إصدارات

قراءة في كتـــاب «النظرة الجلية على علاقاتنا الدولية»

الشيخ ثامر لطرش بن الساسي/

إن هذا الكتاب من تأليف الدكتور نور الدين رزيق عضو جمعية ع. م. ج، وأمين مالها وهو من مطبوعات الجمعية قدم له الدكتور عمار طالبي، حيث جاء في هذا التقديم العلاقات الدولية في ضوء الشريعة الإسلامية من أهم المباحث التي تضبط العلاقات بين الدول والقانون الدولي، وقد ألف بعض فقهاء المسلمين في هذا الشأن كالإمام الحنفي الحسن الشيباني، وأشار القرآن الكريم إلى المبادئ العامة التي تحكم علاقة المسلمين بغيرهم…. ويقول: وقد وجدت ظاهرة جديدة هي الحرب بين دولة إسلامية وأخرى إسلامية أيضا كما في اليمن اليوم، فما هو موقف فقه العلاقات الدولية في مثل هذا الوضع؟ وإن الفقه الدولي من جهة النظر في حاجة إلى اجتهاد جديد، وحلول قانونية يحتكم إليها المسلمون. ويقول: ونحن نشكر صاحب هذا البحث بهذا الموضوع، وكأنه ينبه فقهاء دار الإسلام إلى الاجتهاد في هذا الموضوع للوصول إلى فقه جديد لما استجد من أوضاع دولية ومنها الدول الإسلامية.

أما مقدمة المؤلف فإنه بعد حمد الله وشكره والإستعانة به أورد هذه الآيات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}[آل عمران: 102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}
[النساء: 01].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً{70} يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}[الأحزاب 70 – 71].
أما بعد: قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[الحجرات: 13]،…
وبما أن الإسلام رسالة خاتمة، ودين أرسل للبشرية جمعاء ظهرت عالميته في قدرته على التعايش مع كل الجماعات البشرية غير المحاربة، من نصارى ويهود وملوك وفقراء، سود وبيض… الخ وفق ضوابط معلومة وقواعد محددة حاولت في هذه الرسالة نقلها إلى القارئ الكريم بشكل بسيط ودقيق.
فالناس أمام الواقع الجديد فئات:
أولا: المسلم وهو كل من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وهذا يعد أخا مسلما لكل مسلم.
ثانيا: مواطن غير مسلم ويسمى ذمي أي أنه في حماية وجيرة الله ورسوله، وله الحرية في العقيدة، والحياة كالبيع والشراء، والمعاملات العامة.
ثالثا: المستأمن وهو من دخل لحاجة بإذن الدولة، أو من فوضته الدولة لإعطاء الأمان.
رابعا: الديبلوماسي، وهذا له حصانة قال – صلى الله عليه وسلم – لرسولي مسيلمة (لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما) رواه أحمد وأبو داود. خامسا: المحارب: وهذا معرض للأسر والقتل، ثم كان البحث عن العلاقات الدولية الإسلامية في وقت السلم، والعلاقات الدولية الإسلامية في وقت الحرب، ومما جاء في بداية الكتاب:
– العلاقة الدولية في ضوء الشريعة الإسلامية: إن النظام الذي يسود الدولة الإسلامية أو دار الإسلام كما اصطلح على تسميتها هو أول نظام ظهر في العالم كما هو معروف الآن بين الشعوب التي تدين بالإسلام ذلك أن ولاية الإسلام واحدة تشمل الشعوب والأقاليم، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالجنسيات فهي جنسية واحدة لأن الإسلام دين وجنسية معا ومعاملة الذميين والمؤتمنين معاملة واحدة في جميع الأمصار التي تشملها دار الإسلام، ومن المعلوم أن الدولة الإسلامية لا تتوقف مهمتها عند حد توفير العيش الكريم لرعاياها وتحقيق الأمن والطمأنينة لهم، ورد الاعتداء الخارجي عنهم، وإنما أهدافها أبعد من ذلك، إنها إسعاد البشر كلهم قال تعالى:
{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}
[الأعراف: 158].
أسس السياسة الخارجية: ومعناها فهم السياسة الخارجية للدولة الإسلامية.
1 – فكرة العالمية: إن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله للإنسانية: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ }[آل عمران: 19].
