندا إلا أن الولوج إلى تلك الوثائق ظل ممنوعا بسبب القيود القانونية والإدارية.
منذ انتهاء تلك المذبحة، التي راح ضحيتها عناصر أقلية التوتسي، لم يتوقف التقارير عن الإشارة إلى ضلوع فرنسا فيها، وعن مسؤوليتها الكبيرة في استمرارها وتأمين الحماية لمقترفيها، بل وتورّطها أكثر عبر تقديم الأسلحة، ومشاركة فرنسيين فيها، وتسهيل هروب المجرمين من حكومة الهوتو، وتأمينهم في معسكرات آمنة.
في نوفمبر 2016 نشرت اللجنة الرواندية المعنية بمكافحة الإبادة، لائحة تتضمّن أسماء 22 ضابطاً وسياسياً فرنسياً تتهمهم بارتكاب جرائم خطيرة خلال حملة التطهير العرقي. كما تحدّث كتاب بعنوان «ما لا يُصرَّح به» بأن الفترة التي حصلت فيها جريمة التطهير العرقي الكبرى، بعد 7 أفريل 1994، والتي استمرت مائة يوم، شهدت إيصال ست شحنات من الأسلحة الفرنسية للقوات الحكومية الرواندية. وجاء في كتاب آخر أن هذه الأسلحة، والدعم اللوجيستي المرافق، ساعدت في زيادة عدد القوات الرواندية عشرات الأضعاف، ما ساهم في زيادة عمليات القتل.
مازالت فرنسا تسمي جريمة التطهير العرقي في رواندا «حربا أهلية». الاعتذار الوحيد الذي قدمته فرنسا لحد الآن لضحاياها كان هو الشعب اليهودي ففي 16 جويليه 1995 أقر رئيس الرئيس الفرنسي الأسبق الراحل جاك شيراك بمسؤولية فرنسا في ترحيل اليهود، قال: «نعم دعم فرنسيون، دعمت الدولة الفرنسية الجنون الإجرامي لسلطات الاحتلال».
وفي جويليه 2012 الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند اعترف بمسؤولية الدولة الفرنسية عما وقع لليهود بالقول: «الحقيقة هي أن هذه الجرائم ارتكبت في فرنسا من قبل فرنسا».
رغم أنّ الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون يعتبر أكثر رؤساء فرنسا جرأة في انتقاد الماضي الاستعماري للجزائر إلا أنه لم يستطع بعد تجاوز مرحلة «اللا إنكار واللا اعتذار» مكتفيا بخطوات صغيرة رمزية على درب تحقيق المصالحة التاريخية، بل إن إيمانويل ماكرون تحدث في كتابه (ثورة، إنّها معركتنا من أجل فرنسا) الذي نشره في نوفمبر 2016 قبل وصوله إلى سدة الرئاسة في فرنسا عن وجود «جوانب حضارية» في استعمار الجزائر بقوله: «حصل تعذيب، لكن نشأت أيضا دولة وثروة وطبقات وسطى، كانت هناك جوانب حضارية وجوانب همجية».

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com