الرئيسية | على بصيرة | العقل العربي بين مرارة الانكسار وحلاوة الانتصار

العقل العربي بين مرارة الانكسار وحلاوة الانتصار

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

ويح ضميرنا العربي، مما يكابده، ومما يلاقيه، فقد استبيحت حُرماته، وبُددت ثرواته، وشُوِّه تاريخه، ومزقت جغرافياته.
لقد توالت على الوطن العربي المصائب والنكبات، وتكاثر حوله –وفيه – الأعداء وتضاعفت المؤامرات.
فتح الجيل العربي المعاصر عينيه وعقله على خيبة الهزائم، وعلى انبطاح الحكام من عهد التمائم، وبمباركة بعض الشذاد من ذوي اللحى وأهل العمائم.

ففي عام 1948، احتل العدو الصهيوني أرضنا، بدعم الأعداء، وتواطئ بعض الأشقاء فكانت الخيانة الكبرى، التي ضيعت الأرض، وهتكت العرض.
وفي عام 1956، ذقنا من جديد مرارة الهزيمة، على أيدي الشرذمة اللئيمة، فلم تجد حماسة الجماهير الكريمة، ولا بعض الزعامات السليمة، فأذلتنا العصابات، الزنيمة.
وبعد طول إعداد واستعداد، وتهديد وإمداد، أصبنا في عام 1965، بأنكى الهزائم، الصعاب التي مرغت أنوفنا في التراب، ومكنت العدو من المزيد من الاغتصاب، ودخلنا من يومها –في مراحل الاضطراب.
وكنا نظن أن هذا سيكون لنا الدرس النافع، والبلسم الشافع، فخططنا للعبور وتحطيم الجسور، وإصابة العدو ببعض النسور، لكن الصهيوني بمكره، وغدره، وقهره وفكره، تمكن من فتح الجيوب، وكشف العيوب، وجعل عام 1973، عام بداية التطبيع والتمكين للركوب، فتحول الغالب منا إلى مغلوب.
هكذا، توالت المحن والنكبات على التتابع فحق فينا قول أبي الطيب المتنبي:
فصرت إذا أصابتني سهام  تكسرت النِّصال على النِّصال
ورب ضارة نافعة، فقد أخرج الله من جيل الهزيمة والحقارة، أطفال الحجارة، الطيور الأبابيل، التي زرعت الرعب في نفوس الأعداء، ولقنتهم دروس التضحية والفداء، وأذاقتهم البأساء والضراء.
يا أيها الأطفال
يا مطر الربيع .. يا سنابل الآمال
أنتم بذور الخصب في حياتنا العقيمة
وأنتم الجيل الذي سيهزم الهزيمة
إن أطفال الحجارة، هم الذين أصبحوا اليوم جيل الصواريخ والإغارة، وهم الذين أصبحوا فخر العروبة، والإسلام والحضارة.
فبفضل أطفال الحجارة، وأشبال الجهاد والإغارة، ذقنا اليوم في القدس وفي غزة، ذوق الانتصار، وخضنا المعارك بكل جدارة واقتدار، وأعدنا القضية الفلسطينية إلى ساحة العزة والفخار.
فيا جيل الانتصار، ويا مرابطي ومرابطات القدس الأحرار الأخيار، لقد أيقظتم ضمائرنا بعد طول سبات، وبعثتم فينا الحياة، بعد طول موات، وحولتم جحافل الأعداء المتغطرسين إلى شرذمة شتات.
وسام نعلقه –إذن- على جبين أحمد ياسين، والبرغوثي، وأبو عبيدة، وباقي الأبطال، وقبلة تقديس وتقدير نضعها على رؤوس الأمهات، اللائي أنجبن جيل المقاومة، الذي قضى على فكرة التفاوض والمساومة، وأبدع لنا لغة الصواريخ العميقة، وأسْمَع العدو صوت الحقيقة الدقيقة، وقدم للعالم صورة فلسطين بالدم والوثيقة.
فلله در الأم الفلسطينية التي أنجبت، والأخت المقدسية التي رابطت، وكبَّرَت وزغردت، وأحرار العروبة، والعالم وكل الجماهير التي ساندت، وتضامنت، وأنفقت.
فعندما تحل بنا اليوم نكبة الخامس من يونيو التي تعيد إلى عقولنا ذكرى أم الهزائم المشؤومة، يشفع لنا في الاستهزاء بها ما يعانيه أعداؤنا اليوم، من اضطرابات معلومة، ومن دعاء انتصارات موهومة، ومن وقفة عالمية مع الحق الفلسطيني كانت معدومة.
فيا آل إسرائيل! نقول ما قاله لكم الشاعر العربي نزار قباني:
من ورق المصحف نأتيكم
من السطور والآيات
لن تفلتوا من يدنا
فنحن مبثوثون في الريح
وفي الماء، وفي النبات
ونحن معجونون، بالألوان والأصوات
لن تفلتوا، لن تفلتوا
فكل بيت بندقية،
من ضفة النيل إلى الفرات
تبارك الذي أيقظ العقل العربي المسلم من سباته، وبصَّره –بعد طول مدى- بآياته ومكنه من العبور، بعد الانكسار، إلى الحضور على جسر الانتصار.
إن المارد الفلسطيني من القدس ومن غزة، يلقي درسه البليغ، فلتحسن العروبة والأمة الإسلامية الإصغاء، فما عاد في جماهيرنا ببغاء، وسنقضي على بقايا العملاء، بالتضحية والفداء، وسنجبر العالم كله على التسليم بقضية القدس عاصمة لكل فلسطين بفضل الأبطال الشرفاء.
لقد قالت القدس وغزة، كلمتهما النافعة الجريئة، وتبعتهما في ذلك كل الجماهير الصادقة البريئة، وبقي أن نعزز هذا الانتصار، بالدعم والمساندة، للقضاء على دعاة الاستسلام والمزايدة، فلا بد للجيش الفلسطيني من مال يقويه، وللمقاوم من سند يحميه، وللجهاد من فكر حر يجليه، وللحق من سلاح يعليه.
فاليوم، وقد تخلص الوعي العربي من مرارة الانكسار، وعبر إلى حلاوة الانتصار، يجب أن يسمو الجميع إلى مستوى هذه المرحلة ومتطلباتها، فالنصر بات قاب قوسين أو أدنى، بشرط أن نكون في مستوى النصر، وفي مستوى ما بعد النصر، وتقع المسؤولية بالدرجة الأولى على الفلسطينيين كي يوحدوا لغتهم، وعلى العرب كي يتجاوزوا خيانتهم، وعلى المسلمين كي يفعّلوا مساندتهم.
﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ﴾ [سورة آل عمران، الآية: 160]

عن المحرر

شاهد أيضاً

القدس: عظَمة الصِّغار وصَغار الكبار

أ.د. عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إن ما يكتبه شبان وشابات بيت …