2 – الواقعية والمعالجة الشرعية: إن الشرك والوثنية أمر قائم عند حياة الناس {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}[يونس: 99]، فالإسلام حدد الأطر في معاملتها، فمنها من يحاربها أو يهادنها إلا أنه في الوقت نفسه يعتبرها دولا غير شرعية ينبغي ألا تمنع الدعوة إلى الله.
3 – التدافع ضرورة ومصلحة: لقد أقر الإسلام أن التدافع الإنساني مصلحة وضرورة في قوله تعالى:{وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ[ البقرة 251]، وقال: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}[الحج: 40].
فالصراع بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر سنة الله في خلقه، فلا يكفي الحوار الفكري لإزالة هذه المتناقضات لذلك تأتي ضرورة التدافع بالقوة.
4 – الكرامة الإنسانية: فالكرامة الإنسانية يقررها القرآن والسنة لكل من يتحقق فيه معنى الإنسانية، ولايكون قتاله وقتله إلا في الضرورة القصوى، وبالحق قال تعالى: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} [المائدة: 32]، فالدولة الإسلامية مأمورة بالحوار قبل اللجوء إلى القوة والسلاح، ولذك قال تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال: 61].
5 – التضامن والإلتزام: يدعو الإسلام للتضامن والدفاع عن الخير ومواجهة حالات الظلم والشر بغض النظر عن الملل والنحل والأقوام مثل تأييد حلف الفضول الذي كان حلفا عربيا قبل الإسلام على نصرة المظلوم وحرمة مكة المكرمة ورد المظالم، وكذا ترحيب المسلمين بانتصار الروم على الفرس لأنهم أهل كتاب، والدولة الإسلامية تلتزم بأحكام قانونها الدولي من تلقاء نفسها.
الظوابط الشرعية للسياسة الخارجية:
1 – لا إكراه في الدين: احترام حرية العقيدة احتراما كاملا، فمنع الإكراه في الدين إذ نفى القرآن الكريم بالنص أن يكون الإكراه طريقا للدين، ومنع المؤمنين أن يكرهوا أحدا على الدين،{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256].
2 – العدالة: العدالة حق للأعداء كما هي حق للأولياء {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}[المائدة: 08] ، ولهذا كان الأمر واجبا في كل شيء وعلى كل حال، والظلم حرام في كل شيء ولكل أحد، فلا يحل، ظلم أحد أصلا سواء كان مسلما أو كافرا أو ظالما.
3 – القوة المادية: الأخذ بأسباب القوة ضروري وأمر تمليه العقيدة الإسلامية الصحيحة بحيث لا تقوم عليها دولة أخرى {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ}[الأنفال: 60].
فتوفر القوة التي ترهب أعداءها تمنع التفكير بالإعتداء عليها، والإستعداد للحرب يمنع الحرب.
4 – رعاية الأخلاق: ولهذا المبدأ تطبيقات عدة مثل: أ – إعلام ناقض العهد: وعدم خيانتهم {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ} [الأنفال 58] أي أعلمهم عند خيانتهم بأنك نقضت عهدهم.
ب – احترام المواثيق: مثل قوله تعالى: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ}
[الأنفال: 72].
جـ – حماية الضعفاء: مثل النساء والأطفال والعجزة والعميان، والمقعدين والرهبان في الصوامع غير المشاركين بالقتال بالنفس أو الرأي
د – حرمة القتال غرة: لم يقاتل الرسول – صلى الله عليه وسلم – قوما قط حتى يدعوهم إلى الإسلام وقال: الماوردي «إن قتلهم غرة وبيانا ضمن ديات نفوسهم»،
هـ – تكريم النفس الإنسانية مثل تجنب التحريف والتمثيل، واجتناب الوجه في القتل.
علاقة الدولة الإسلامية بالدول الأخرى:
هناك اختلاف في التفصيلات وبالخصوص في أساس علاقة الدولة الإسلامية أي دار الإسلام وغيرها من الدول التي اصطلح على تسميتها «بدار الحرب» تحديد هذين المصطلحين: دار الإسلام ودار الحرب.
دار الكفر: هي التي يحكمها الكفار وتجرى فيها أحكام الكفر، ويكون النفوذ فيها الكفار وهي على نوعين: بلاد كفار حربيين وبلاد كفار، بينهم وبين المسلمين صلح وهدنة، وتصير إذا كانت الأحكام للكفار دار كفر، ولو كان بها كثير من المسلمين،دار الإسلام: هي التي يحكمها المسلمون وتجري فيها الأحكام الإسلامية ويكون النفوذ فيها للمسلمين ولو كان جمهور أهلها كفارا، * وهذه الدار يجب على المسلمين القيام بالذود عنها، والجهاد دونها فرض كفاية فإن دخل العدو الديار كان الجهاد فرض عين عليهم فعليهم جميعا مقاومته

مفهوم سلطان الإسلام السياسي أو السيادة :
إن سلطان الإسلام هو عبارة قديمة قريبة إلى حد كبير من معنى السيادة اليوم وهو مفهوم مرتبط بمصطلحات دار الحرب ودار الإسلام ودار العهد المتداولة في العلوم الإسلامية وإن مفهوم سلطان، الإسلام السياسي هو عينه المسألة الكبرى، فإذا كان الأصل في علاقات المسلمين بغيرهم هو السلم فإن سلطان الإسلام مقتصر على الديار والرعايا التي يحكم فيها بشرائع الإسلام، وإن كان الأصل هو الحرب فإن سلطان الإسلام السياسي ينبغي أن يمتد ويتوسع حتى يبلغ الأرض كلها.
– خضوغ النظام الإلهي والتحرر عن النظام البشري : رسالة الإسلام رسالة عالمية وجعل سبحانه وتعالى الحكم بما أنزل اليه فلاحا، والحكم بغيره خسرانا، وجعل من لم يحكم بما أنزل الله كافرا أو ظالما أو فاسقا قال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {المائدة: 44]، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45]، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47].
وليس الحكم بما أنزل الله خاصا بمكان أو زمان، فكل بقعة من بقاع العالم مكان لحكم الله، وكل زمان يجب أن يحكم فيه بما أنزل الله.
– العلاقات الاقتصادية بين الدولة الإسلامية والدول المسالمة :
1 – التجارة الخارجية : هي علاقة الدولة بغيرها من الدول والشعوب والأمم من ناحية تجارية ولابد أن تكون هذه السياسة مبنية على أسس معينة، والإسلام ككيان ودولة تسعى إلى إيجاد علاقات تجارية مع الدولة المسالمة التي لاخطر من التعامل معها من أجل السعي إلى إكمال عوز الدولة الإسلامية عن طريق التجارة الخارجية ولابد من الدخول في علاقات تجارية دولية لكسب الأرباح التي تعود على الدولة بالخير العميم.
والتجارة الخارجية كانت تنتقل بين الدول بواسطة الأفراد والتجار ومن أجل ذلك وضعت مراكز على حدود البلاد تسمى «السالح» أي أماكن حراسة على المواضع التي تنفد إلى بلاد الشرك من الطرق، فيفتشون من مر بهم من التجار، فمن كان معه سلاح أخذ ورد، ومن كان معه كتب قرئت كتبه… إلخ، فهذه المراكز على الحدود تقوم بتنظيم الأشخاص
والأموال والبضائع الداخلة إليها والخارجة منها عبر الحدود، ومنع الحمل – حمل المواد الغذائية مثل القمح إلى مكة حتى جهدت قريش فكتبوا إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يسألونه بأرحامهم بأن يكتب إلى «ثمامة» أن يحمل إليهم الطعام، فأمر -صلى الله عليه وسلم- بذلك، فهذا يدل على جواز تقديم الأطعمة إلى الكفار، وبعث رسول الله – صلى الله عليه وسلم- خمسمائة دينار (ذهب) حين قحطوا لتوزع بين فقرائهم ومساكنهم، قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 08] إدخال التجارة إلى البلاد : ففي هذا نص عام جاء في قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] فهذا نص عام يشمل التجارة الداخلية، ولم يرد نص يمنع المسلم أو الذمي من إدخال المال للبلاد، وعليه يجوز للمسلم أن يدخل أي مال يجوز تملكه وحيازته أما المعاهدون فإنهم يعاملون في التجارة الخارجية تحسب النصوص المتفق عليها في المعاهدة المعقودة معهم.
أما الحربيون فهم كل من ليس بيننا وبينهم معاهدات، وليسوا من رعايا الدولة الإسلامية.
العشار أو المكس، أو ما يسمى بالتعريفة الجمركية :
ومن إبراهيم بن مهاجر قال : سمعت زياد بن حديد يقول : أنا أول عاشر عشر في الإسلام فقلت : من كنتم تعشرون ؟ قال: ماكنا نعشر مسلما ولامعاهدا كنا نعشر نصارى بني ثعلبة كما كنا نعشر تجار الحرب كما كانوا يعشروننا إذا أتيناهم.
– عمر بن الخطاب يفصل في المكس – العشار – :
أما المسلم والذمي فلا يأخذ شيئا من المكس على التجارة التي يدخلها إلى بلاد الإسلام، ولا التجارة التي يخرجها إلى دار الحرب، وقد فصل في ذلك عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – وأقره الصحابة على ذلك فكان ذلك إجماعا، وهو دليل شرعي.
الإقتراض : القروض الدولية : لاشك أن الدول كالأفراد بحاجة إلى أموال في حالة العسر، ولكن في حقيقة الأمر أن هذا النوع من الحلول خطير حيث أن معظم الدول قد أستعمرت بسببه، وصعوبة رد هذه الديون مثل استعمار بريطانيا لمصر، واحتلال فرنسا لتونس هذا في القرن الماضي، أما الطريقة التي تعطى بها القروض اليوم فإنها تكون بإرسال خبراء لمعرفة مقدرة البلاد المادية، أي الإحاطة بأسرار البلاد الإقتصادية، ثم تحديد المشاريع التي تنفق عليها القروض… أما القروض الطويلة الأجل فإنها توضع لآجال طويلة عن قصد، ويتماهل عند استحقاقها حت تتراكم وتصبح مبالغ ضخمة، ويضرب بسببها الميزان الحسابي، وتعجز الدولة عن تسديدها نقدا أو ذهبا أو أموالا منقولة فتقدم لتسديدها أموالا غير منقولة، من عقارات أو أراضي، وربما مصانع مؤسسات، وبذلك تملك الدولة الدائنة أموالا غير منقولة في البلاد، وتصبح لها مصالح تصبح مبررا للتدخل أو بسط النفوذ.


ثم يتسائل المؤلف : لكن أين هو سبيل النجاة ؟
ويجيب بقوله : لعل الجواب يكون بأن نطالب بإعادة حساباتنا حتى لانمد أيدينا للإقتراض بالربا من الخارج مرة أخرى، ثم يقول… ولكن اقترضوا في نطاق الشرع الإلهي عن طريق نظام المضاربة والمشاركة، بل نقول : إن الضرورة في الشرع تقدر بقدرها كما يضطر فيقتضي الأمر على سائر أبواب الإسراف والتبذير، ونسد كل الأبواب الأخلاقية من رشوة وخيانة واختلاس وغيرها.
ويقول أيضا : الواجب يملي علينا البدأ من داخل مجتمعنا الإسلامي، فنطهر مصارفنا من الربا أولا بعدها نثق تماما أن مشكلاتنا الخارجية سوف تحل بطريقة طبيعية كما أن لنا نظريات إسلامية، والإسلام كامل متكامل، وإذا أردنا أن نجني ثماره فلابد أن ننقله كاملا في جميع مجالاته (إقتصادي – إجتماعي – سياسي).
من الحلول المقترحة في هذا المجال :
– التسهيلات الإئتمانية: إن القروض الربوية بأنواعها محرمة إلا إذا استثنينا القرض الحسن (عند العوام سلف احسان) والتسهيلات الائتمانية التي تعنى استيراد الآلات والمعدات اللازمة للمشاريع بثمن مؤجل فهي في حقيقة الأمر لاتعتبر من القروض الأجنبية بل هي من التجارة الخارجية فيجوز أخذها بثمن مؤجلا من ثمنها لو دفع حالا، وثمنا مؤجل أجلا واحدا معينا.
…. وعليه يمكن القول بأن التسهيلات الائتمانية جائزة لأنها من التجارة فهي تدخل تحت أحكام البيع، وليس تحت أحكام القروض، وبالتالي فهي جائزة للدولة كما هي جائزة للأفراد، وبموجب ذلك يجوز للدولة إستيراد مايلزمها من آلات ومعدات لأجل التنمية والرفاهية بثمن مؤجل، فهذا مسلك مُنْجٍ من القبضة الإستعمارية، نعني بذلك القروض الربوية.
ثم يستخلص المؤلف من نتائج البحث :
1 – استبعاد الفائدة وهي الربا المحرم، فآكل الربا محارب لله لايقبل منه عمل قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 278] 2 – توجيه الجهد نحو التنمية عن طريق الإستثمارات، ويتمثل هذا في أمرين :
أ – الإستثمار المباشر: وهو أن البنك بنفسه يقوم بتوظيف الأموال في مشروعات تدر عليه عائدا كإنشاء مصانع أو بناء مساكن للإيجار.
ب – الإستثمار بالمشاركة: أي يساهم البنك في رأسمال المشروع الإنتاجي فيكون شريكا في ملكية هذا المشروع، وشريكا في ربحه وخسارته.
3 – ربط التجارة الاقتصادية بالتنمية الاجتماعية: إن المجتمع هو الذي يوظف أمواله وسواعده وخبرته في هذه البنوك لتقوم بنشاطها الإنتاجي، وما أسست هي إلا خدمة للمجتمع، فالنظام الإسلامي يقوم على أساس التكافل الاجتماعي فهو نظام لاتكون غاية الجهد الاقتصادي فيه حتى تتحقق منفعة الفرد دون سواه كما هو الشأن في النظام الرأسمالي وإنما تكون غايته هي التضامن لتحقيق مصالح الجماعة المعتبرة شرعا.
4 – إحياء نظام الزكاة : أقامت المصارف الإسلامية صندوقا خاص لجمع الزكاة تتولى هي إدارته كما أخذت على عاتقها أيضا مهمة إيصال هذه الأموال إلى مصارفها المحددة شرعا وهو بذلك يؤدي واجبا إليها فرضه الله على هذه الأمة إضافة إلى الجانب الاقتصادي الذي تؤديه أموال هذه الفريضة.
ثم يستخلص نتائج أخرى من البحث فيقول :
أولا :
1 – البنوك الإسلامية تجمع بين التراث و المعاصرة في مجالات المعاملات الاقتصادية
2 – مواكبة العصر والتماشي معه في مستجداته من حيث الحركة الاقتصادية بطريق شرعي منظم
3 – الخروج بالناس من حملة الربا الشرسة إلى تعامل حلال أبرزه لهم الفقه الإسلامي من خلال أطواره وتطوره
4 – جعل الكثير من الناس يتفقهون في مسائل الحلال والحرام سواء كانوا من العاملين أو المتعاملين في البنوك الإسلامية أو الباحثين أو غيرهم.
5 – إنشاء هيئات للرقابة الشرعية تقوم بالإشراف والتدقيق، كما تقوم بدورالفتوى فيما يتعلق بهذه البنوك لتفقيه السائلين
ثانيا مقترحات
يقول المؤلف : لعدم معرفة الكثير من الناس عن هذه البنوك الإسلامية – لاسيما في بلادنا، وعن كيفية تعاملها فإني أقترح الأتي :
-1 تكثيف الفترات التي يتعرف الناس من خلالها على طبيعة هذه المصارف وأهدافها والوسائل التي تتبعها والأسس الشرعية تعتمد عليها في كل خطوة من هذه الخطوات
2 – تشجيع الباحثين في المجالات المختلفة التي لها علاقة بالإقتصاد الإسلامي لكي يكون العطاء وافرا والإنتاج كثيرا
3 – التعاون مع بعض الجامعات الإسلامية لتفريغ بعض الباحثين المخلصين للكتابة في القضايا التي تتعلق بهذه المصارف.
4 – محاولة نشر الميزانيات والتقارير السنوية لهذه المصارف بالصحف والمجلات الواسعة الإنتشار لعامة الناس للاطلاع على نتائج أعمال هذه المصارف والحكم عليها من خلال هذه النتائج
ثالثا : من أجل ضمان قيام هذه المصارف بأداء المهام الملقاة على عاتقها على أحسن وجه لابد من حسن إختيار العاملين بحيث تتوفر فيهم الكفاءة والخبرة بالأعمال المصرفية والإستثمارية
رابعا : هناك أمران يجب التنبيه عليهما :
1- هناك من يحرص على تشويه سمعة هذه المصارف والإساءة لها وقد يلجأ إلى أهدافه عن طريق الزج بمن يعمل لدى هذه المصارف فيسيء لها من خلال عمله فيها، فالواجب التيقظ والحذر من هذا الأمر، وعدم إعطاء الفرص لمن في قلبه مرض وغشاوة
2 – ضرورة التزام هذه المصارف بأحكام الشريعة الإسلامية في كل أعمالها ونشاطاتها.
الخاتمة:
ويختم المؤلف الكتاب بقوله : وختاما نسأل الله تبارك وتعالى أن يكون هذا العمل، وهو جهد المقل عونا للقارئ، وخالصا لوجهه الكريم، وأن يرزقنا التوفيق والسداد ومرضاته كما نسأله أن يهديناإلى سواء السبيل، ومنه نأمل الرحمة والغفران.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com